في تطور مثير لشكل الحرب الأمريكية الإيرانية، ظهرت السوشيال ميديا ووسائل ومواقع التواصل الإلكتروني كسلاح قوي ومؤثر. أثبتت الحروب أنها لم تعد تُخاض بالصواريخ والطائرات وحدها، فهناك جبهة أخرى لا تقل تأثيرا، هي جبهة الإعلام والفضاء الرقمي، التى أظهرت قدرة صورة موثقة على هدم رواية سياسية كاملة، وكشف التناقض بين التصريحات والحقيقة. وهذا ما ظهر بوضوح في تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة لكشف الادعاءات الأمريكية ومساءلة خطاب دونالد ترامب.
فعلى الرغم من توقف الهجمات مؤقتا، لم تتوقف تهديدات ترامب، بل استمر في إطلاق تصريحات تصعيدية، وكأن الحرب لم تضع أوزارها. وتوالت تهديداته بتدمير ما تبقى من إيران، والتلويح بأن إعادة إعمارها ستحتاج إلى ٢٥ عاما، حتى وصل الأمر في آخر وأحدث تصريحاته أمس إلى التهديد بإبادة إيران وتدمير ما تبقى منها بالكامل. لكن استمرار ترامب في التهديد والوعيد، رغم توقف العمليات العسكرية، كشف اتساع الفجوة بين أقواله وأفعاله، وتحولت تصريحاته إلى مادة للسخرية والاستهزاء، بدلا من أن تحقق التأثير الذي يريده.
لم يكن الرد على ترامب ونظامه وإعلانه عبر البيانات السياسية وحدها، وإنما من خلال تحرك ذكي اعتمد على نقل الصورة الحية والمشاهدة المباشرة من الداخل الإيراني. على مدار الأشهر الماضية، دعت إيران روادا ورحالة ومدونين، فنشرت المنصات ومواقع التواصل الاجتماعي صوراً لجولات ميدانية لعدد من صناع المحتوى والمؤثرين الذين نقلوا مشاهد حية من داخل إيران، ومن بينهم الرحالة المصري أحمد البدوي، الذي رافقه صانع المحتوى الجزائري بلقاسم، في رحلة وثقا خلالها جانبا من الحياة اليومية في إيران، بين الشوارع والأسواق والمناطق الحيوية والسياحية، وأظهرا كذب الادعاءات الأمريكية بأن الهجمات على إيران دمرت بنيتها الأساسية وحولت مبانيها إلى تراب بفعل الصواريخ الموجهة من إسراء وقواعد أمريكا في المنطقة. وقدمت هذه المشاهد التي نقلها رواد السوشيال ميديا من مختلف دول العالم صورة مختلفة عما تضمنته التصريحات الأمريكية من تصوير لإيران باعتبارها بلدا أصابته الحرب بالشلل التام وحولته إلى كومة من الركام. وسرعان ما انتشرت المقاطع عبر منصات التواصل الاجتماعي، محققة مشاهدات واسعة، لتفتح جبهة موازية، لا تعتمد على نفي التصريحات أو الدخول في سجالات سياسية، وإنما تترك الصورة للمشاهد كي يقارن بنفسه بين ما يسمعه وما يراه.
وهنا تكمن حدة الذكاء الإيراني، فبدلا من أن تحتكر المؤسسات الرسمية تشكيل الرأي العام، أصبح بإمكان صانع محتوى يحمل هاتفا محمولا أن ينقل مشاهد من قلب المجتمع إلى ملايين المتابعين، وأن يضع الروايات السياسية أمام اختبار الواقع. ولم تعد الصورة المنقولة مجرد وسيلة للتوثيق، بل تحولت إلى أداة مؤثرة في إدارة الصراع وكشف المبالغات والتناقضات والادعاءات والأكاذيب.
كشفت هذه المواجهة الجديدة أن احتكار الرواية الإعلامية لم يعد ممكنا، وأن منصات التواصل باتت قادرة على إرباك حسابات القوى الكبرى، مهما امتلكت من أدوات إعلامية. والمفارقة أن ترامب، الذي اعتمد طويلا على السوشيال ميديا في صعوده السياسي ومخاطبة أنصاره، وجد نفسه أمام الوجه الآخر للسلاح ذاته، عندما واجه واقعا جديدا، مع تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى وسائل لكشف التناقض بين تهديداته وحقيقة الواقع.
وهكذا أصبحت معركة الصورة والمعلومة جزءا أصيلا من الصراعات الدولية، وأثبتت أن الكاميرا قد تنافس أحيانا الصاروخ، وأن امتلاك القدرة على نقل الحقيقة، أو تقديم صورة حقيقية للواقع، بات عنصرا لا يمكن تجاهله في حسابات القوة.
------------------------------
بقلم: أحمد بكير







