07 - 11 - 2026

كابلات الهوا الدايبة

كابلات الهوا الدايبة

هذا مقال كتبته لمسًا بأطراف البنان لا رسمًا بأقلام، وأرسلته إلكترونيا لا بريديا، ونشره الموقع منشورا رقميا لا مطبوعا ورقيا، وأنت الآن تقرؤه من شاشة لا من جريدة، ولا يزال مع ذلك فى قلبى توجس وريبة من هذا الركون البشرى المتزايد إلى تلك العوالم الرقمية غير الملموسة من إنترنت، وذكاء اصطناعى، وأموال رقمية، وانقطاع البشر عن ميراثهم غير الرقمى.

لعلى أقول هذا لأنى رجل عاصرت الزمنين؛ الورقى والرقمى، وعرفت فرق ما بينهما، وأعلم من فضائل كل عصر على الآخر ما لا يعلمه كثير من جيل الألفية الثالثة، فإن لكلا العصرين على البشر أفضالا عظاما، وما كان عيشنا ليتيسر لو لم يقيض الله لنا أناسًا من حضارات شتى لينشئوا لنا هذه المخترعات (القديمة والحديثة) التى يسّرت على البشر كثيرا من أمور معايشهم.

واليوم فإن من الكياسة ومن الضرورة أن يحرص الناس على تعليم أبنائهم علوم الحوسبة والذكاء الاصطناعى؛ لأنها من العلوم التى لا يسع الناس الاستغناء عنها أو الجهل بها، ولكن الأكثر كياسة من هذا أن يجمع أبناؤنا علوم الحوسبة والذكاء الاصطناعى مع مهارات عصر ما قبل الإنترنت والذكاء الاصطناعى، ولعل متعجبا يسأل: أيتقدم الناس وتريدنا أن نتأخر؟! أتريد من Gen Z أن يترك عوالمه الرقمية، وخزائنه السحابية، ويرجع للأقلام والأوراق والأعمال اليدوية، والمعاملات البشرية؟! فأقول: لا، لست أريدهم أن يتركوا، بل أريدهم أن يجمعوا الحسنيين، فيملكوا علوم زمانهم، ومهارات زمان من سبقوهم، فإن من يبصر تبدل أحوال هذا الزمن يتيقن أنه لا يجوز له التعويل على النسخة الرقمية الأخيرة من الحضارة البشرية والركون إليها، والاعتماد عليها، والتغافل عما سبقها من وجوه الحضارة الأخرى السابقة التى صنعتها البشرية على طول الدهور المتعاقبة.

هل تدرون لماذا ينبغى للعقلاء الجمع بين العالمين الرقمى وما قبله؟ لأننا لا ندرى ماذا سيكون من مستجدات الأمور، ولسنا ندرى كيف سيكون مستقبل هذا الذكاء الاصطناعى، فهو وإن كان اليوم رأس التقدم، لكنه فى رأيى هو أضعف الأشياء ثباتا، بل أزعم أن التعلق به هو تعلق "بكابلات الهوا الدايبة"، فكم من مرة تعطلت الاتصالات، والمواصلات، والكهرباء، والبنوك، والمدفوعات الرقمية، ولم يكن هذا بفعل غارة حربية، ولا قذيفة نووية، ولا قنبلة كهرومغناطيسية، بل استهدفها قراصنة رقميون فأحدثوا هذا الاضطراب فى حياة ملايين الناس، فكيف إذا تعمد جيش من الجيوش تخريب كابلات الإنترنت، وتدمير الخوادم ومراكز البيانات؟! وليس هذا سوداوية منى ولا تشاؤما، لكنه أقرب الأشياء وقوعًا، وقد جرّبته فرنسا وإسبانيا والبرتغال قبل زمن غير بعيد؛ فتعطلت القطارات، ومن استقلوا سيارات الأجرة تعطلت بطاقة مدفوعاتهم، فلم يجدوا نقدا يؤدون به أجور السائقين، وليس ببعيد منا وعيد الإيرانيين بقطع كابلات الإنترنت أسفل مياه الخليج، ولا يزال قريبا حريق سنترال رمسيس وما أحدثه من تعطل فى مصالح الناس حينا من الوقت، وفى هذه الوقائع كان الفنيون يسارعون فيصلحون العطل، أو يسدون الثغرة التقنية؛ فلم يتضرر الناس زمنا طويلا، لكن ماذا إن وقع شىء أكبر من هذا واستغرق إصلاحه زمانا أطول من الساعات والأيام؟! حينها لا نجاة لك بآيفون ولا أندرويد، بل نجاتك مرهونة بما فى يدك وعقلك من العلم والمهارة والوثائق، مثل: إجادة التعبير الكتابى الورقى، وإجادة التواصل البشرى وجهًا لوجه، وإجادة التجارة يدًا بيد، وإتقان مهارات المعيشة المنزلية (وليست السلع المعلبة)، وكذلك من الضرورة أن تملك تحت يديك وثائق ورقية تثبت بها حقوقك، وتعينك على قضاء مصالحك، وتنفعك فى شؤون معايشك إذا انقطعت "كابلات الهوا الدايبة"، فإن لم تكن احتفظت بأصول نقدية أو عينية، أو وثائق ورقية كان هذا تفريطا، وأظن حينها سيندم كثير ممن لم يستعد لمثل هذا الأمر، وارتكن فى أعماله إلى الخزائن السحابية، والوثائق الرقمية، والعملات المشفرة، والتواصل عن بُعد، ونسى أن  يأخذ بحظ من مهارات المعيشة اليومية غير الرقمية.

تلك كانت خاطرتى التى كتبتها وأنا فى زمن الإنترنت والذكاء الاصطناعى، وهذا زعمى الذى أراه صوابا أو أقرب شىء إلى الصواب، والحكم فى صحة ذلك متروك إلى وقائع الزمان، وحادثات الأيام، والله المستعان.
---------------------------
بقلم:
محمد زين العابدين
[email protected]

مقالات اخرى للكاتب

كابلات الهوا الدايبة