لمياء: "اصحى يا عبرحمن...إلحق يا راجل... نوسة ديجيتال هربت مع سيد بروجرام!"
قفز عبرحمن من سريره منزعجاً. نظر في ساعته فوجد الوقت تخطى منتصف الليل.
عبرحمن لزوجته: "يا نهار اسود يا لميا. بتتكلمي ازاي يا ست انت؟ دا الشركة حتخرب بيتي.....ما أنا اللي جبت لك نوسة ديجيتال من معرض روبوتات الشركة عشان تخدمك وتريح حضرتك...وأنا برضه اللي وديت سيد بروجرام يخدم في بيت جيرانا....كل ده زي ما انت عارفة بضمان مالي كبير عليّ بل وبضمان وظيفتي نفسها.. حيتخرب بيتي يا لميا.. كل دا علشان زنك على دماغي.. روحي منك لله.. حاخسر سمعتي....شركة Orient Robotics اللي عينتني من كام يوم كبير مهندسي الذكاء الاصطناعي حتنفخني.. حرام عليك يا زنانة.. إيه اللي جرى يا ست انت؟"
لميا: "مش وقت خناق يا عبده. تعالى يا راجل بسرعة وبص معايا."
نظر عبرحمن من النافذة وهو يحاول أن يضع ساقاً في بنطاله فرأى ما لم يتوقعه. لمح "سيد بروجرام" وهو يحيط خصر "نوسة ديجيتال" بذراعيه بينما يهمان بالخروج من باب الكومباوند. قفز عبرحمن، مهندس الذكاء "الصياعي" المرموق، سلالم بيته بنصف هدومه، فيما لمياء تتبعه بكلام أضاف خوفاً إلى خوفه.
لمياء: "الوقت بس يا عبده فهمت ليه "نوسة ديجيتال" الشهرين اللي فاتوا كانت بتقف وتسنح عند شباك المطبخ. ما أنت عارف شباك مطبخنا بيطل على شباك مطبخ بيت الدكتور مصطفى جارنا.. تخيل يا عبده إن البعيدة كانت بتشهق شهقات عجيبة.. الصراحة أنا كنت مفكراها بتهنج بعد ما طلبت منك تعمل تحديث على برمجتها. افتكرت المزغودة اتصابت ببطء في المعالجة أتاري الملعونة انطخت بعيار الحب."
رد عبرحمن وأنفاسه تتسارع: "ليه يا هانم مقولتليش على طول. يا ست هانم يا محترمة "نوسة ديجيتال" دي من حديد عملناها ذكية جداً علشان تفهمك وتريح حضرتك. و"سيد بروجرام" كمان من حديد وأشد منها ذكاءً. سعر "نوسة" في المعرض عندنا 20 ألف دولار وسعر "سيد" الضعف."
لمياء: "يعني يا عبده كمان سعر الحديد الدكر ضعف سعر الحديد النتي؟"
عبرحمن: "يا ولية يا مجنونة هو دا وقته؟.. خلينا في المصيبة دي. الوقت كمان أنا فهمت. ليه ابن اللذينا كان بيغني من شباك مطبخهم. يبدو أن ذبذبات صوته شدتها ليه يا هانم ياللي نايمة على ودانك. دا أنا سمعته مرة بيغني "يا حلو انت الواي فاي وأنا الإشارة.. يا ترانزستور قلبي يا عمران بالحرارة.. يا ريتك تشحني يا مليان الإثارة."
أجل عبرحمن خناقته مع لميا وهم إلى الشارع وهو يحاول دس ساقه الثانية في نصف البنطلون الآخر. ركض إلى ممر ضيق خلف سور الكومباوند الشمالي بأقصى سرعة ثم توقف بسرعة أكبر. وضع يديه على رأسه ثم نزل بكفيه على خديه لاطماً بأشد ما يكون. كانت المأساة أمام عينيه أكبر من كلام لمياء وأعجب من كل عجب عاشه مع الخوارزميات. إذ لم يسبق له ولا لغيره أن رأى خوارزميات تعشق هكذا وتقرر الفرار مع بعضها.
وعلى مسافة قصيرة من حيث توقف، وجد جمهرةً صاخبةً من عمال وحراس أمن الكومباوند وهي تحتشد حول "نوسة ديجيتال" و"سيد بروجرام" وفي أيديهم عصي غليظة وحجارة ضخمة. وفي لحظة بدأ الغاضبون يحيلون العاشقين الآليين إلى ركام.
صرخ عبرحمن: "وقف يا جدع انت وهو. وقف منك ليه له."
فجاءهُ صوت من بين المتجمهرين: "متوقفش يا جدع انت وهو. كمل منك ليه له. يا حضرة انت فايق للي بتقوله؟ دول كانوا بيعملوا حاجات وحشة قدامنا. بيقولوا بذاءات وبيشاورو بحركات مشينة. دا كان حاضنها وبيبوسها عيني عينك كدا قدامنا من كل حتة."
سخنت الكلمات المتجمهرين فقاموا بإنهاء المهمة. وبعد أن هدأت ثورة عمال الكومباوند وحراس الفضيلة اللذين لحقوا بهم من الشوارع المجاورة، شهد عبرحمن ما لم يحسبه طوال حياته. انفض الجمع عن "نوسة ديجيتال" و"سيد بروجرام" فإذا بيدي "سيد بروجرام" في حالة عناق هيدروليكي لرأس "نوسة ديجيتال." واضح إنه كان بيحاول حمايتها. أما جسديهما فتناثرا إلى آلاف الشظايا بعد أن تهشمت شاشتيهما وانطفأت مستشعراتهما وسالت زيوتهما السوداء على الأسفلت.
جلس عبرحمن عند رماد العاشقين الرقميين لاعناً ذكاءه الطبيعي وذكاء شركته الاصطناعي متأملاً جثتين هامدتين تلفهما بقايا أسلاك نحاسية ورقائق الكترونية، وشاهداً على قصة حب من حديد لحديد، وعلى فوضى أشاعها هو وأمثاله في الوجود. جر أذيال الخيبة وجرته الأيام إلى خيبات أكبر. فلا حب "سيد" و "نوسة" عاش مع أنه من حديد. ولا زواجه بلمياء استمر بعد أن فرقت بينهما الكارثة، ومن محبسه الذي قضى فيه عشرين عاماً، ظل كل يوم يلعن غباءه لائماً نفسه وكيف زينت له صب وعي رقمي في حديد فيما هو بشحمه ولحمه فاقد للوعي.
--------------------------
بقلم د. إبراهيم عرفات







