16 - 02 - 2026

سيادة وطن.. وحدود ضيافة

سيادة وطن.. وحدود ضيافة

شيء من الضيق يتسلل لنفوس الشعب المصري، عندما يرى من فتح لهم بيوته وأرضه، وآواهم في الوقت الذي استضافتهم دول العالم في خيام لا آدمية، يهاجمون مصر لمجرد أنها قررت تطبيق القانون، وكأننا مطالبون بالاعتذار عن حماية حدودنا وترحيل المخالفين!

مصر، بحكم الجغرافيا والتاريخ، لم تكن يومًا دولة مغلقة في وجه من يلجأ إليها وقت الأزمات، استقبلت مئات الآلاف من اللاجئين، فتحت لهم أبواب العمل والتعليم والعلاج دون تعقيدات تُذكر مقارنة بدول أخرى عاملتهم كمجرد أرقام، لكن يبدو أن البعض اعتبر هذا الكرم حق دائم غير مشروط، وأن الأرض أصبحت أرضه لا خروج منها ولا عودة لبلادهم مرة أخرى حتى لو تحسنت ظروفها.

اللافت أن الأصوات المرتفعة في الهجوم على مصر، تتجاهل حقيقة أن دولًا كثيرة تطبق إجراءات أشد صرامة من مصر، دون أن تُتهم بالقسوة أو العنصرية، بينما يُراد من مصر وحدها أن تبقى في موقف الاستثناء الدائم، وأن تتحمل ما لا تتحمله دول أغنى منها بكثير، فمثلًا في دول مثل ألمانيا وكندا وتركيا، القوانين صارمة وواضحة ولا يمكن لأي مقيم ولا لاجئ مخالفتها، حتى دول الخليج لا تجد فيها سوريا واحدا يستطيع أن يتفوَّه بكلمة تجاه الدولة التي يقيم فيها، فلماذا عند مصر تحول الأمر إلى حملات ضغط على الدولة أو تشكيك في حقها السيادي؟

أتحفونا أنهم "موجودون في مصر بقروشهم ويفتحون اقتصادها"، وحين جاء وقت الترحيل للمخالفين، فجأة أصبح السوري والسوداني لا يملك ثمن تذكرة العودة لبلاده، وتصدَّرت الشائعات والأكاذيب المشهد، حول اعتقالات وترحيل تعسفي خاصة ضد السودانيين، وأصبحت مصر هي الشرير في روايتهم!

في عالم اليوم، لم تعد مسألة الهجرة والإقامة شأنًا هامشيًا، بل أصبح من صميم الأمن القومي والإدارة الاقتصادية لأي دولة، فكل دولة تضع قوانين تحدد من يدخل أراضيها، وكم يبقى، وتحت أي شروط يرحل، هذه ليست قسوة، بل تعريف بسيط لمعنى الدولة ذات السيادة.

حين تطبق مصر قوانين الإقامة على المخالفين؛ هي لا تبتدع شيئًا جديدًا، بل تمارس حقها مثل باقي دول العالم، الجديد فقط أن القرار حين يصدر من مصر يُقابل بضجيج واعتراضات وكأن الأمر استهداف أو تضييق لا تطبيق للقانون.

تعلَّمنا من موقفنا مع اللاجئين السوريين والسودانيين تحديدًا؛ أن الكرم الزائد رُبما يُقابل باستحقاقية، والاستضافة والترحاب أحيانًا يُترجم إلى حق مكتسب، وأن البعض قد ينظر إليك أنك ضعيف لمجرد أنك تعاملت معه باحترام بالغ لم يره من شعوب أخرى، وأنك ظالم ومتجبِّر لمجرد أنك قررت تطبيق القانون!

مهما علت حملات التشويه، سيبقى التاريخ شاهدًا على أن مصر آوت حين ضاقت الأوطان، وساعدت حين أدار الآخرون ظهورهم، وسيبقى اليقين أن الكريم إذا أكرمته.. ملكته.
--------------------------
بقلم:
إيمان جمعة

مقالات اخرى للكاتب

سيادة وطن.. وحدود ضيافة