يكشف بيان المتحدث العسكري للقوات المسلحة عن عملية «درع الجنوب» تطورات بالغة الخطورة على الحدود المصرية الجنوبية، وينبه إلى مؤشرات تستلزم قراءة تتجاوز حدود المواجهة مع أفراد يمارسون أنشطة التنقيب غير المشروع عن الذهب. المسألة في الحقيقة لم تعد مجرد مطاردة لمجموعات من «الدهابة» تبحث عن ثروات الصحراء، أو مواجهة عمليات استنزاف للثروة المعدنية، وإنما ترتبط بأبعاد أمنية وسياسية واستراتيجية أوسع بكثير مما هو ظاهر، وتداعياتها أخطر بكثير من الخسائر الاقتصادية المباشرة.
الأحداث الميدانية تشير إلى أن الوجود غير القانوني لبعض السودانيين في المناطق الحدودية لم يعد تحركات فردية عابرة أو تجمعات مؤقتة بحثا عن الذهب، بل تطور إلى نشاط منظم يمتلك مقومات البقاء والاستمرار والاستعمار، بإقامة شبكات للإعاشة والإمداد، وتجهيزات تسمح بالتمركز لفترات طويلة في عمق الصحراء. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، عندما يتحول النشاط غير المشروع إلى وجود مستمر ومستقر، يمتلك بنية تحتية ووسائل حماية وتسليح، فإننا نكون أمام واقع يتجاوز الجريمة الاقتصادية إلى محاولة فرض أمر واقع خارج سلطة الدولة وسيادتها.
وتكشف حصيلة العمليات العسكرية التى أعلنها المتحدث العسكرى عن حقيقة وخطورة الوضع. فقد أسفرت العمليات، وفقا للبيان، عن ضبط ٩١٦ معدة هندسية وفنية، و٣١٧ مركبة وشاحنة مجهزة للعمل في الصحاري، و٤٣٣ مولدا للكهرباء، و٣٣٥ جهاز حفر، و٧٣ جهازا للكشف عن المعادن، إلى جانب شبكات لتوليد الطاقة الشمسية ومحطتي وقود، و١٢٩ مخزنا للوقود و١٤٠ مخزنا للمياه، و٤٤٨٨ مقرا للإيواء، و٢٩٢ منشأة خشبية وخرسانية، ورصد ٥٢ نقطة تمركز وتجمعا للمسلحين.
ولم تقتصر الحصيلة على المعدات والمنشآت، بل شملت ضبط ٦٩١ شخصا، بخلاف ٦٦١٤ شخصا سلموا أنفسهم، ومصادرة ٣٤ قطعة سلاح متنوعة، بينها بنادق آلية وقناصات وقواذف «آر بي جي»، و٦٣٠٧ طلقات نارية مختلفة الأعيرة.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد اتساع نشاط التنقيب غير المشروع، وإنما تكشف عن حجم تنظيم وتمويل وإمداد يصعب التعامل معه باعتباره نشاطا عشوائيا. فوجود هذا الكم من المعدات ووسائل النقل والطاقة والوقود والمياه، إلى جانب الأسلحة والتجمعات البشرية، يفجر التساؤلات حول الجهات والشبكات التي تقف وراء هذا النشاط، وأهدافها الحقيقية، ومدى ارتباطها بمصالح تتجاوز البحث عن الذهب إلى فرض واقع جديد في الجنوب.
وتزداد خطورة المشهد بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية والسياسية للمنطقة الجنوبية، وتشابك امتداداتها الحدودية مع السودان، وما تشهده المنطقة المحيطة من تعقيدات أمنية واضطرابات إقليمية. فالمناطق الجبلية والأودية الوعرة والمساحات الصحراوية الشاسعة تفرض تحديات استثنائية أمام الرقابة والسيطرة، وتوفر بيئة مناسبة للتحرك والتسلل وإعادة بناء التجمعات غير القانونية. وفي مثل هذه الجغرافيا، لا يمكن فصل أي تمدد غير مشروع عن تداعياته المحتملة على أمن الحدود والتوازنات الإقليمية في المنطقة.
والأهم أن الخطر لا يتوقف عند سرقة الذهب أو استنزاف الموارد، مهما بلغت قيمة تلك الخسائر، وإنما يمتد إلى احتمال نشوء بؤر نفوذ خارج السيطرة، تفرض وجودها تدريجيا مستفيدة من صعوبة التضاريس وامتداد الحدود وتشابك المصالح. إذا تُركت الأوضاع دون مواجهة حاسمة، قد تتحول إلى مصدر تهديد مستمر للسيادة الوطنية، وإلى ورقة يمكن توظيفها في حسابات وصراعات سياسية وأمنية تتجاوز حدود المنطقة.
ويجب أن نقرأ نتائج عمليات «درع الجنوب» التى تنفذها القوات المسلحة المصرية في هذا السياق الأوسع. فالمعركة ليست معركة ذهب، ولا مجرد حملة لإزالة تعديات أو ملاحقة مخالفين، بل هي معركة لحماية حدود الدولة ومنع أي محاولة لخلق واقع موازٍ على أرضها. فأي فراغ أمني في منطقة حدودية بالغة الحساسية قد تتجاوز كلفته كل الحسابات الاقتصادية.
ويجب أن يكون حاضرا في وعي كل مصري أن الجنوب ليس مجرد مساحة صحراوية، بل هو عمق استراتيجي وجزء أصيل من أرض الدولة وأمنها القومي. وما يجري فى الجنوب يستلزم يقظة تتناسب مع خطورة أبعاده، لأن حماية الثروات، رغم أهميتها، تظل أقل أولوية من حماية الأرض والسيادة والاستقرار.
-------------------------------
بقلم: أحمد بكير






