07 - 11 - 2026

تحقيق أممي: الإمارات استأجرت مرتزقة كولومبيين لدعم "حميدتي".. ولانا نسيبة متهمة بالتستر

تحقيق أممي: الإمارات استأجرت مرتزقة كولومبيين لدعم

كشف محققون أمميون عن استئجار دولة الإمارات مرتزقة كولومبيين للقتال إلى جانب جماعة شبه عسكرية سودانية سيئة السمعة متهمة بارتكاب إبادة جماعية. 

وفصل تقرير سريّ، رُفِع إلى مجلس الأمن الأسبوع الماضي وحصلت صحيفة نيويورك تايمز على نسخة منه، كيف أقدمت شركة أمنية إماراتية وثيقة الصلة بالحكومة على نقل الكولومبيين إلى السودان عبر أراضٍ يسيطر عليها حلفاء للإمارات في ليبيا والصومال. 

ويعد التقرير أوفى توثيق أممي حتى الآن للدور الإماراتي في الحرب الأهلية السودانية؛ إذ تُتهم الإمارات بتزويد قوات الدعم السريع شبه العسكرية بالطائرات المسيرة والأسلحة والمرتزقة، ما غذى صراعًا أودى بحياة مئات الآلاف. 

وتجيء نتائج التحقيق الأممي في توقيت حساس للإمارات، حيث تترشح لانا زكي نسيبة، إحدى أبرز دبلوماسييها والتي قادت لسنوات الجهود الإماراتية لنفي دور بلدها في السودان، لمنصب الأمين العام القادم للأمم المتحدة. ومع دراستها في جامعة كامبريدج وأصولها الفلسطينية، مثلت السيدة نسيبة (48 عامًا) الإمارات في الأمم المتحدة لأكثر من عقد، قبل عودتها عام 2024 إلى الإمارات حيث عُينت وزيرة دولة للشؤون الخارجية العام الماضي. 

ومع بروز اسمها في تشرين الأول/أكتوبر كمرشحة في اللحظات الأخيرة للسباق على قيادة الأمم المتحدة، أحدثت نسيبة إرباكًا في المنافسة، بالتوازي مع خضوعها لتدقيق شديد بشأن دورها في ملف السودان، وتواجه نسيبة اتهامات بمحاولة إنكار أو تهوين الأدلة التي تؤكد دعم الإمارات لقوات الدعم السريع المتهمة بفظائع لا تُحصى، في خرق لقرار حظر توريد الأسلحة الأممي. 

كما يرى ناقدون أن نسيبة سعت إلى تكميم أجهزة الأمم المتحدة المحققة في السياسات الإماراتية ببلدان عربية عدة، وتعطيل أعمالها بنجاح أحيانًا، حيث تتهم الإمارات بدعم أمراء حرب وخرق قرارات حظر السلاح الدولية. 

وقال برونوستاغنو أوجارتي، القيادي في منظمة هيومن رايتس ووتش في بيان له "أمضت لانا نسيبة أكثر من عقد من الزمان في مناصب تعمل لصالح الحكومة الإماراتية، ممارسةً تبييضًا متكررًا لدورها الانتهاكي في اليمن والسودان، ومقدمةً أبوظبي كطرف إنساني، في حين تتجاهل أو تعتم على الأدلة المتزايدة حول دورها في تغذية الانتهاكات". 

وأضاف أوجارتي أن ترشح نسيبة يطرح تساؤلات حول مدى استعدادها "للدفاع عن استقلالية الأمم المتحدة ونزاهتها وآليات التحقيق التابعة لها، بما فيها تلك التي تكشف انتهاكات الإمارات". 

من جهته، نفى متحدث باسم الإمارات دعم بلاده لأي طرف في حرب السودان أو سعيها لتقويض التحقيقات الأممية، وأبلغت الإمارات الأمم المتحدة في بيان منفصل بأن الشركة الأمنية الوارد اسمها في التقرير السري لم تنشر مرتزقة في السودان ولم تخرق أي قانون إماراتي. 

وأكدت نسيبة في رسالة عبر البريد الإلكتروني، أن إنهاء "الصراع المروع" في السودان سيكون أولويتها حال تولى الأمين العام، متعهدةً بأنه إذا حدد محققو الأمم المتحدة أي قوة خارجية تغذي الصراع، فإنها "ستتحرك ضدها وتتعامل مع تلك الدولة"، وأضافت: "سيكون السودان اختبارًا حقيقيًا للأمين العام القادم". 

وتصدرت نسيبة الواجهة الديبلوماسية الإماراتية بشأن السودان منذ انزلاق البلاد إلى الحرب الأهلية عام 2023. وفي غضون أشهر، شرعت الإمارات في تزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة والمسيرات والمساعدات العسكرية، أملًا في مساعدة الجماعة شبه العسكرية على هزيمة الجيش السوداني وضمان المصالح الإماراتية في بلد يمتلك احتياطيات ضخمة من الذهب وموقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، وكشفت صحيفة نيويورك تايمز في 2024 عن تشغيل الإمارات طائرات مسيرة صينية متطورة من قاعدة في تشاد، تحت ستار عمليات الهلال الأحمر. 

كما ساهمت دول وشركات أخرى في تغذية الحرب بالسودان، من بينها روسيا وإيران وتركيا وأوكرانيا، بشكل رئيس عبر إرسال أو بيع أسلحة للجيش السوداني، غير أن أحدًا لم يكن بحجم المحورية الإماراتية، التي وظفت مواردها الهائلة وحلفاءها المقربين مثل إثيوبيا وتشاد لدعم قوات الدعم السريع. 

وكثيرًا ما كررت نسيبة في مقابلات صحفية نفي دعم بلادها لقوات الدعم السريع، وقالت بصراحة لشبكة سي إن إن عام 2024 بأن "تلك المزاعم غير صحيحة جملة وتفصيلًا"، ومؤكدة اقتصر إرسال الإمارات على المساعدات الإنسانية فقط. ومارست نسيبة ضغوطًا هادئة على الحلفاء الأجانب خلف الأبواب المغلقة، لدعم الموقف الإماراتي المدعي للحياد في السودان، وفقًا لمسؤولين أميركيين سابقين عدة. غير أنها حتى في الجلسات المغلقة، رفضت الحديث بوضوح عن دور بلادها، ما عقد الجهود المباشرة لإيصال الصراع إلى نهاية تفاوضية، بحسب المصادر ذاتها. 

وفي عام 2024، وأمام غضب القادة الإماراتيين من عدم دفاع بريطانيا عنهم ضد الهجمات خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن السودان، ألغت الإمارات اجتماعات مقررة مع وزراء بريطانيين كبار كإجراء انتقامي، وفق ما أفاد به مسؤول أميركي سابق رفيع تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة مداولات حساسة. 

وتركز التدقيق في الدور الإماراتي بالسودان مؤخرًا على مجموعة يُطلق عليها (ذئاب الصحراء)، وهي جماعة من المرتزقة الكولومبيين استُؤجروا للقتال بجانب قوات الدعم السريع. ووثقت وسائل إعلام ومجموعات حقوقية عدة قيام الكولومبيين بتشغيل المسيرات وتدريب المقاتلين وتوفير الدعم المدفعي أثناء فرض الدعم السريع حصارها القاسي على مدينة الفاشر السودانية العام الماضي، في واحدة من أبشع حلقات الحرب. 

وبينما دأبت الإمارات على تجنب التقارير الصحفية السلبية، بدت في موقع الدفاع في وقت سابق من هذا العام حين وجهت الأمم المتحدة أيضًا اتهامات للإمارات بتزويد السودان بمرتزقة كولومبيين. وفي تموز/يوليو، أرسلت لجنة من محققي الأمم المتحدة المكلفين بمراقبة حظر الأسلحة على دارفور تقريرًا تفصيليًا إلى مجلس الأمن تضمن تأكيدًا قاطعًا: "دعمت الإمارات قوات الدعم السريع بتوفير المرتزقة". 

وذكر التقرير تلقي المرتزقة الكولومبيين تدريبات في قاعدتين عسكريتين في أبوظبي قبل نشرهم في السودان. وشنت السلطات الإماراتية هجومًا مضادًا شديدًا، وقبل إمكانية نشر التقرير للعلن، حُظر في مجلس الأمن بناءً على اعتراضات من البحرين التي شغلت المقعد غير الدائم آنذاك. 

وأفاد مسؤول أممي رفيع ودبلوماسي إقليمي تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما لمناقشة أمور دبلوماسية حساسة بأن البحرين كانت تتصرف بطلب من الإمارات. 

وقال متحدث باسم الإمارات إن بلاده "ترفض كليًا المزاعم بوجود أي تأثير لها على أي عضو في مجلس الأمن"، ولم تستجب وزارة الخارجية البحرينية لطلبات التعليق. 

وأشار أحدث تقارير المحققين، المرفوع إلى مجلس الأمن يوم الجمعة، إلى أن المرتزقة تم استئجارهم من قبل "مجموعة خدمات الأمن العالمي"، وهي شركة أمنية خاصة مقرها أبوظبي تتمتع بصلات سياسية وتجارية وعائلية وثيقة مع شخصيات بارزة في الأسرة الحاكمة الإماراتية. وأظهرت السجلات تأسيس الشركة من قبل مسؤول رفيع في الرئاسة الإماراتية، وتعرف عبر موقعها الإلكتروني بأنها "مُزود الأمن المفضل" لوزارتي الخارجية وشؤون الرئاسة الإماراتيتين. 

ويرى محللون أن التدقيق المتزايد في سجل نسيبة بشأن السودان قد يضر بحملتها لمنصب الأمين العام، وأظهر استطلاع رأي استكشافي حديث شمل ثمانية مرشحين حلولها في منتصف القائمة. وقال كاميرون هدسون، المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية والمدير السابق للشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي، إن الإنكار الإماراتي المستمر لدعم قوات الدعم السريع "يجعل من آليات التحقيق التي تسعى نسيبة اليوم لقيادتها مادة للسخرية"، وأضاف: "لقد لعبت دورًا بارزًا في التعمية على مساهمة حكومتها في الفظائع الواقعة بالسودان، وهذا أحرى به أن يستبعدها من أي ترشيح لاحق". 

وسعت الإمارات تحت قيادة نسيبة، لتهدئة الرقابة الأممية على تحركاتها في دول أخرى أيضًا، ففي عام 2011، نجحت الإمارات بالتعاون مع السعودية في ممارسة ضغوط لإغلاق لجنة من المحققين الأمميين كانت ترفع تقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن، حيث انتشرت القوات الإماراتية. وفي عام 2016، تواصلت نسيبة مع مسؤولين إماراتيين آخرين بشأن اتهامات أممية لبلادهم بتزويد قائد الحرب خليفة حفتر بالسلاح في ليبيا، وكتب مسؤول إماراتي لنسيبة في سلسلة بريد إلكتروني أُرسلت بالخطأ إلى الأمم المتحدة: "الحقيقة الجلية هي أن الإمارات خرقت قرار مجلس الأمن بشأن ليبيا وتواصل القيام بذلك". 

ونشرت الأمم المتحدة رسائل عدة من البريد الإلكتروني مع شطب اسم المسؤول، وحصلت التايمز هذا الأسبوع على نسخة غير مشطوبة من تلك المراسلات، محددةً هوية المسؤول بأنه أحمد القاسمي، وهو دبلوماسي عمل لصالح نسيبة في البعثة الإماراتية بنيويورك. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، قادت نسيبة جهودًا إماراتية مكثفة للتأثير على أعضاء البرلمان الأوروبي بشأن قرار مرتقب يدين الفظائع في السودان، بحسب ما أوردته صحيفة بوليتيكو، وأقر البرلمان القرار دون ذكر الإمارات.