عند النظر إلى التحركات الأمريكية تجاه كل من كوبا وفنزويلا وإيران، قد يبدو المشهد لأول وهلة متفرقًا، فلكل ساحة ظروفها الخاصة، ولكل أزمة عنوانها المختلف. ففي فنزويلا يبرز خطاب مكافحة المخدرات والهجرة والفوضى الاقتصادية، وفي إيران يتقدم ملف النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي، أما في كوبا فتُستحضر لغة الأمن القومي والتهديدات القادمة من الحديقة الخلفية للولايات المتحدة. غير أن القراءة المتأنية للعقل الاستراتيجي الذي حكم هذه السياسات تكشف أن الخيط الناظم بين هذه الملفات لا يكمن فقط في الاعتبارات الأمنية أو الأيديولوجية، بل في عنصر أكثر رسوخًا وتأثيرًا، هو النفط والطاقة بوصفهما قاعدة للقوة العالمية.
فمنذ عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي، عاد معه تصور أمريكي تقليدي يرى أن القوة الاقتصادية تبدأ من الطاقة، وأن الهيمنة الدولية لا تُصان بالخطب وحدها، بل بالقدرة على التحكم في الموارد والأسواق وسلاسل الإمداد. ولهذا لم يكن من قبيل الصدفة أن يرفع شعار التوسع في الحفر والإنتاج، وأن يمنح النفط والغاز أولوية على حساب خطابات التحول الأخضر والطاقة المتجددة. فترامب، بخلاف تيارات أخرى داخل النخبة الأمريكية، ينظر إلى النفط باعتباره أداة سيادة وطنية، ورافعة للنمو الداخلي، وسلاحًا جيوسياسيًا في مواجهة الخصوم.
في هذا السياق، تبدو فنزويلا حالة نموذجية لفهم الترابط بين الجغرافيا السياسية والطاقة. فالدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم لم تكن بالنسبة لواشنطن مجرد نظام يساري معادٍ أو مصدرًا لأزمات اجتماعية وهجرات إقليمية، بل كانت أيضًا خزّانًا هائلًا للطاقة خارج السيطرة الأمريكية المباشرة. ومن ثم، فإن أي حديث عن إعادة تشكيل النظام السياسي الفنزويلي لا يمكن فصله عن الرغبة في إعادة فتح القطاع النفطي أمام الشركات الغربية، ودمج هذا المورد الاستراتيجي في شبكة النفوذ الاقتصادي الأمريكي. فحين تنظر واشنطن إلى كاراكاس، فإنها لا ترى فقط حكومة مزعجة، بل ترى أيضًا أحد أكبر مفاتيح سوق الطاقة العالمية.
أما إيران، فإن فهم الصراع معها من زاوية الملف النووي وحده يظل قراءة ناقصة. صحيح أن البرنامج النووي شكّل العنوان الأبرز في الخطاب السياسي والإعلامي، لكن إيران في جوهرها تمثل أكثر من ذلك بكثير. فهي دولة تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، وتجلس على مفترق طرق الطاقة العالمي، وتشرف بصورة مباشرة على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وهذا يعني أن أي تغيير في موقع إيران السياسي أو في طبيعة نظامها أو في قدرتها على التأثير الإقليمي ينعكس تلقائيًا على أسواق الطاقة، وعلى قدرة الولايات المتحدة في إدارة توازنات الخليج، وعلى فرص القوى المنافسة مثل روسيا والصين في الوصول المستقر إلى مصادر الطاقة. ومن هنا، فإن المواجهة مع طهران لم تكن مجرد صراع أمني، بل جزء من معركة أوسع حول من يتحكم بشرايين الاقتصاد الدولي.
لكن الحالة الأكثر إثارة للتساؤل تبقى كوبا. فهذه الجزيرة الصغيرة، المحدودة عسكريًا واقتصاديًا، لا تبدو ظاهريًا خصمًا قادرًا على تهديد الولايات المتحدة، كما أن حضورها الدولي منذ نهاية الحرب الباردة تراجع كثيرًا مقارنة بما كانت عليه في زمن أزمة الصواريخ الكوبية. لذلك، فإن عودتها المفاجئة إلى دائرة الاهتمام الأمريكي لا يمكن تفسيرها فقط باعتبارها بقايا صراع أيديولوجي قديم. صحيح أن علاقتها مع روسيا والصين تمنحها بعدًا جيوسياسيًا، لكن الأهم من ذلك هو ما تشير إليه التقديرات الجيولوجية بشأن وجود إمكانات نفطية واعدة في مياهها الشمالية. وإذا ما تم تطوير هذه الموارد مستقبلًا، فقد تتحول كوبا إلى لاعب طاقوي معتبر في منطقة الكاريبي، وعلى مسافة قريبة جدًا من السواحل الأمريكية.
هنا يتغير معنى كوبا في الحسابات الاستراتيجية. فهي لم تعد فقط نظامًا شيوعيًا صامدًا على مقربة من فلوريدا، بل موردًا محتملًا للطاقة، وموقعًا جغرافيًا بالغ الحساسية، وساحة مفتوحة أمام التنافس مع روسيا والصين. ومن هذا المنظور، يصبح الضغط الأمريكي على الجزيرة مفهومًا أكثر. فنجاح كوبا في تحقيق اكتفاء ذاتي في الطاقة، أو تحولها إلى مصدر للطاقة، سيعني امتلاكها موارد مالية جديدة، وتقليص أثر العقوبات، وتوسيع هامش استقلال قرارها السياسي. ولذلك، فإن إبقاءها في حالة اعتماد اقتصادي وطاقة شحيحة يخدم منطق الاحتواء أكثر بكثير من السماح لها بالنهوض.
إن ما يميز رؤية ترامب هو أنها لا تنظر إلى النفط كسلعة تجارية فقط، بل كأداة استراتيجية متكاملة. فالنفط الرخيص يعني خفض تكاليف الصناعة الأمريكية، واحتواء التضخم، وتعزيز القدرة التنافسية، وتوفير موارد إضافية للإنفاق العسكري، إلى جانب منح واشنطن قدرة أكبر على التأثير في الحلفاء والخصوم معًا. ولهذا فإن السيطرة لا تعني بالضرورة الاحتلال المباشر أو الإدارة العسكرية، بل قد تتحقق من خلال تغيير الأنظمة، أو فتح الأسواق، أو فرض ترتيبات سياسية تضمن تدفق الموارد وفق المصالح الأمريكية.
ومن هنا، فإن الربط بين فنزويلا وإيران وكوبا لا يقوم فقط على طبيعة أنظمتها السياسية، بل على موقعها في خريطة الطاقة العالمية. فجميعها دول تمتلك موارد كبيرة أو إمكانات واعدة، وجميعها تقع خارج المدار الأمريكي الكامل، وجميعها تمثل، بدرجات متفاوتة، فرصًا محتملة أو عقبات قائمة أمام مشروع الهيمنة الطاقوية الأمريكية. وهذا ما يفسر لماذا تتكرر بحقها خطابات الأمن القومي، والعقوبات، والتهديد، والضغط السياسي، وحتى التلويح بالقوة.
الأهم من ذلك أن هذا النمط يعكس عودة صريحة إلى الجغرافيا السياسية الكلاسيكية، حيث تعود الموارد الطبيعية والممرات البحرية لتكون في قلب الاستراتيجية الكبرى. ففي عالم يتحدث كثيرًا عن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، ما زالت الدول الكبرى تتحرك وفق منطق قديم جدًا مفاده أن من يملك الطاقة يملك هامشًا أوسع في القرار، ومن يسيطر على طرقها يملك قدرة أكبر على صياغة النظام الدولي.
لذلك، فإن قراءة سياسات ترامب تجاه هذه الدول من زاوية الأمن وحده أو الأيديولوجيا وحدها تقود إلى نصف الحقيقة فقط. أما النصف الآخر، وربما الأهم، فيكمن في السؤال الاقتصادي الصلب الذي يختبئ خلف العناوين الكبرى مثل "من يملك النفط"، و"من يملك حق الوصول إليه"، و"من يمنع الآخرين من استخدامه؟" ... وغيرها. هنا بالضبط يمكن فهم كثير من التحركات التي بدت للبعض متفرقة، بينما هي في جوهرها أجزاء من رؤية واحدة ترى أن مستقبل القوة الأمريكية يبدأ من الطاقة وينتهي عندها.
-------------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد






