رضا ترامب وسوريا بدون الجولان أحدث تجليات العلاقة مع الغرب
كشفت صحيفة The Telegraph البريطانية، في تقرير نشرته، عن تفاصيل مثيرة تتعلق بإدارة قناة اتصال سرية جمعت بين مسؤول بريطاني، وهيئة تحرير الشام التي يقودها أحمد الشرع، في خطوة تعكس تحولًا عميقًا في طريقة تعاطي الغرب مع الملف السوري، ومع جماعات كانت حتى وقت قريب مصنفة رسميًا كتنظيمات إرهابية.
وبحسب ما ورد في التقرير، لعب جوناثان باول، مستشار الأمن القومي البريطاني، دورًا محوريًا في فتح قناة اتصال غير معلنة مع هيئة تحرير الشام في عام 2023، وذلك خلال فترة عمله في مؤسسة خيرية، وبعلم وطلب من أجهزة استخبارات بريطانية.
لم يكن الهدف من هذه القناة إنسانيًا بحتًا، بل سياسيًا وأمنيًا بالأساس، إذ سعت لندن من خلالها إلى استكشاف مستقبل سوريا في حال سقوط نظام بشار الأسد، ومحاولة بناء خطوط تواصل مبكرة مع القوى الفاعلة على الأرض، حتى وإن كانت لا تزال مصنفة كنتظيمات “إرهابية”.
ووضع التقرير اسم أحمد الشرع، أو “أبو محمد الجولاني” في صلب هذه الاتصالات، فالشرع المعروف سابقًا بقيادة جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة، كان يقود وقتها هيئة تحرير الشام، التي تفرض سيطرتها على مساحات واسعة من شمال سوريا.
ورغم ماضيه الجهادي، إلا أنه بدأ خلال السنوات الأخيرة في إعادة تقديم نفسه كزعيم محلي يسعى لإدارة مدنية، والتخلي – نظريًا - عن مشروع “الجهاد العالمي”، في محاولة لكسب قبول إقليمي ودولي، أو على الأقل تخفيف حدة العزلة السياسية المفروضة عليه.
اللافت في القضية ليس مجرد وجود اتصالات سرية، بل ما تلاها لاحقًا، فبعد سقوط نظام الأسد وتغير المعادلة السياسية في سوريا، اتجهت بريطانيا إلى إعادة تقييم موقفها من هيئة تحرير الشام، وصولًا إلى رفعها من قائمة التنظيمات الإرهابية في 21 أكتوبر الماضي.
أثار هذا التحول حفيظة المعارضين، إذ يرى منتقدو هذه الخطوة أن التواصل مع تنظيم يقوده أحمد الشرع يعني منح شرعية سياسية لشخصية متهمة تاريخيًا بالعنف والإرهاب، دون محاسبة واضحة على الجرائم السابقة، مما يثير التساؤلات حول جدية ضمانات عدم العودة إلى الإرهاب.
فيما يدافع أنصار هذا التوجه عن فكرة أن الواقع يفرض نفسه وأن تجاهل القوى الفعلية في سوريا لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى، مؤكدين أن دمج هذه القوى في العملية السياسية قد يكون وسيلة لاحتوائها بدل تركها خارج النظام الدولي.
غياب التفاصيل في التقرير البريطاني على هذا النحو، لم يغلق باب التساؤل بل وسَّعه، خاصة في ضوء التحولات اللافتة في مواقف القيادة السورية الجديدة خلال المرحلة الأخيرة.
غموض العلاقة قبل سقوط الأسد
رغم أن التقرير البريطاني أشار بوضوح إلى وجود قناة اتصال سرية بين جوناثان باول وهيئة تحرير الشام، إلا أنه تعمد عدم الخوض في طبيعة هذه العلاقة أو مضمون التواصل بينهما قبل سقوط نظام بشار الأسد، وهذا الغموض لا يعني بالضرورة غياب تفاهمات، لكنه يفتح بابًا مشروعًا للتساؤل حول توقيت وحدود هذه الاتصالات، وما إذا كانت جزءًا من ترتيبات أوسع جرى إعدادها مبكرًا لإدارة مرحلة ما بعد الأسد.
تحوّل في خطاب وسلوك أحمد الشرع
لوحظ خلال المرحلة الأخيرة، تحول واضح في خطاب أحمد الشرع وسلوكه السياسي، فالرجل الذي ارتبط اسمه طويلًا بخطاب الجهاد والمواجهة المفتوحة، بات يركز على مفردات الإدارة والحكم المحلي، مع حرصه على تقديم نفسه كشخص يمكن التعامل معه دوليًا، في محاولة لإزالة الحواجز النفسية والسياسية التي تراكمت بفعل نشاطه السابق.
التنازلات السيادية والرسائل الدولية
أكثر المؤشرات إثارة للجدل تمثلت في التنازلات السيادية غير المسبوقة، سواء عبر التصريحات السياسية للشرع نفسه، التي أبدى فيها رفضه الدخول في صراع مع إسرائيل المحتلة أجزاء من أرض سوريا بعد سقوط نظام بشار، أو عبر خطوات رمزية اتخذتها حكومته، وفي مقدمتها نشر وزارة الخارجية السورية خريطة رسمية لسوريا خالية من هضبة الجولان المحتلة ولواء اسكندرون، تحت عنوان “بدون قانون قيصر”.
هذا التصريحات والخطوات لا يمكن قراءتها باعتبارها تفصيلًا فنيًا أو سهوًا بروتوكوليًا، بل تحمل دلالات سياسية عميقة، توحي بقبول ضمني بالأمر الواقع، أو توجه رسالة طمأنة إلى أطراف دولية بعينها.
العلاقة مع الولايات المتحدة
في السياق السياسي الدولي، من الصعب تصور أن الولايات المتحدة تمنح شرعية أو اعترافًا سياسيًا لقوى صاعدة دون مقابل واضح، فتاريخ السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط يؤكد أن الانفتاح غالبًا ما يكون مشروطًا بضمانات تتعلق بأمن إسرائيل وتثبيت الحدود، وإنهاء الملفات التاريخية العالقة.
وفي قراءة لتداعيات زيارة الشرع للولايات المتحدة الأمريكية، أثار تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتصف الشهر الجاري، بشأن “إهداء” رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، هضبة الجولان، بعد عناء استمر 70 عامًا، دون مقابل، التساؤلات حول الثمن الذي ربما دفعته القيادة السورية الحالية مقابل هذا الاعتراف الدولي.
بين الغموض والوقائع.. أسئلة بلا إجابات
في ظل غياب المعلومات الكاملة حول كواليس الاتصالات السابقة بين المخابرات البريطانية وهيئة تحرير الشام، وتزامن ذلك مع مواقف سياسية لافتة في الحاضر، تصبح قراءة المشهد معقدة ومفتوحة على أكثر من احتمال، كما تطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل السيادة السورية وحدود التغيير المقبول دوليًا في المرحلة المقبلة.
-----------------------
تقرير - إيمان جمعة






