يخطئ من يظن أن الصحافة مهنة مريحة، وأن الصحفى يجلس خلف مكتبه أو أمام الكاميرا لينقل للناس ما يحدث. الصحافة الحقيقية مهنة محفوفة بالمخاطر، وكلما اقترب الصحفى من الحقيقة، اقترب أحيانا من الثمن الذى قد يدفعه مقابلها. قد يتعرض للتهديد، أو الإعتقال، أو القتل، أو يذوب مثل فص ملح، وكأنه ماكان.
أمارس مهنة الصحافة منذ قرابة نصف قرن، عشت خلالها مخاطر كثيرة، لم يشعر بها غيرى، ولم أُشعر بها أحدا. تعرضت لمحاولة قتل وأنا أغطى الاحتجاجات على مقتل الجندى سليمان خاطر عام ١٩٨٦. فى قريته أكياد، مركز فاقوس بالشرقية كنت أتابع الاحتجاجات وتدمير المنشآت، وكان دخول القرية فى منتهى الصعوبة للحصار الأمنى المفروض عليها. وقتها رآنى زميل صحفى أصور آثار حريق نقطة الشرطة، فحرض الأهالى ضدى، مدعيا أننى من المباحث وأننى أتجسس عليهم، وكانوا يتظاهرون احتجاجا على مقتل ابنهم داخل السجن، بعد اتهامه بقتل جنود صـ هـ ـا يـنـ ه. وفى مرة أخرى، كدت أفقد حياتى فى الصحراء، لولا أن بعض البدو أنقذونى ومن كانوا معى.
لست وحدى من تعرض للمخاطر، فمعظم من عملوا فى هذه المهنة مسَّهم شىء من الضر، ودفعوا ثمنا بسببها. ولعلنا لم ننسَ الصحفى السعودى جمال خاشقجى، الذى دخل قنصلية بلاده فى إسطنبول عام ٢٠١٨، ولم يخرج منها ثم اعترفوا بقتله، ولم يعثر على جثمانه حتى اليوم. ومن قبله اختفى الصحفى بجريدة الأهرام رضا هلال فى صيف ٢٠٠٣، بعد عودته إلى منزله بدقائق، وظل اختفاؤه لغزا بلا حل حتى اليوم.
وفى سورية، لم يكن الأمر مجرد حوادث متفرقة، بل بدا كأن الأرض قد ابتلعت العديد من الصحفيين الذين كانوا يتابعون الأحداث والاحتجاجات ضد الحاكم هناك. اختفى الصحفى الموريتانى إسحق مختار، والصحفى اللبنانى سمير كساب فى ريف حلب خريف ٢٠١٣، كما اختفى الصحفى الأردنى بشار فهمى فى حلب عام ٢٠١٢. وفى سورية أيضاً وبلا حس ولا خبر، اختفى الصحفيون فائق المير، ورأفت طحان، وأحمد البلال سليم، الذين اعتقلوا بين عامى ٢٠١٢ و٢٠١٣، ثم انقطعت أخبارهم داخل زنازين السجون السرية.
وفى ليبيا، ابتلع الغياب المصور الصحفى المصرى محمد جلال عكاشة وزميله يونس المبروك عام ٢٠١٤. وفى اليمن، اختفى الصحفى محمد المقرى فى حضرموت عام ٢٠١٥، وغيبت جماعة الحوثى رئيس تحرير مجلة المنار عبيد زبين فى صنعاء عام ٢٠٢٠.
كل واحد من هؤلاء ذاب كفص الملح، لكنه ترك وراءه ملحا فى جرح الصحافة لا يزول. فكل من أزهقت أرواحهم أو قيدت حرياتهم لم يمارسوا الصحافة من مكاتبهم، بل ذهبوا بشغف إلى مناطق الصراع، وهم يعرفون مخاطرها. دفع الجميع حياتهم ثمنا للمهنة وهم يواجهون بطش القوة، ورعب الخوف، وذهول الصمت.
قد يختفى صحفى، أوعشرة، أو مائة، أو ألف، أو أكثر، لكن الصحافة التى دافعوا عنها لا ينبغى أن تختفى معهم. فالصحافة التى تستحق اسمها لا تموت بموت أصحابها، بل تظل شاهدة على الحقيقة، حتى لو حاول البعض دفن هذه الحقيقة مع أصحابها.
------------------------------
بقلم: أحمد بكير







