حين عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدا لكثيرين أن العالم يقف أمام لحظة جديدة من صعود اليمين القومي العابر للحدود، فالرجل الذي أعاد تشكيل الحزب الجمهوري، وألهم تيارات شعبوية وقومية في أوروبا وأمريكا اللاتينية، كان يُنظر إليه بوصفه مركز ثقل أيديولوجي لمعسكر عالمي يرفع شعارات السيادة الوطنية، ومقاومة العولمة، واستعادة الهوية الثقافية المحافظة. غير أن التطورات الأخيرة، خصوصًا التصعيد العسكري مع إيران، كشفت أن المشروع الذي رُوّج له باعتباره عنوانًا لـ"استعادة القوة الأمريكية" قد يتحول تدريجيًا إلى مسار يقود نحو عزلة أمريكية متزايدة، وانقسام داخل اليمين الدولي، وتآكل تدريجي في أدوات النفوذ التقليدي لواشنطن. فشعار "أمريكا أولًا" يبدو اليوم أقرب إلى "أمريكا وحدها". وبشكل عام، فقد شكّلت المواجهة مع إيران أحد أبرز اختبارات السياسة الخارجية في الولاية الثانية لترامب. فما بدأ في صورة ضغوط اقتصادية وعقوبات مشددة تطور إلى مواجهة عسكرية واستراتيجية أوسع، خصوصًا مع التوترات في مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.
المشكلة هنا تكمن في أن التصعيد لم يقترن برؤية سياسية واضحة لما بعده، فاللجوء إلى القوة أو التهديد بها دون تحديد هدف نهائي قابل للتحقق، غالبًا ما يعكس ارتباكًا استراتيجيًا أكثر من كونه تعبيرًا عن الثقة. وقد انعكس ذلك سريعًا على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحالة الاستقرار الدولي.
لكن الأخطر في هذا الصدد أن واشنطن لم تدخل هذه المواجهة مدعومة بتحالفات واسعة كما حدث في أزمات الخليج السابقة، بل بدت أكثر ميلًا إلى التحرك الأحادي، ما جعل القوة الأمريكية تبدو أقل قدرة على صناعة الإجماع وأكثر ميلًا إلى إنتاج التوتر.
في مقدمة النتائج المترتبة على هذه الأزمة، يمكن الإشارة لتردد الحلفاء الأوروبيين في الاصطفاف خلف الولايات المتحدة، فقد فضلت قوى أوروبية رئيسية مسارات التهدئة الدبلوماسية، أو تبني ترتيبات أمنية مستقلة، بدل الانخراط الكامل في الاستراتيجية الأمريكية. ففي ألمانيا، تصاعد الحديث عن تعزيز الركيزة الدفاعية الأوروبية داخل حلف شمال الأطلسي بما يقلل الاعتماد على واشنطن. وفي فرنسا، عاد النقاش حول الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي والردع النووي القاري. أما في إيطاليا، فقد أظهرت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، التي عُدَّت فيما سبق حليفًا أيديولوجيًا لترامب، مسافة واضحة من خياراته الأخيرة. لكن هذه المواقف لا تعني قطيعة مع الولايات المتحدة، لكنها تشير إلى تحول مهم؛ فأوروبا لم تعد ترى في القيادة الأمريكية ضمانة تلقائية للاستقرار، بل باتت تنظر بشكل أو بآخر إلى قرارات واشنطن بوصفها مصدرًا للمخاطر.
لقد تحولت ظاهرة "الترامبية" (نسبة لآسلوب ومنهاجية الرئيس ترامب السياسية) في الآونة الأخيرة إلى مرجعية لتيارات يمينية عديدة حول العالم، فقد كان الخطاب بسيطًا وجذابًا تمثل في استعادة الحدود وتقليص الهجرة وحماية الصناعات الوطنية بالإضفة لمواجهة النخب العابرة للحدود. لكن الانتقال من خطاب المعارضة إلى ممارسة الحكم كشف تناقضات عميقة، فالحركات القومية التي ترفع شعار السيادة الوطنية تجد نفسها اليوم أمام سؤال صعب: هل يمكن دعم مشروع أمريكي يتطلب الاصطفاف خلف تدخلات خارجية، أو تحمل كلفة اقتصادية ناتجة عن صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة؟ ولهذا بدأت العديد من التيارات اليمينية الأوروبية تعيد تموضعها، مفضلة التركيز على أجنداتها الوطنية الخاصة بدل الارتباط التلقائي بواشنطن. وبذلك، لم يعد هناك "يمين عالمي موحد"، بل نسخ قومية متعددة، لكل منها أولوياتها ومخاوفها المختلفة.
هنا تتعرض الشرعية الأخلاقية للاهتزاز؛ فإلى جانب التباينات السياسية، ظهرت تصدعات على مستوى المرجعيات القيمية، لاسيما وأن قطاعات من اليمين المحافظ قد اعتادت الاستناد إلى دعم مؤسسات دينية، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها. لكن الخلافات العلنية مع الفاتيكان ومواقف البابا ليو الرابع عشر المنتقدة للحرب والتصعيد قد كشفت أن هذا الغطاء الأخلاقي لم يعد مضمونًا. فعندما يدخل المشروع السياسي في صدام مع مرجعيات دينية وأخلاقية مؤثرة، من الطبيعي أنه يخسر أحد مصادر تماسكه الرمزي، خصوصًا إذا كان جزء من خطابه يقوم أصلًا على الدفاع عن "القيم الحضارية".
ما سبق لا يعني أن القوة الأمريكية تنهار، أو أن ترامب فقد تأثيره الداخلي، فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك أكبر قدرات عسكرية ومالية في العالم، ولا يزال ترامب شخصية مركزية في السياسة الأمريكية. لكن الفارق أن النفوذ لا يُقاس بالقدرة على الفعل فقط، بل بالقدرة على جمع الحلفاء، وطمأنة الشركاء، وتقديم نموذج قابل للجذب. بعبارة أخرى، فإن الأزمة الراهنة تبدو كاشفة لتحول أعمق؛ حيث لم تعد واشنطن تقود المعسكر الغربي كما في السابق، بل تواجه تزايدًا في الحذر تجاه سياساتها، حتى من أقرب الشركاء.
الغاية أن المسار الحالي للسياسات الأمريكية يكشف أن شعار "أمريكا أولًا" قد ينتهي وبشكل متناقض إلى "أمريكا وحدها"، فبدلا من أن يقود إلى توحيد اليمين العالمي وتعزيز النفوذ الأمريكي، قد يدفع نحو عكس ذلك تمامًا، أي لتحالفات أكثر هشاشة، ويمين دولي أكثر انقسامًا، ونظام دولي أقل خضوعًا للقيادة الأمريكية. وعلى ذلك، لم يعد السؤال ما إذا كان ترامب قادرًا على إعادة تشكيل العالم وفق رؤيته، بل ما إذا كانت سياساته تسرّع انتقال العالم إلى مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية التقليدية، حيث تتوزع القوة، وتتعدد المراكز، وتصبح الولاءات الأيديولوجية أكثر سيولة من أي وقت مضى.
---------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد







