03 - 06 - 2026

الحركة المدنية الديمقراطية في أزمة طاحنة قد تنهي مسيرتها.. والسبب بيان قصر أكمل قرطام

الحركة المدنية الديمقراطية في أزمة طاحنة قد تنهي مسيرتها.. والسبب بيان قصر أكمل قرطام

عندما تأسست الحركة المدنية الديمقراطية عام 2017، استقبلها قطاع واسع من المهتمين بالشأن العام باعتبارها محاولة جادة لتوحيد صفوف المعارضة المدنية المصرية تحت مظلة سياسية واحدة. 

وقتها بدأ المشهد مختلفًا؛ أحزاب وشخصيات عامة من اتجاهات متنوعة تجتمع حول هدف معلن يتمثل في الدفاع عن المسار الديمقراطي وتقديم رؤية سياسية بديلة قادرة على التعبير عن قطاعات من المواطنين الباحثين عن صوت سياسي معارض ومنظم.

وبالنسبة للكثيرين، مثلت الحركة أملاً في تجاوز حالة التشرذم التي عانت منها المعارضة المدنية لسنوات طويلة، خاصة أن تأسيسها جاء في ظل ظروف سياسية دفعت كثيرًا من الأحزاب والشخصيات إلى البحث عن صيغة للعمل المشترك. 

لكن بعد ما يقرب من عقد من الزمن، تبدو الصورة مختلفة إلى حد كبير، إذ أصبحت الخلافات والانقسامات الداخلية جزءًا أساسيًا من المشهد المرتبط بالحركة، وهو ما دفع البعض إلى التساؤل: هل نجحت الحركة في تحقيق الهدف الذي تأسست من أجله، أم أنها تحولت مع الوقت إلى ساحة للصراعات السياسية وتصفية الحسابات بين أطرافها المختلفة؟

هذا السؤال عاد بقوة خلال الأيام الماضية على خلفية الأزمة المتعلقة بالمهندس أكمل قرطام. 

فبعد الجدل الذي أثير بشأن إزالة منشآت مرتبطة بقصره في منطقة أبو النمرس، أصدرت الحركة المدنية الديمقراطية بيانًا اعتبرته دفاعًا عن حق الملكية الخاصة وسيادة القانون، إلا أن البيان سرعان ما تحول إلى أزمة سياسية داخل الحركة نفسها.

فقد واجه البيان اعتراضات من شخصيات وأحزاب منضوية داخل الحركة، بينما تصاعد الجدل بصورة أكبر بعدما أصدر حزب المحافظين بيانًا أكد فيه أن المهندس أكمل قرطام لم يطلب إصدار بيان تضامن من الحركة، كما أبدى الحزب تحفظه على بعض المضامين الواردة فيه. 

ومع اتساع دائرة الخلافات، اضطرت الحركة إلى التراجع عن البيان وتقديم اعتذار رسمي، في خطوة اعتبرها كثيرون دليلاً على حجم الانقسام الداخلي الذي تعيشه.

ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند هذا الحد، إذ تحولت القضية إلى اختبار حقيقي لقدرة الحركة على إدارة خلافاتها، خصوصًا بعد إعلان حزب العدل انسحابه نهائيا من الحركة المدنية الديمقراطية، وهو ما اعتبره مراقبون أحد أخطر التطورات التي شهدها التحالف خلال السنوات الأخيرة.

وبالنسبة لمنتقدي الحركة، فإن ما جرى لم يكن مجرد خلاف حول بيان سياسي، وإنما كشف عن أزمة أعمق تتعلق بآليات اتخاذ القرار داخل الحركة، ومدى قدرة مكوناتها المختلفة على التوافق قبل إصدار المواقف الرسمية. 

كما رأى البعض أن الواقعة أعادت إلى الواجهة اتهامات قديمة تتعلق بمحاولة توظيف الحركة أحيانًا لخدمة مواقف أو حسابات تخص شخصيات سياسية بعينها أكثر من كونها تعبر عن موقف جماعي متفق عليه.

لكن أزمة أكمل قرطام لم تكن الأولى من نوعها، بل جاءت امتدادًا لسلسلة من الأزمات التي صاحبت الحركة منذ تأسيسها. 

فمنذ السنوات الأولى لظهورها، واجهت الحركة خلافات متكررة حول طبيعة العمل السياسي وأولوياته، كما ظهرت تباينات واضحة بشأن المواقف من عدد من الاستحقاقات السياسية المهمة.

وخلال انتخابات الرئاسة عام 2018، برزت واحدة من أولى المحطات التي كشفت حجم التباين داخل مكونات الحركة، حيث اختلفت الرؤى بشأن التعامل مع المشهد الانتخابي، وتباينت تقديرات الأحزاب والشخصيات المنضوية تحت لوائها حول جدوى المشاركة وآليات التعامل مع التطورات السياسية آنذاك.

ومع مرور الوقت، بدأت خلافات أخرى تتعلق بإدارة الحركة نفسها وآليات اتخاذ القرار داخلها. 

فقد اشتكت أطراف مختلفة من غياب التنسيق المؤسسي الكافي، ومن سيطرة عدد محدود من الشخصيات على صناعة القرار السياسي والإعلامي، بينما رأى آخرون أن الحركة لم تنجح في بناء هياكل تنظيمية قادرة على استيعاب التنوع الكبير الموجود داخلها.

وعندما انطلق الحوار الوطني، ظهرت الانقسامات مجددًا بصورة أكثر وضوحًا بين مؤيد للمشاركة باعتبارها فرصة لطرح الرؤى السياسية والإصلاحية، وبين متحفظ أو رافض رأى أن الظروف المحيطة بالحوار لا تسمح بتحقيق نتائج حقيقية، وامتد إلى شكل التمثيل داخل الحوار وطبيعة الملفات المطروحة وأولوياتها.

كما شهدت الحركة خلال السنوات الماضية حالات تجميد عضوية وانسحاب وخلافات متكررة بين بعض مكوناتها، الأمر الذي انعكس بصورة واضحة على قدرتها في الحفاظ على خطاب سياسي موحد. 

وفي أكثر من مناسبة، تحولت البيانات الصادرة باسم الحركة إلى مصدر جديد للخلاف، سواء بسبب مضمونها أو طريقة إصدارها أو عدم التشاور الكافي بشأنها بين مختلف الأطراف.

ويرى منتقدو الحركة أن المشكلة الأساسية لم تكن يومًا في وجود اختلافات سياسية بين مكوناتها، فذلك أمر طبيعي داخل أي تحالف واسع، وإنما في عجزها عن إدارة هذه الاختلافات بصورة تمنع تحولها إلى صراعات متكررة تؤثر على فاعلية الحركة وصورتها أمام الرأي العام.

ويذهب بعض هؤلاء المنتقدين إلى أن الحركة تحولت تدريجيًا من مشروع يهدف إلى توحيد المعارضة المدنية إلى إطار تتنافس داخله شخصيات وأحزاب على النفوذ والحضور السياسي، وهو ما جعل الخلافات الشخصية والتنظيمية تتقدم أحيانًا على القضايا التي يفترض أن تشكل جوهر عملها السياسي.

ووصل الأمر إلى دعوة حزب العدل - في بيان انسحابه - الأطراف المشاركة في هذه التجربة إلى تقييم موضوعي لمسيرتها ومستقبلها، ويرى أن الحفاظ على رصيد الحركة وتاريخها يقتضي التفكير الجاد في إنهاء التجربة بصورتها الحالية بدلًا من استمرار شكلي لم يعد يعكس واقعها، فالحل المنظم والمسؤول قد يكون أكثر احترامًا لإرث الحركة من الإبقاء على كيان فقد قدرته على الفعل والتأثير.

في المقابل، يرى المدافعون عن الحركة أن وجود الخلافات أمر طبيعي داخل أي كيان سياسي يضم أحزابًا وشخصيات متنوعة الخلفيات والتوجهات، وأن استمرار الحركة طوال هذه السنوات رغم الأزمات المتعاقبة يعكس وجود رغبة حقيقية لدى أطرافها في الحفاظ على مساحة للعمل السياسي المدني المنظم.

لكن بعيدًا عن مواقف المؤيدين والمنتقدين، يبقى المؤكد أن الحركة المدنية الديمقراطية تواجه اليوم واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها. 

فالأزمة الأخيرة المتعلقة بأكمل قرطام وما تبعها من تراجع عن البيان والاعتذار عنه ثم انسحاب أحد الأحزاب المنضوية تحت لوائها، أعادت فتح ملف قديم يتعلق بقدرة الحركة على البقاء كجبهة سياسية موحدة.

وبين الآمال الكبيرة التي صاحبت تأسيس الحركة قبل سنوات، وحالة الانقسام التي باتت تطفو على السطح مع كل أزمة جديدة، يبقى السؤال مطروحًا: هل كانت الحركة المدنية الديمقراطية مشروعًا حقيقيًا لتوحيد المعارضة المدنية المصرية، أم أنها تحولت مع الوقت إلى ساحة تتغلب فيها الحسابات السياسية والشخصية على الأهداف.
----------------------------------------
من المشهد الأسبوعية

الحركة المدنية الديمقراطية في أزمة