05 - 11 - 2026

طالباني يعلن الانسحاب من حكومة كردستان ويهدد بحكومة موازية.. هل يعود الإقليم إلى زمن الإدارتين؟

طالباني يعلن الانسحاب من حكومة كردستان ويهدد بحكومة موازية.. هل يعود الإقليم إلى زمن الإدارتين؟

في تصعيد هو الأخطر منذ سنوات، أعلن رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني انسحاب حزبه رسمياً من حكومة إقليم كردستان، واصفاً حكومة مسرور بارزاني بـ"الفاشلة"، ومهدداً بتشكيل إدارة موازية في السليمانية، في خطوة تنذر بعودة الإقليم إلى سيناريو الانقسام الذي عاشه في تسعينيات القرن الماضي.

ماذا قال طالباني؟

في رسالة متلفزة وجهها إلى مواطني الإقليم، قال طالباني إن الاتحاد الوطني لن يعترف بمخرجات جلسة برلمان كردستان التي عقدت الأربعاء، معتبراً أنها غير شرعية.

وأضاف أن حكومة الإقليم الحالية هي حكومة تصريف أعمال منذ أكثر من عامين، وفشلت في تقديم أي شيء للمواطنين، لذلك قرر الاتحاد الوطني الانسحاب منها بشكل فوري.

وحاول طالباني طمأنة المواطنين، مؤكداً أن الإقليم هو إقليم جميع مكوناته، وأن الاتحاد الوطني كان شريكاً أساسياً في بنائه، وقدم شهداء وتضحيات في سبيل تأسيسه.

التهديد بحكومة موازية

ووجه طالباني رسالة مباشرة إلى قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني، قال فيها إن الاتحاد الوطني سيتعامل بالمثل مع أي خطوة أحادية.

وأضاف: "إذا عينتم رئيساً للإقليم سنعين رئيساً للإقليم نحن أيضاً، وإذا عينتم رئيساً للحكومة سنعين نحن أيضاً رئيساً للحكومة، وحتى إن عينتم أي وزير سنقوم نحن أيضاً بتعيين وزير".

الشرارة.. جلسة البرلمان

الأزمة انفجرت بعد أن عقد برلمان كردستان أولى جلساته الأربعاء بعد شلل سياسي استمر نحو عامين منذ انتخابات أكتوبر 2024.

الجلسة قاطعها الاتحاد الوطني وحراك الجيل الجديد، اللذان طالبا بتأجيلها لحين التوافق على توزيع المناصب العليا.

ورغم المقاطعة، انعقدت الجلسة بحضور 52 نائباً من أصل 100، أي بفارق نائب واحد فقط عن النصاب القانوني، وانتخبت فالا فريد، رئيسة كتلة الحزب الديمقراطي، رئيسة للبرلمان بالإجماع من الحاضرين.

اتهامات بالرشوة والضغوط

اتهم طالباني أطرافاً داخل أحد الحزبين بالعمل على تخريب العلاقات بين الجانبين كلما أحرزت المفاوضات تقدماً، معتبراً أن هذه الأطراف تمثل أقلية تسعى إلى عرقلة مسار التفاهم.

كما اتهم الديمقراطي الكردستاني باللجوء إلى "الرشوة والتهديد والضغوط النفسية" لإقناع بعض النواب بحضور الجلسة، مشيراً إلى مشاركة 3 نواب من حزبه في الجلسة رغم قرار المقاطعة.

ماذا يحدث على الأرض؟

مصادر كردية قالت إن نائب رئيس الحكومة قوباد طالباني ووزراء الاتحاد الوطني بدأوا بالفعل في مغادرة مكاتبهم في أربيل والعودة إلى السليمانية، في إشارة عملية لبدء الانفصال الإداري.

في المقابل، قالت رئيسة البرلمان الجديدة فالا فريد إن تفعيل البرلمان "ليس موجهاً ضد أي شخص أو طرف سياسي"، في محاولة لاحتواء التصعيد.

خلفية الأزمة

تعود جذور الأزمة إلى انتخابات أكتوبر 2024، التي فاز فيها الحزب الديمقراطي بـ 39 مقعداً مقابل 23 مقعداً للاتحاد الوطني، الذي تحالف بعدها مع حراك الجيل الجديد صاحب الـ 15 مقعداً.

ومنذ ذلك الحين، فشلت المفاوضات في الاتفاق على صيغة توزيع المناصب العليا، وبقيت حكومة مسرور بارزاني في موقعها رغم الطعن في شرعيتها أمام المحكمة الاتحادية العليا في بغداد.

ماذا سيفعل مسرور بارزاني؟

حتى الآن، لم يصدر رد مباشر من مسرور بارزاني على إعلان الانسحاب، لكن موقف حزبه يشير إلى أنه سيمضي في تشكيل الحكومة من دون الاتحاد الوطني.

فقد أكد المتحدث باسم الحزب الديمقراطي محمود محمد أن الاتحاد والجيل الجديد هما من عطلا البرلمان لمدة عامين، وأن تفعيل البرلمان ليس فوزاً لطرف وخسارة لآخر، بل انتصار لشعب كردستان كله.

ويرى مراقبون أن مسرور بارزاني يراهن على أنه يملك 39 مقعداً، بالإضافة إلى دعم الأقليات وبعض المستقلين والنواب الذين كسروا المقاطعة، ما مكنه من تأمين 52 صوتاً، وبالتالي يستطيع تشكيل حكومة والقول للعالم: "نحن الشرعية، ومن انسحب هو من يتحمل مسؤولية الانقسام".

لكن هذا الرهان يحمل خطراً كبيراً، فإذا مضى بافل طالباني في تهديده بتعيين رئيس للإقليم ورئيس للحكومة في السليمانية، فإن بارزاني قد يلجأ إلى قطع الميزانية والرواتب عن السليمانية، وهو ما كان طالباني يشتكي منه أصلاً.

نيجيرفان بارزاني في موقع الوسيط

وسط هذا التصعيد، يبرز رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني كطرف ثالث، يحاول أن يلعب دور الوسيط والحامي للمؤسسات في آن واحد.

فور انعقاد جلسة البرلمان، رحب نيجيرفان بارزاني بعودته، مؤكداً أن "البرلمان هو أعلى مؤسسة تمثل إرادة شعب كردستان"، ودعا جميع القوى السياسية إلى المشاركة في أعماله وحل خلافاتها داخل إطاره، بعيداً عن لغة المقاطعة والتهديد.

لكن خطاب نيجيرفان لم يحمل أي هجوم على الاتحاد الوطني، بل حافظ على لغة هادئة تدعو إلى الحوار والشراكة، وهو ما يعكس طبيعة موقعه المختلف عن رئيس الحكومة مسرور بارزاني.

ويرى مراقبون أن الخلاف الحقيقي للاتحاد الوطني ليس مع الحزب الديمقراطي ككل، بل مع مسرور بارزاني شخصياً، وأن نيجيرفان بارزاني يحظى بقبول داخل الاتحاد الوطني، وبغداد، والعواصم الغربية، على عكس مسرور.

وكشفت مصادر كردية قبل أسابيع عن اجتماع غير معلن جمع نيجيرفان بارزاني وبافل طالباني بمعزل عن مسرور بارزاني، لبحث تشكيل الكابينة العاشرة، وأن الطرفين توصلا إلى تفاهمات حول أغلب التفاصيل، في إشارة إلى أن نيجيرفان بات يقود مفاوضات حزبه بنفسه.

وسبق لنيجيرفان بارزاني أن طلب من رئيس الحكومة الاتحادية محمد شياع السوداني التدخل كوسيط بين الحزبين، مؤكداً أن "انسحاب الاتحاد الوطني من الحكومة غير صحيح، فالاتحاد شريك رئيسي في تشكيلها".

ويضع هذا الموقف نيجيرفان بارزاني أمام اختبار صعب: فهو كرئيس للإقليم مطالب بالدفاع عن شرعية البرلمان ومؤسساته، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن انقسام الإقليم إلى إدارتين سيفرغ منصبه من مضمونه.

ولذلك، يرى محللون أن نيجيرفان بارزاني هو الشخص الوحيد القادر على إعادة طالباني إلى طاولة المفاوضات، بل وربما هو الحل الوسط المقبول من الطرفين لتولي رئاسة الحكومة المقبلة، إذا تعذر التوصل إلى اتفاق على بقاء مسرور بارزاني.

لماذا الآن؟

يأتي التصعيد في توقيت بالغ الحساسية، بعد انسحاب آخر القوات الأمريكية من المنطقة، ووسط مخاوف من تصعيد أمريكي - إيراني جديد قد ينعكس مباشرة على العراق وكردستان.

ويرى مراقبون أن انقسام الإقليم إلى إدارتين، واحدة في أربيل ودهوك يقودها الديمقراطي، وأخرى في السليمانية وحلبجة يقودها الاتحاد الوطني، سيضعف موقف الكرد أمام بغداد، ويفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية في الشأن الكردي.

ماذا بعد؟

السؤال الآن: هل يتراجع الطرفان إلى طاولة المفاوضات تحت ضغط بغداد والمجتمع الدولي، أم يمضي طالباني في تهديده بتشكيل حكومة موازية، ليعيد الإقليم إلى ما قبل اتفاق 2006 الذي وحّد الإدارتين؟

الإجابة ستتحدد خلال الأيام القليلة المقبلة، لكن المؤكد أن كردستان دخلت مرحلة جديدة، عنوانها: لا عودة إلى الوراء، ولا توافق في الأفق.