26 - 09 - 2026

سؤال التأسيس الغائب | حضارياً أم سياسياً؟ (1): في تفكيك وهم الأسبقية

سؤال التأسيس الغائب | حضارياً أم سياسياً؟ (1): في تفكيك وهم الأسبقية

السؤال الذي نتجنبه منذ قرنين

منذ أن كتب رفاعة الطهطاوي «تخليص الإبريز» سنة 1834، والعقل العربي يطرح سؤالاً واحداً بصيغ متغيرة: لماذا تقدم غيرنا وتأخرنا؟ ومع ذلك، فإن السؤال الأعمق الذي يسبق هذا السؤال ما زال مهجوراً: هل أزمتنا سياسية في جوهرها، تكمن في استبداد السلطة واحتكارها للمجال العام؟ أم هي حضارية وثقافية، تتصل بعطب في العقل الجمعي، وفي التعليم، وفي أنماط التدين والتفكير؟

ليس هذا سؤالاً أكاديمياً. فالإجابة عنه تحدد من أين نبدأ، وبأي أدوات، وعلى أي أفق زمني. والمجتمعات العربية اليوم تقف على حافة انهيارات بنيوية تمس معاشها وهويتها وتماسك نسيجها الوطني، ولا تملك ترف الخطأ في تحديد نقطة البداية مرة أخرى.

معسكر «السياسي أولاً» واختباره الفعلي

رأى فريق من النخب أن المفتاح سياسي: اكسر شوكة الاستبداد وأطلق الصندوق الانتخابي، وستتدفق النهضة تلقائياً. كان هذا الفريق يملك حجة قوية: كل ما جُرّب من إصلاح تعليمي أو ثقافي تحت سقف الاستبداد انتهى إلى الفشل، لأن المستبد لا يسمح بعقل حر يفكر خارج ما يسمح به.

غير أن هذه الأطروحة نالت فرصة اختبار تاريخي نادرة سنة 2011، ونتائجها معروفة. في مصر، انتقلت البلاد من صندوق انتخابي إلى صراع هوية مفتوح ثم إلى انقلاب خلال أقل من ثلاث سنوات. في ليبيا واليمن وسوريا، تحول سقوط رأس السلطة أو اهتزازه إلى حرب أهلية بسلاح غير خاضع لأي قرار مدني. وحتى تونس، وهي الحالة التي حافظت على مسارها الديمقراطي عشر سنوات كاملة، ارتدت سنة 2021 إلى حكم الفرد دون مقاومة تُذكر من مجتمع كان يفترض أنه صار ديمقراطياً.

الدرس هنا دقيق ولا ينبغي تبسيطه: الصندوق لم يفشل لأنه صندوق، بل لأنه فُرّغ في واقع يفتقر إلى الروافع التي تحمله؛ لا توافق قيمي على معنى الدولة، ولا عقد يخضع السلاح للقرار المدني، ولا مؤسسات قادرة على البقاء بعد رحيل الأشخاص. الديمقراطية بلا هذه الروافع لم تنتج حرية، بل أطلقت صراع الهويات والعصبيات.

معسكر «الحضاري أولاً» والصورتان المختلفتان لهذه الحجة

في المقابل، وقف فريق آخر يقول إن الشعوب لا تصلح للديمقراطية ما لم تتغير ثقافتها وينصلح تعليمها. وهذه الحجة لها صورتان يجب التمييز بينهما بدقة.

الصورة الأولى صادقة وجادة، ويمثلها طه حسين في «مستقبل الثقافة في مصر» (1938): إصلاح التعليم والعقل شرط للنهضة، والدولة المدنية لا تُبنى فوق جهل عام. هذه الصورة لا يمكن رفضها؛ فالتاريخ لا يعرف أمة نهضت بمواطنين لا يقرأون.

أما الصورة الثانية فهي التشويه الذي أصاب الحجة حين تبناها الاستبداد نفسه: «الشعب غير جاهز بعد». هنا تحولت أطروحة الإصلاح إلى مظلة أيديولوجية تبرر الوصاية وقمع أي تطلع للتغيير، وصار المستبد يطالب المجتمع بأن ينضج تحت الحذاء ذاته الذي يمنعه من النضج. والنتيجة العملية معروفة: ستون عاماً من «الشعب غير جاهز» لم تنتج شعباً جاهزاً، بل أنتجت تعليماً أسوأ ونخباً مهاجرة ومجالاً عاماً فارغاً.

الاعتراض الآسيوي: ألم يسبق البناء الديمقراطية؟

سيقول قائل: لكن كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة بنت اقتصادها ومؤسساتها تحت حكم سلطوي أولاً، ثم جاءت الديمقراطية لاحقاً (كوريا 1987، تايوان في التسعينيات). أليس هذا دليلاً على «الحضاري أولاً»؟

الاعتراض جدي ويستحق جواباً صريحاً بدل تجاهله. والجواب أن ما سبق الديمقراطية في تلك البلدان لم يكن «تغيير الثقافة»، بل بناء مؤسسات محددة: إصلاح زراعي حقيقي، وتعليم عام ذو جودة، وبيروقراطية تُختار بالكفاءة لا بالولاء، وقانون يحمي الملكية والعقود حتى وهو لا يحمي حرية الرأي. أي أن السلطوية الآسيوية بنت الجزء الاقتصادي والإداري من الدولة قبل أن تبني الجزء السياسي منها. الاستبداد العربي، على العكس، لم يبنِ أياً من هذه المؤسسات؛ بل أفرغها عمداً لأن أي مؤسسة مستقلة، كما لو كانت مصلحة ضرائب أو جامعة، هي تهديد محتمل لسلطة الفرد.

وبهذا يصبح الاعتراض الآسيوي دليلاً على أطروحتنا لا ضدها: ما «يسبق» ليس السياسي ولا الحضاري، بل بناء المؤسسات، وهو تحديداً المنطقة التي يلتقي فيها المساران.

المعادلة: لا أسبقية زمنية، بل توزيع وظائف

الخطأ المشترك بين المعسكرين هو تصور المسألة كتتابع زمني: أيهما أولاً؟ والصحيح أنها توزيع وظائف داخل معادلة واحدة، لكل طرف فيها دور لا يقوم به الآخر.

النظام السياسي المستبد هو العائق البنيوي الأول أمام أي نهضة حضارية، لأنه يحتقر الفكر الحر ويخنق التعليم ويصادر مؤسسات المجتمع ويدفع الكفاءات إلى الهجرة. وفي الوقت نفسه، أي تغيير سياسي لا يستند إلى قاع أخلاقي صلب ورؤية حضارية جامعة تحدد ملامح الهوية ومعنى المواطنة، محكوم عليه بالارتداد إلى الاستبداد في أول منعطف، كما رأينا في 2013 و2011.

لذلك تتوزع الأدوار على النحو التالي: البناء الحضاري هو البوصلة والغاية، وهو يعمل على زمن طويل يمتد لخمسين أو مائة عام لا يعرف الاستعجال. وهندسة الدولة المدنية الديمقراطية هي السياج والأداة التنفيذية التي تحمي هذا البناء وتمنع مصادرته. لا يسبق أحدهما الآخر، بل يبدآن معاً ويعمل كل منهما على زمنه الخاص. وما يربط بينهما، ويحول هذا الكلام من شعار إلى برنامج، هو تصميم دقيق لنقاط الالتقاء التي فشلنا فيها تاريخياً: أين يقف السلاح من القرار المدني؟ وأين يقف الدين من الدولة؟ وأين تقف السياسة من الاقتصاد؟

لقد دفعت أمتنا ثمناً باهظاً لتوهّم أن التغيير ينتهي بإسقاط رأس السلطة، ودفعت ثمناً مساوياً لانتظار إصلاح ثقافي وهمي ترعاه دبابات المستبدين. والمخرج لا يبدأ من الاختيار بين المعسكرين، بل من تجاوز السؤال نفسه.
--------------------------------------
بقلم: أشرف أحمد عبداللطيف
* الكاتب مهندس مصري مقيم في إسبانيا

(في الحلقة القادمة: قراءة في أطروحة د. محمد الخمسي عن «مناطق التماس»: لماذا تنفجر المجتمعات عند حدود السلاح والمدنية، والدين والدولة، والسياسة والاقتصاد؟ وما معنى «الاحتشاد العقلاني الممكن» بديلاً عن عقل «الصدر أو القبر»؟)

مقالات اخرى للكاتب

سؤال التأسيس الغائب | حضارياً أم سياسياً؟ (1): في تفكيك وهم الأسبقية