من السؤال إلى الميكانيكا
انتهت الحلقة الأولى إلى أن السؤال «الحضاري أولاً أم السياسي أولاً؟» سؤال خاطئ في صياغته، فما يسبق فعلاً هو بناء المؤسسات في المنطقة التي يلتقي فيها المساران. لكن هذا الجواب يفتح سؤالاً أصعب: لماذا نفشل، بالتحديد، في تلك المنطقة؟ لماذا تنجح مجتمعاتنا أحياناً في إنتاج علماء وجيوش وأحزاب وفقهاء، ثم تنفجر عند الحدود التي يلتقي فيها هؤلاء؟
يقدم د. محمد الخمسي، أستاذ الرياضيات التطبيقية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، في حوار مطول ببرنامج «مجتمع»، أدق تشخيص سمعته لهذه الميكانيكا. وقيمة تشخيصه أنه لا يأتي من السياسة، بل من عقل رياضي يفكر في المجتمع كما يفكر في نظام له مناطق استقرار ومناطق انفجار.
الفكرة الأولى: الإبداع والكارثة يولدان في المكان نفسه
نقطة انطلاق الخمسي أن الإبداع الحقيقي لا يولد داخل التخصصات المغلقة، بل في «مناطق التماس» بينها؛ حيث تلتقي الرياضيات بالبيولوجيا، أو الهندسة بالاقتصاد. ثم ينقل الفكرة من العلم إلى المجتمع بخطوة واحدة: الأمم أيضاً تُختبر في مناطق التماس، وكارثة العالم العربي ليست ضعف كل مجال على حدة، بل عجزه المزمن عن تدبير الحدود بين المجالات. ويحدد ثلاث مناطق بعينها.
المنطقة الأولى: بين حامل السلاح والمدني. منذ قرون تقوم الثورات وتسقط الأنظمة، ولم تنجح جماعة عربية واحدة في صياغة عقد ثابت يخضع فيه السلاح للقرار المدني بلا رجعة. كل ما أنتجناه كان هدنة مؤقتة تنتهي عند أول أزمة، وهو ما رأيناه حرفياً في القاهرة 2013 وطرابلس وصنعاء ودمشق.
المنطقة الثانية: بين رجل الدين ورجل الدولة. تُركت هذه المنطقة فراغاً لا يحكمه نص ولا عرف، فصارت ساحة ابتزاز متبادل: الدولة تستخدم المؤسسة الدينية لتبرير سلطتها، والجماعات الدينية تستخدم الدين لمنازعة الدولة سلطتها، والمجتمع بينهما يدفع ثمن انفجار لم يختر أطرافه.
المنطقة الثالثة: بين السياسي والاقتصادي. كل منهما يرى الآخر مطية مؤقتة: السياسي يستعمل الاقتصاد لشراء الولاء وتمويل البقاء، ورجل الأعمال يستعمل السياسة لحماية احتكاره. والنتيجة أن الأصول العامة، من الأرض إلى المصانع إلى الماء، تُباع في الزمن السياسي القصير لتسديد فواتير البقاء.
المهم في هذا التشخيص أنه يفسر لماذا فشل المعسكران في الحلقة الأولى: معسكر «السياسي أولاً» غيّر رأس السلطة وترك المناطق الثلاث على حالها، ومعسكر «الحضاري أولاً» أراد إصلاح التعليم بينما السلاح والدين والمال يبتلعون أي مؤسسة تُبنى.
الفكرة الثانية: التراكم في مقابل عقل «الصدر أو القبر»
يرى الخمسي أن النهوض يقوم على ركيزتين: التراكم، أي البناء على ما سبق بدل الهدم الدوري لكل شيء عند كل تغيير؛ والاحتشاد العقلاني الممكن، أي جمع الطاقات حول ما يمكن تحقيقه فعلاً لا حول ما يُتمنى.
وينتقد بحدة العقل السياسي العربي الذي يختصره بيت الشعر القديم: «ونحن أناس لا توسط بيننا / لنا الصدر دون العالمين أو القبر». عقل لا يعرف إلا القمة أو الفناء، ولا يرى أن المنطقة الوسطى، الممكنة والمحسوبة، هي التي تُبنى فيها الأمم فعلاً. هذا العقل هو الذي يجعل الثائر يرفض أي انتقال متدرج بوصفه خيانة، ويجعل المستبد يرفض أي تنازل بوصفه انهياراً، فيلتقي الاثنان، من طرفين متعاكسين، على تدمير البلد.
وهنا ينبغي قول شيء لا يقوله كثيرون بصراحة: أغلب أدبيات المعارضة العربية مكتوبة بعقل «الصدر أو القبر» نفسه الذي تنتقده في الحاكم. برنامج لا يحتوي على وثيقة انتقال محسوبة، بمراحل وضمانات لكل الأطراف، هو برنامج للمعركة القادمة لا للدولة القادمة.
الفكرة الثالثة: الزمن السياسي والزمن الحضاري
يقدم الخمسي مثال الماء. السياسي يعمل تحت ضغط زمن سريع: أفق خمس سنوات، وبحث عن سلطة أو ثروة أو الاثنتين. أما الماء، والعمران، والتعليم، والقيم، فقضايا لا تُقاس إلا بخمسين أو مائة عام. فإذا أُخضعت هذه القضايا لمنطق السياسي اللحظي، بيعت أصولها وحُوّلت مواردها إلى فواتير انتخابية أو أمنية.
هذه الفكرة تكمل معادلة الحلقة الأولى وتعطيها بعدها الزمني: الفصل بين الحضاري والسياسي ليس فصلاً في الأهمية، بل فصل في الزمن. كل ما يخص الأجيال القادمة يجب أن يُخرج من يد الزمن السياسي القصير ويُحصّن بنصوص لا تملك أغلبية عابرة تعديلها.
الفكرة الرابعة: المنبع والمصب في عصر الذكاء الاصطناعي
يميز الخمسي بين دول المنبع، التي تستعمل الذكاء الاصطناعي لحل مشكلات الجفاف والتعليم وترشيد الإنتاج، ودول المصب، التي تستهلكه أداة للغش والاحتيال والسخرية وتفتيت الرموز. والخلل عنده ليس في التقنية، بل في أن العالم العربي «يملك كل الأجوبة ولا يملك أسئلة عميقة». والتقنية التي تُعطى لمن لا يملك سؤالاً لا تنتج إلا ضجيجاً أسرع.
ينطبق هذا على العمل السياسي نفسه: يمكن للذكاء الاصطناعي اليوم أن يولّد ألف صفحة من «مشروع نهضوي» في ساعة، وهذا بالضبط ما يجب الحذر منه. قيمة أي مشروع لا تُقاس بحجم نصه، بل بقدرة صاحبه على تدقيق كل سطر فيه، وحصر ما يتناقض منه، وتحمل مسؤوليته أمام القارئ.
ما الذي يجب أن يستوفيه أي بديل؟
إذا كان تشخيص الخمسي صحيحاً، فإن أي مشروع يزعم تجاوز مأزق الحلقة الأولى ملزم بأن يجيب عن خمس اختبارات، لا عن واحد منها:
أولاً، نص صريح يحسم منطقة السلاح: من يقرر الحرب والسلم، ومن يملك ميزانية الجيش، وهل يحق للمؤسسة العسكرية ممارسة نشاط اقتصادي.
ثانياً، نص يحسم منطقة الدين: كيف يُحمى التدين من التوظيف الحزبي والتمويل الأجنبي دون أن تدخل الدولة في صدام مع مجتمع متدين.
ثالثاً، نص يحسم منطقة المال: شفافية إلزامية، وبطلان بيع الأصول العامة بقرار سياسي قصير الأجل.
رابعاً، وثيقة انتقال متدرج تنتمي إلى المنطقة الوسطى الممكنة، لا إلى «الصدر أو القبر».
خامساً، فصل واضح بين ما يخضع للزمن السياسي القابل للتعديل كل دورة انتخابية، وما يخضع للزمن الحضاري المحصّن.
--------------------------------------
بقلم: أشرف أحمد عبداللطيف
- في الحلقة الثالثة والأخيرة، نعرض كيف يمكن هندسة بديل يجيب عن هذه الاختبارات الخمسة معاً، عبر معمارية من وثائق منفصلة الوظيفة والزمن، ونناقش ما يمكن حسمه اليوم بالنص وما سيظل مفتوحاً مهما أُحكم النص.
- مرجع الحوار: «من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي: كيف نعبر بمجتمعاتنا إلى رحابة الرؤية الحضارية؟»، د. محمد الخمسي، برنامج «مجتمع»: youtube.com/watch?v=hA5Q9cgzUvo (مناطق التماس من الدقيقة 32:30؛ التراكم والاحتشاد من 50:00؛ الزمن السياسي من 40:16؛ المنبع والمصب من 21:39).






