لم تكد تمر 24 ساعة على الاجتماع الرئاسي الموسع الذي عُقد منذ ساعات، والذي وجّه فيه الرئيس السيسي بـ "سرعة استكمال قاعدة بيانات منظومة إدارة الأزمات والطوارئ لرفع قدرة الدولة على التنبؤ والاستجابة الفعالة"، حتى استيقظت مصر صباح الأحد على فاجعة جديدة في "بؤرة الحوادث التاريخية" بمركز العياط. بتصادم القطارين 134 و2010 أعاد طرح علامة استفهام قديمة متجددة: كيف يمكن لتكنولوجيا إدارة الأزمات الرقمية أن تحتوي الأخطاء التشغيلية على الأرض قبل وقوع الكارثة؟
الافتراض الورقي والواقع الميداني
فالمنظومة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ التي جرى استعراض ملامحها بالأمس مصممة لربط كل مؤسسات الدولة وبنيتها الرقمية بطريقة تتيح التنبؤ والتدخل المبكر لمنع الحوادث. لكن، على قضبان السكة الحديد الممتدة بين محطتي "كفر عمار والرقة" جنوب الجيزة، تعطل القطار 2010 فجأة، وبدلاً من أن تتحرك "إشارات الإنذار الرقمية الاستباقية" لإيقاف الجرارات القادمة، واصل القطار 134 "تحيا مصر" مساره ليصطدم بمؤخرة القطار المتوقف في فاجعة أودت بحياة 7 مواطنين وأصابت 114 آخرين، من بينهم قائد القطار نفسه.
هذا التداخل الإجرائي يثبت أن الأزمة في العياط لا تكمن في غياب المنظومات الأمنية أو الرقمية المتطورة لدى الدولة، بل في "الفجوة التشغيلية" بين البنية الرقمية المركزية المؤمّنة والآليات الميدانية الفورية للسكك الحديدية؛ وهي ذات النقطة التي شدد عليها الرئيس أمس بضرورة "إلزام كافة المؤسسات بإدخال بياناتها بدقة وسرعة لضمان اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب".
شيطان الجغرافيا المتربص
التساؤل الذي يفرضه أهالي العياط يتجاوز مجرد محاسبة عامل تحويلة أو سائق قطار؛ فالتحليل الجغرافي للمنطقة الممتدة بين "البليدة، جرزا، والرقة" يوضح أنها تمثل عنق زجاجة كثيف الحركة على خط الصعيد. تعاقب الحوادث السبعة على مدار 24 عاماً يكشف عن وجود "خلل فني بنيوي" يرتبط بطبيعة المنحنيات الجغرافية، والتقاطعات العشوائية، وبطء استجابة أنظمة البلوك والتحكم الميكانيكي اليدوي في تلك البقاع مقارنة بالخطوط التي تم تحديثها رقمياً بالكامل.
لذلك، جاءت توجيهات الرئاسة الفورية اليوم بالتحقيق العاجل ومحاسبة المقصرين، متزامنة مع قرارات النيابة العامة بتشكيل لجنة فنية متخصصة لفحص مسرح الحادث والقضبان، لتؤكد أن المواجهة هذه المرة لن تقتصر على معالجة الآثار الميدانية للأزمة بل ستمتد لتشخيص العيوب الفنية المتجذرة في هذا القطاع الجغرافي تحديداً.
منظومة الطوارئ أمام مقصلة الحقيقة
وحادث العياط اليوم يمثل الارتطام الفعلي الأول بمقصلة الحقيقة؛ ليختبر مدى "الصرامة التشغيلية والرقابية" التي نادى بها الرئيس السيسي في "منتدى مصر 2026" حين أكد علانية أن "قانون الهيئة القومية لإدارة الأزمات يجب أن يكون صارماً لكي تستمر فاعلية مؤسسات الدولة"، وهو التوجه الذي انتقل من حيز التنظير إلى حيز التكليف المباشر بالأمس فقط، بصدور التوجيهات الرئاسية المشددة بضرورة الإسراع في ضبط واستكمال البيانات الرقمية لمواجهة أي مواقف طارئة.
-----------------------------
بقلم: عبدالرحمن بدوي






