29 - 08 - 2025

ثورة تونس نموذج يستحق التأمل

ثورة تونس نموذج يستحق التأمل

tunis vote

تشرئب أعناق الملايين من الأمتين العربية والإسلامية، - بل والعالم أجمع - اليوم إلى بلاد الزيتونة، بلاد تونس الخضراء التي تنتظر ميلاد الجمهورية التونسية الثانية بعد لحظات، ويحبس المتابعون أنفاسهم لمعرفة ما ستتكشف عنه نتائج الانتخابات البرلمانية التي " هرمنا وهرم التونسيون" من أجل الوصول إلى لحظتها التاريخية بحسب تعبير "أحمد الحفناوي" الذي يتكَّر الجميع عبارته الشهيرة ليلة سقوط نظام بن علي " هرمنا من أجل الوصول إلى هذه اللحظة".

ويكاد المراقبون يجمعون على أن النموذج التونسي الذي قام بعد الثورة نموذج يستحق دراسة معمقة ومتأنية لفهم طبيعة الإنسان التونسي واختلافه مع شقيقه العربي نظرا لما أظهره من رقي وتقدم ووطنية جنَّبت تونس الكثير من الويلات والقلاقل كانت للأسف هي المآلات لشعوب عربية أخرى.

فقد استطاع الساسة التونسيون السباحة بسفينة بلادهم وإيصالها إلى بر الأمان وسط بحر هائج ومائج من المشاكل والثورات المضادة والاهتزازات التي عصفت بدول الثورات العربية التي استلهمت تجربة تونس الثورية، لكن إذا عرف السبب بطل العجب، فالمتتبع لمسارات الشعوب العربية وتاريخها لا يبذل كبير جهد في اكتشاف اختلاف الشعب التونسي عن بقية الشعوب العربية، فالتونسيون شعب منظم متمدن وهادئ وصل إلى مرحلة من الوطنية جعلت مختلف أطيافه السياسية والفكرية تقف عند الخط الأحمر الفاصل بين بقاء تونس دولة وشعبا، وانهيارها التام ودخولها في دائرة الفوضى التي دخلت فيها شقيقاتها في المنطقة.

ولعل اختلاف الإسلامين في تونس مع الأوضاع بعد إسقاط طاغيتهم عن تعاطي نظرائهم في المنطقة العربية، ودراسة الواقع والتعامل معه بشكل واقعي - بغض النظر إلى حجم التأييد الواسع التي حظيت به حركة النهضة في أول انتخابات تجرى بعد سقوط بن علي- كان له كبير الأثر في وصول تونس إلى ما وصلت إليه.

فهذا النموذج التونسي لم يكن له أن يواصل السير بالمشوار التونسي حتى نهايته لولا جرعة الوطنية الزائدة التي قدمتها حركة النهضة للشعب التونسي، فرغم نجاحها بأغلبية الأصوات وقدرتها على إدارة شؤون البلاد وما تمتلكه من أطر وكوادر قادرة على قيادة الدولة، إلا أن رؤية الشيخ راشد الغنوشي الثاقبة، و "ابراكماتيته" التي عرف بها جعلته يطبق على أرض الواقع نظريته التي أسماها " تونس أولا، والنهضة ثانيا" وهو ما كان له بالغ الأثر على مسار التجربة التونسية الحديثة برمتها.

وما دام الشيء بالشيء يذكر فإن "علمانيي تونس " لم يختلفوا -من حيث الوطنية واستشراف المستقبل وجعل مصلحة وطنهم فوق كل اعتبار- عن إسلامييها، بدليل التحالف الإسلامي العلماني الذي ضم حركة النهضة، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يوشك أن يوصل سفينة الوطن إلى بر الأمان رغم الهزات التي تعرَّضت لها أثناء سيرها طوال هذه السنوات العصيبة، ومن نافلة القول إن تقاسم الرئيس محمد منصف المرزوقي مع الغنوشي تاريخا حافلا بالنضال والثقافة والمعرفة هو ما أدى في نهاية المطاف إلى ظهور أول تجربة فريدة من نوعها في العالم العربي والإسلامي أفرزت تحالفا حقيقيا بين حزب إسلامي وآخر علماني تجرد كل منهما من العاطفة والمصالح الحزبية الضيقة، ونظرا إلى واقع بلدهما وحاجته إلى الاستقرار وإرساء الحرية والديمقراطية حتى يتجاوز مرحلة الخطر التي غالبا ما تتبع الثورات وهزَّاتها الارتدادية التي غالبا ما تكون أخطر من الثورة نفسها.

ونحن إذ نشاهد صمود النموذج التونسي الرائع الذي أوشك أن يقدم للعالم العربي نموذجا حضاريا آخر لا يقل عن نموذج إطلاق شعلة الثورات ضد الاستبداد نتمنى للشعب التونسي مزيدا من الاستقرار والنجاح والنمو حتى تستلهم منه بقية الشعوب العربية تجربته الفريدة من نوعها.

The post ثورة تونس نموذج يستحق التأمل appeared first on IslamOnline اسلام اون لاين.