«هزيمة تاريخية»، أقل ما توصف به نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، إذ حقق الحزب الديمقراطي انتصاراً ساحقاً على الجمهوريين، غيّرموازين القوى في أمريكا والعالم بالكامل، بعد أن نجح الديمقراطيون في انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ معاً من أيدي الحزب الجمهوري، وحققوا انتصارات في ولايات تُعد معاقل تقليدية تاريخية للجمهوريين، مثل ولاية تكساس التي فاز بمقعدها في مجلس الشيوخ المرشح الديمقراطي «جيمس تالاريكو»، إضافة إلى ولايتي أوهايو وكانساس، بعد أن شهدت هذه الانتخابات سوابق تاريخية بانتخاب أول مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي وهو المصري عبدالرحمن السيّد عن ولاية ميشيجان، إلى جانب فوز مصري اّخر من أصول أمريكية يدعي اّدم حموي في مجلس النواب، كما فازت الأمريكية ذات الأصل الفلسطيني عبير قواس بمقعد في مجلس شيوخ ولاية نيويورك عن الدائرة الانتخابية الثانية عشرة بنسبة أصوات بلغت 75%، لتصبح بذلك أول امرأة فلسطينية مسلمة محجبة تصل إلى هذا المنصب في الهيئة التشريعية، لتكسر بذلك حواجز العِرق والدين، وتُشكل هذه النتائج انتكاسة سياسية كبيرة للرئيس دونالد ترامب في منتصف ولايته الثانية، حيث اعترف بالهزيمة معتبراً أن حرب إيران وارتفاع أسعار الوقود لعبا دوراً كبيراً في غضب الناخبين.
أدت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة الأمريكية إلى سيطرة الحزب الديمقراطي على أغلبية مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، ما يضع ترامب في موقف سياسي يُعرف باسم «البطة العرجاء»، أو«مستر فيتو»، يطلق الوصف الأول على الرئيس الذي يفقد حزبه السيطرة على الكونجرس، ما يجعل قدرته على تمرير القوانين والموازنات والتعيينات محدودة وتتطلب مفاوضات أصعب مع المعارضة، ولا يعني هذا اللقب تجريد الرئيس من صلاحياته التنفيذية أو إنهاء سلطاته الدستورية بشكل كامل، لكنه يصعب تنفيذ أجندته السياسية بالشكل الذي كان متاحاً بوجود أغلبية جمهورية، ولذا يطلق عليه البطة العرجاء، وصار يمتلك حق الاعتراض أوالفيتو على ما يقره المجلسان من قوانين، ويمتلك القدرة على إصدار أوامرتنفيذية بالقوانين التي يرغب في إقرارها، وقال ترامب اذا سيطرالديمقراطيين على المجلسين أعتقد أنى سأصبح مسترفيتو (صاحب حق النقض) ولن أسمح للديمقراطيين بتمريرأي قانون، وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، فى أول تعليق لمسؤول إيرانى عقب إعلان نتائج انتخابات التجديد النصفي فى الكونجرس الأمريكي وفوز الحزب الديمقراطي بالأغلبية إن الأمريكيين قالوا "لا للحرب"، سواء بدافع القناعة أوبسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن إيران تؤيد هذه الرسالة للأمريكيين، عقب فوز الديمقراطيين على الجمهوريين في الانتخابات النصفية.
السؤال المحوري الاَن هل انتهى مشروع ترامب ونتنياهو في الشرق الأوسط؟ وهل ينتهي مخطط الأول بإقامة الشرق الأوسط الجديد، وحلم رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته نتنياهو، بفرض إسرائيل الكبرى التوسعية على دول المنطقة؟ أستطيع القول أن الإخفاقات التي لحقت بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومعسكره السياسي بدأت من الخارج في سلسلة من الانتكاسات السياسية الداخلية والخارجية تزامناً مع انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، والتي بدأت من البرازيل عقب فوز لويس إيناسيو لولا دا سيلفا وإلحاق الهزيمة بفلافيو بولسونارو المدعوم من معسكر ترامب، ما أنهى نفوذ حلفاء ترامب في أكبر اقتصاد بأمريكا اللاتينية، وجاءت الضربة الثانية من صربيا عقب هزيمة الحزب الحاكم والزعيم ألكسندر فوتشيتش الحليف المقرب لترامب لصالح قائمة الطلاب والقوى الليبرالية، فيما يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحليف لترامب أزمات وصعوبات حادة في الاحتفاظ بالأغلبية البرلمانية وسط تزايد الانتقادات له، في ظل تحولات سياسية وضغوط إقليمية، وتزامن كل ذلك مع الوضع الاقتصادي السيئ داخل الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الحرب الأمريكية على إيران وإرتفاع أسعار الوقود، ولذا استطاع الحزب الديمقراطي انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وأقر الرئيس دونالد ترامب بأن تداعيات وتكاليف حرب إيران وقضايا المعيشة الداخلية لعبت دوراً بارزاً في خسائر الحزب الجمهوري، وهوما يعني نهاية حلم الإثنين في المزيد من العبث بمنطقة الشرق الأوسط والاستيلاء على أرضيها وتنفيذ مخططات صهيونية تطمس هوية هذه الدول لتصبح تابعة لأمريكا وإسرائيل للإستيلاء على ثرواتها خصوصاً النفط.
ثلاثة مشاهد سعى ترامب إلى ترويجها في يوم الانتخابات بعدما علم بقرب تعرض الحزب الجمهوري لهزيمة قاسية، فجاء المشهد الأول لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، من خلال الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، الذي زعم أن ترامب يستعد لتوجيه ضربة نووية أميركية لإيران، خصوصاً في منطقة جبل الفأس التي تحتوي على أنشطة نووية أسفل جبل ومن الصعب الوصول إليها بالقنابل العادية، وأعلن المعلق السياسي المحافظ والمذيع السابق في شبكة «فوكس نيوز» كارلسون، أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تكون «على بُعد أيام» من توجيه ضربة نووية إلى موقع «جبل الفأس» في إيران، بضغط من رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو، وكتب كارلسون، في منشور مطوّل على منصة «إكس»: «تحت ضغط من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قد تكون إدارة ترمب على بُعد أيام من شن ضربة نووية على إيران، والهدف سيكون «جبل الفأس» في وسط إيران، حيث تزعم الاستخبارات الإسرائيلية أن الحكومة الإيرانية استأنفت برنامجها لتخصيب اليورانيوم، ولا يوجد في الترسانة الأميركية سلاح تقليدي قادر على اختراق 300 قدم (نحو 90 متراً) من الجرانيت الصلب لتدمير الأنفاق التي يُفترض أن التخصيب يجري فيها، الخيار العسكري الوحيد هو ضربة نووية، «بيبي يتصل بترمب بشأن هذا الأمر كل يوم»، وربط كارلسون ما وصفه بالضغط الإسرائيلي بالوضع السياسي لنتنياهو بعد الانتخابات، معتبراً أن نتنياهو محاصر ويائس، فبعد نتائج انتخابات الأسبوع الماضي، لا يستطيع تشكيل حكومة ما لم يتدخل ترمب مباشرة في السياسة الإسرائيلية، ويرتب اتفاقاً مع أحزاب أخرى يمنح نتنياهو 61 مقعداً في الكنيست، وإلا فإنه سيخرج من رئاسة الوزراء، ويصبح في طريقه إلى الخزي والتحقيقات وربما السجن، ولذا يسعى نتنياهو أن يبقى قريباً من ترمب، وإقناعه أنه يحتاج إلى هذه الحرب.
أما المشهد الثاني الذي سعى من خلاله ترامب للتأثير على نتائج هذه الانتخابات فهو إعلانه وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل نهاية العام الجاري ما أحدث صدمة بالجيش، ورأى آيزنكوت أن القرار دليل على ضرورة رحيل نتنياهو، بعد أن أحدث صدمة في إسرائيل، خصوصاً لدى الجيش والأجهزة الأمنية، فيما اعتبر قائد معسكر المعارضة غادي آيزنكوت أن إعلان ترامب إنهاء المساعدات لإسرائيل تدريجياً يُظهر ضرورة رحيل رئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو، وأكد الرئيس ترامب، التوصل إلى اتفاق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقضي بوقف المساعدات العسكرية الأمريكية المقدمة إلى إسرائيل، التي تبلغ نحو 4 مليارات دولار سنوياً، اعتباراً من نهاية العام الحالي، معتبراً أن الاتفاق مع نتنياهو جرى التوصل إليه قبل عدة أشهرلأن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى هذه المساعدات، ولذا ستتوقف أمريكا عن تقديم التمويل العسكري السنوي لإسرائيل، بعد أن أصبحت موضوعاً تستخدمه بعض الأطراف السياسية الأمريكية، ولا سيما الديمقراطيون والتيارات اليسارية، في انتقاد الجمهوريين، ويأتي هذا التصريح في ظل نقاشات متزايدة داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل الدعم العسكري لإسرائيل، وسط تصاعد الانتقادات السياسية والشعبية لحجم المساعدات الأمريكية المقدمة لها، فيما بدأ المسؤولون في إسرائيل دراسة التداعيات المحتملة للقرار على المؤسسة العسكرية وخطط التسليح والتجهيز، ويأتي الإعلان في وقت تعتمد فيه إسرائيل على مساعدات عسكرية أمريكية سنوية تبلغ نحو 4 مليار دولار، بموجب مذكرة تفاهم تمتد حتى عام 2028، وتشمل تمويل مشتريات عسكرية وبرامج دفاع صاروخي.
المشهد الثالث من مسرحية الهزيمة تجلى في سعى عدد من مرشحي الحزب الجمهوري إلى إبعاد الرئيس دونالد عن حملاتهم الانتخابية، نتيجة غضب الناخبين من سياسات الإدارة الأمريكية المتعلقة بعدد من القضايا من بينها الهجرة التي أثارت استياءهم، وبات ترامب يمثل عبئاً انتخابياً على بعض الجمهوريين خاصة المرشحين الذين تضم دوائرهم الانتخابية نسباً مرتفعة من الناخبين اللاتينيين المعارضين لسياسات الهجرة التي تنتهجها إدارته، كما أظهرت التقاريرالإعلامية والتحليلات السياسية تبايناً واضحاً في تعامل بعض المرشحين الجمهوريين مع حركتي أيباك وهي اختصار لـ "لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية"، وهي إحدى أقوى مجموعات الضغط (اللوبي) المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، و"ماجا " فبينما أحكم التيار المؤيد لدونالد ترامب قبضته على مفاصل الحزب الجمهوري وبرامجه، سعى مرشحون في الدوائر الانتخابية التنافسية إلى النأي بأنفسهم نسبياً عن الشعار وتجنب الإشارة المباشرة لترامب في حملاتهم كإستراتيجية انتخابية، وعمد عدد من المرشحين الجمهوريين إلى حذف صور ترامب وشعاري إيباك وماجا من مواقع حملاتهم الانتخابية أو قللوا من إبراز تأييده لهم، وتوقف بعض المرشحين تقريباً عن ذكر اسم الرئيس ترامب في إعلاناتهم الانتخابية المتلفزة، بعد أن واجه هؤلاء المرشحون معضلة يصفها مراقبون بغياب طريق حقيقي للهروب، في الوقت الذي يحتاجون إلى جذب الناخبين المستقلين والناخبات في الدوائر المتأرجحة عبر إظهار الاعتدال، ولكنهم في الوقت نفسه لا يستطيعون المخاطرة بخسارة القاعدة الجماهيرية العريضة والمتحمسة لحركة "ماجا"، والتي تعد حاسمة لضمان الفوز، وتزامنت هذه المحاولات للابتعاد مع تقارير حول تصاعد الخلافات الداخلية وتنافس التيارات، وحركة ماجا، هي اختصار لشعار»لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً، وهي حركة سياسية وشعبوية يمينية في الولايات المتحدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكن كل ذلك لم يشفع لمرشحي الحزب الجمهوري الذين لقيوا هزيمة تاريخية.
وأقول لكم، إن السياسي الديمقراطي وعالم الأوبئة الأمريكي ذو الأصل المصري عبد الرحمن السيد فاز بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان في انتخابات نوفمبر 2026، ليصبح أول مسلم يخلخل هذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة، إذ تلا في حشد من أنصاره خطاب النصر، ووجّه رسالة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي كان يتعمّد خلال الحملة الانتخابية مناداته باسم "محمد" ووصفه بـ "الجهادي" أو "اليساري" قائلاً: " اسمي عبدالرحمن محمد السيد، أعلم أنك تجد صعوبة في نطق اسمي يا دونالد، لذا يمكنك ببساطة أن تناديني بـ "حضرة السيناتور"، فيما تصاعدت المخاوف من احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام السلاح النووي ضد إيران، نتيجة ضغوط إسرائيلية على إدارة الرئيس دونالد ترامب لتوجيه ضربة نووية إلى منشأة رأس الفأس المحصنة تحت الأرض، ما أثار مخاوف الجميع ليس فقط الإيرانيين بل دول الخليج أيضاً، وتزامن ذلك مع انتشار مقطع فيديو يتضمن إرشادات للسكان في إيران بشأن كيفية التصرف في حال وقوع انفجار نووي، وسط مطالبات أمريكية باستبعاد هذا الخيار خشية وقوع كارثة إنسانية وإشعاعية واسعة النطاق، وبث التلفزيون الإيراني تحذيرات للمواطنين تدعوهم إلى تجنب النظر إلى وميض الانفجار النووي، والاحتماء داخل المباني بعيداً عن النوافذ، واستخدام المياه المعبأة والأطعمة المغلفة، والبقاء في الملاجئ لمدة لا تقل عن 24 ساعة مع متابعة التعليمات الرسمية، فيما أثارت هذه التصريحات ردود فعل في الأوساط الأمريكية، إذ طالب المجلس الوطني الإيراني الأمريكي الرئيس ترامب باستبعاد استخدام الأسلحة النووية بشكل فوري، داعيا الكونغرس إلى التحرك لمنع تصعيد قد تكون عواقبه غير قابلة للاحتواء، محذراً من أن أي انفجار نووي قد يؤدي إلى انتشار مواد مشعة على مسافات واسعة، بحسب قوة الانفجار واتجاه الرياح، خصوصاً أن محافظة أصفهان تضم ملايين السكان الذين قد يتعرضون للخطر، كما حذر من أن استخدام السلاح النووي قد يقوض المحظورالدولي القائم منذ عقود على استعمال هذه الأسلحة، ويفتح الباب أمام تصعيد نووي في نزاعات أخرى.
----------------------------
بقلم: أحمد الشامي
[email protected]
..






