08 - 11 - 2026

بالقرب من | مصطفى بكري الذى عرفته

بالقرب من | مصطفى بكري الذى عرفته

كنت اود ان يكون مقالى هذا الأسبوع عن مصيبة المنتخب الكروى الذى لا يليق به إلا مدرب ليس حوله لغط وواجهة مشرفة امام المنتخبات والمدربين للدول المختلفة، لكن غيرت وجهة مفالى لأكتب عن رجل عايشته واقتربت منذ البدايات الأولى فى أولى خطواتى بالعاصمة ومهنة القلم، وهو النائب وعضو البرلمان والكاتب الصحفى الكبير مصطفى بكرى، قد يختلف أو يتفق معى البعض ولكن الخلاف لا يفسد للود قضية.

أزعم مع حفظ الألقاب أن مصطفى بكرى رجل وطنى من الطراز الأول، فهو محب لتراب بلده ويدرك أبعاد ما يخطط ويحاك من الخارج ضد الأمة ومصر والمملكة العربية السعودية، خصيصا حاليا باعتبارهما آخر معقل للتفكيك والتقسيمات فى هذه المنطقة المنكوبة التى سلبت إرادتها بعدم الاجتماع على كلمة سواء للوقوف ضد العدو الصهيو أمريكى. ومصطفى بكرى لم يكن متاجرا يوما، كما يدعى البعض، أو أنه مع كل لون ياباتستا، فالرجل المحنك سياسيا يرى متطلبات كل مرحلة يسخر فيها صوته وقلمه فى خدمة قضايا الوطن وصناعة الوعي، فى كل مرحلة من مراحل مر بها هذا الوطن، أي أن تراب بلده أمام عينيه، وتلك شهادة حق أدركها فى تفكير وعقلية الأستاذ مصطفى بكرى لأننى تعايشت معه في صحيفة الأسبوع، وعندما تتعايش وتعمل مع إنسان وتلتصق به تستطيع أن تفهم كيف يفكر دون بوح، تحبه دون تحيز، وعلى مدار سنوات لم أجد الرجل منافقا لأحد أو يتزلف لأحد من أجل مكسب أو مصلحة ما، وكثيرا ما كان الأمر يتطلب أن أكون بمكتبه كنت أجده وبحماسه وحميته القناوية الصعيدية رافعا سماعة هاتفه يحادث المسؤول هذا اوذاك، قد يصل الأمر منه إلى درجة الانفعال مع أعتى المسؤولين، من أجل مشكلة تخص منطقة وأهلها بمكان ما، وخدماته لا تقتصر على محافظة بعينها أو مواطن بعينه ما دام يستطيع، وما دام يعرف جيدا أن قاصده على حق أو مظلوم ولجأ إليه.

وبكرى رجل فعال الخير وأعلم جيدا كيف كان وشقيقه المرحوم محمود بكرى يقدمان العون والمساعدة لأهل دائرته حلوان، سواء عبر مساعدات عينية أو مادية، وكان يستثمر علاقته برجال فعل الخير من رجال الأعمال فى ذلك. وباعتباره من قرية فقيرة بقنا ليس من العيب أن يكون عونا لأهلها فى تقديم الخدمات والمساعدة أو العمل على تطوير القرية، ولو كل صاحب منصب فعل ذلك لقريته أو مدينته أو بلدته لخفف ذلك الحمل من على كاهل الدولة، ومن يفعل المعروف فى غير أهله ويتركهم يتعرض للذم والشتم، عرفت من أصحاب المناصب من لديهم القدرة على خدمة اهاليهم فى قراهم لكن للاسف يتمنعون ولا ينزلون قراهم بالسنوات الطوال، بل إن البعض ربما نسى أهله ويتهرب حتى من لقاء أحد منهم، ومصطفى بكرى وهو البرلماني والإعلامى الشهير لم أره انقطع يوما عن أهله وقريته، بل حال الواجب من الممكن أن يسافر صباحا ليؤدى واجبا ما أو حضور صلح ويرجع ليلا، لأنه مرتبط باجتماع في اليوم التالي.

مصطفى بكرى لم أجده يوما اعترض على محرر يهاجم مسؤولا بل يقول: اكتبوا ما يرضى ضمائركم والله والوطن، ومن عنده رد ليرسله.

أذكر يوما أني قمت بكتابة موضوع عن رئيس هيئة الكتاب سمير سرحان رحمه الله وكنت أعلم مدى صداقتهما، وظننت أنه سيوقف نشر الموضوع، غير أني فوجئت بنشره كما هو، وجدته ساعتها يقول لي: لو كتبت غير ذلك لكنت بره الصحيفة، وخبرنى أن الدكتور سمير هاتفه وأرسل على مكتبه ردا، وطلب أن اقرأه وان أرد على رده.

مكتب الاستاذ مصطفى بكري لم يغلق يوما فى وجه مواطن قاصد له فى شكوى أو مطلب، بل يخصص يوما أسبوعيا لذلك، هذا غير ما يعرض عبر برنامجه فى قناة صدى البلد، ومع ذلك فإن البعض يعيب عليه أنه لا يلتقى الجميع، فهل الرجل مطالب مثلا أن يهمل اجتماعاته بالمجلس أو عمله وبرنامجه ولقاءاته ليلتقى كل الناس؟ لكنه بقدر المستطاع يحاول أن يرضى الجميع، فالرجل ابن القرية الفقيرة لم يعش فى برج من عاج، بل إذا تعذر مقابلة أحد يقوم بالتنبيه على مدير مكتبه أن أي أحد من المواطنين لديه مشكلة، إما ان يتصل شخصيا لحلها أو يحيله على المحرر المختص للمتابعة وإيجاد الحل، ورغم ذلك هو يتابع مع مدير مكتبه أو المحررين. فى قضايا الامة كان يحشد كتيبة العاملين بالصحيفة لعمل المؤتمرات ودعوة كبار الكتاب والمفكرين والفنانين والساسة لتكوين جبهة رفض عام، عشرات المؤتمرات عقدت بكبرى قاعات الفنادق لمناصرة القضية الفلسطينية والتنديد بالاحتلال ومناصرة شعب العراق ضد الاحتلال الأمريكى برغم ما واجهه من هجوم، لكن كان يقول من يتكلم ليتكلم، نحن نرضى ضمائرنا تجاه أمتنا العربية وهذا دورنا.

ظلت القضايا الداخلية ومحاربة الفساد تحتل أولوية كبرى لدى الاستاذ مصطفى بكرى والعاملين معه، أسقطت الاسبوع رموز فساد وحاربت جمعيات المجتمع المدنى المشبوهة الممولة من الخارج، دافعت الأسبوع عن الشرفاء بتوجيهاته للعاملين بها، وليس معنى أن الرجل ينحاز للدولة وسياستها بمراحلها المختلفة أن هذا دليل نفاق لهذا أو ذاك، إنما هو فعل نابع من وطنيته وما يؤمن به وما يتماشى مع السياسة العليا للدولة.

مصطفى بكرى يتهمه البعض أنه حقق مكاسب شخصية، لكن من يعرف مصطفى بكرى يدرك حقيقة أن هذا الرجل المناضل والإنسان الشريف لم يتكسب من شىء، مثلما حقق الآخرون، فالرجل بدأ السلم من أوله من مجلة المصور وكان اصغر صحفي بها إلى توليه رئاسة تحرير أكثر من صحيفة حزبية حقق بها نجاحات كبيرة، ثم عمله كأشهر مراسل فى الشرق الأوسط لإذاعة مونت كارلو ثم تحقيق حلمه بتأسيس أكبر صحيفة مستقلة (الأسبوع) كل من بها صاروا نجوما فى الصحافة المصرية إلى رئاسة إحدى القنوات العربية الكبري فترة، وهو برلمانى ناجح ثم مقدم برنامج بإحدى أكبر القنوات (صدى البلد) أي أنه طوال حياته يكد ويتعب ويتواجد فى مكتبه قبل اى محرر، هم يقولون أنه يسكن فى قصر، هل البيت الوسبع الذى يضم عائلة كبيرة قصرا، أقل بيت فى قرية أوسع، بل هناك من لم يعرقوا نصف عرقه ولا يمتلكون كفاحه ونضاله يسكنون فى أفخم الفيلات والقصور بقروض بنوك الدولة، ما بالك برجل قضى ٤٠ غاما فى مهنة الصحافة والإعلام. هل نستكثر علي الرجل أن يكون له بيت يليق به، وهناك من هم بقروض البنوك أصبحوا مليونيرات من الهواء ويسكنون القصور والفيلات والشاليهات بعد أن كانوا يسيرون بأحذية بالية.

يقولون ويروجون عنه قبل يد فلان أو علان، خسئتم.. فهذا مردود عليه، فالرجل بحكم البيئة والمكان محافظة قنا والدم الصعيدى الذى يجرى فى دمه إلى جانب أنه صاحب المكانة السياسية أبعد ما يكون كشخصية عما يروج له مرضى النفوس من صورة ليس لها علاقة بما يروج ويشاع، والحكاية أن لقاء عاما جمعه وسط صفوة رجال السياسة بجمال مبارك وبنوع من الود صافح كل منهما الآخر ممسكا كل منهم يد الاخر، ولأن القاعة تضج بالزحام والأصوات العالية اقترب كل منهم للاستماع للآخر، يعنى الأمر لا فيه بوس على الايادى ولا يحزنون، لقد عرف عن بكرى الحميمية فى مصافحته للكبار والصغار إلى درجة أنه عند المصافحة يضم يد الآخر ويضغط عليها، مما يعطى إحساسا بالود حتى لو كان يخالفه الرأى، وتلك خصلة إنسانية وشيمة الكبار.  

عن نفسى فخور بالأستاذ مصطفى بكري، وفخور باقترابي منه وفخور أن اكون واحدا ممن صنع أسماءهم - نحن القادمين من قرى محافظات مصر المختلفة - وفخور بأني عرفت إنسانيته.
-----------------------------
بقلم: سيد يونس

مقالات اخرى للكاتب

بالقرب من | مصطفى بكري الذى عرفته