شهد المجتمع الإسلامي في شبه القارة الهندية خلال أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، تحولات عميقة في ميادين السياسة والاجتماع والفكر. وفي خضم تلك التحولات، وما صاحبها من وطأة الاستعمار البريطاني، والتأخر في ميادين التعليم، والتحديات التي اعترضت سبيل نيل الحقوق السياسية، برزت شخصيات إصلاحية حملت هموم المجتمع، وسعت إلى إيقاظ وعيه والنهوض بأحواله. وكان من أبرز هؤلاء الشيخ منير الزمان الإسلام آبادي، الذي جمع بين التأليف والصحافة والتربية والإصلاح الاجتماعي والفكر السياسي. وقد تميزت مسيرته بتآلف القيم الدينية مع مقتضيات التعليم الحديث، وتكامل الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي مع التطلع إلى التحرر الوطني.
ولد عام 1875م في شيتاغونغ من بنغلاديش. وتلقى مبادئ تعليمه في كنف أسرته، ثم شد الرحال إلى كلكتا، حيث واصل تحصيله العلمي في المدرسة الحكومية بهوغلي، وأتم دراسته العليا فيها عام 1895م. وقد جمع إلى معرفته باللغات العربية والفارسية والأردية عناية باللغة البنغالية وآدابها. وبعد فراغه من التحصيل، انصرف إلى ميدان التعليم، فدرس في عدد من المدارس الدينية في رانغبور وشيتاغونغ. ولم يكن التعليم في نظره مجرد تلقين للمعارف أو أداء لواجب التدريس، بل كان ركيزة أساسية لاستنهاض المجتمع الإسلامي، وصون كرامته، وإحياء روح المعرفة فيه، والارتقاء بأحواله الاجتماعية.
ولما أدرك ما كان يعانيه المسلمون في البنغال إبان العهد الاستعماري من تأخر في ميادين التعليم، جعل من النهوض بالمؤسسات التعليمية ميدانا من ميادين جهوده الإصلاحية، فبادر إلى تأسيس المدارس والمعاهد، وعني بإتاحة فرص التعلم للأيتام والأطفال المحرومين. وكان تأسيس دار الأيتام الإسلامية قدم مبارك في شيتاغونغ عام 1930م شاهدا بارزا على عنايته بخدمة المجتمع ورعاية الفئات المحتاجة. وقد اتسمت رؤيته التربوية بالشمول والتوازن، إذ لم تقتصر على العلوم الدينية، بل امتدت لتشمل التاريخ والعلوم والجغرافيا والاقتصاد إيمانا منه بأهمية هذه المعارف في بناء الإنسان والنهوض بالمجتمع.
اتخذ الشيخ منير الزمان الإسلام آبادي من الصحافة منبرا لإيقاظ الوعي، واستنهاض الهمم، وبث روح الإصلاح في المجتمع. فقد ارتبط بعدد من الصحف والمجلات من أبرزها سلطان، وحبل المتين ومحمدي، وكوهينور، وباسنا، والإسلام. وكانت صحيفة السلطان الأسبوعية من أهم المنابر التي حمل من خلالها هموم المجتمع الإسلامي، وسلط الضوء على قضاياه التعليمية والثقافية، وحقوقه السياسية، وحاجته إلى الإصلاح الاجتماعي. وقد امتد قلمه إلى اللغات البنغالية والعربية والفارسية والأردية، واتسعت آفاق نشاطه الصحفي لتتجاوز حدود البنغال، وظهرت كتاباته في عدد من الصحف والمجلات المصرية، منها المنار والأهرام والبلاد. وهكذا سعى إلى وصل الحركة الفكرية في المجتمع الإسلامي البنغالي بآفاق الفكر في العالم الإسلامي الأوسع، ومد جسور التواصل بينهما. وفي ميدان الأدب والتأليف، كان واسع الاهتمامات، متعدد المشارب، متنوع العطاء. وبلغت مؤلفاته نحو اثنين وأربعين كتابا من أبرزها: الحضارة الإسلامية في الهند، وانتشار الإسلام في الهند، والإصلاح الاجتماعي، والمسلمون وعلم الجغرافيا، ونهضة العالم الإسلامي، والقرآن والعلم، ومشكلة الربا، وتعاليم الإسلام، وإسهامات المسلمين في حركة استقلال الهند. وقد تجلت في هذه المؤلفات عنايته بتاريخ الحضارة الإسلامية، وإبراز إسهامات المسلمين في ميادين العلم والمعرفة إلى جانب اهتمامه بالقضايا الاقتصادية، والتربية الدينية، ومسألة الاستقلال السياسي. وتميز نتاجه الفكري والأدبي بنزعة تجمع بين استحضار أمجاد الماضي واستيعاب معارف الحاضر، إذ حرص على أن يظل المجتمع الإسلامي موصولا بتراثه الحضاري، منفتحا في الوقت نفسه على علوم عصره وحقائق واقعه.
أما في ميدان العمل المؤسسي والتنظيمي، فقد كان له فيه سهم وافر، وحضور بارز في عدد من الهيئات والجمعيات العلمية والإصلاحية. فقد تولى منصب الأمين العام المشارك لجمعية علماء البنغال، التي تأسست عام 1913م، وأسهم في تأسيس الفرع الإقليمي البنغالي لجمعية علماء الهند، كما ارتبط بمبادرات متعددة في ميادين الأدب الإسلامي والتعليم. وكان له دور مهم في تأسيس جمعية طلبة العربية في آسام والبنغال عام 1929م. وقد اتخذ من هذه المؤسسات والجهود التنظيمية سبيلا إلى جمع شمل العلماء والطلاب والمثقفين، وتوحيد طاقاتهم، وتضافر جهودهم ابتغاء بناء قوة جماعية متماسكة تنهض بالمجتمع الإسلامي، وتستنهض ما فيه من طاقات العلم والفكر والعمل. أما في ميدان السياسة، فقد اتسمت مسيرة الشيخ منير الزمان الإسلام آبادي بتعدد المواقف وتنوع مسالك العمل الوطني. فقد ارتبط في مستهل حياته السياسية بالمؤتمر الوطني الهندي، ثم انخرط بفاعلية في حركة عدم التعاون وحركة الخلافة. وكان من أبرز الشخصيات التي أسهمت في صياغة ميثاق البنغال عام 1923م، الذي استهدف إرساء التفاهم بين الهندوس والمسلمين في البنغال، وإيجاد أرضية مشتركة للتعاون السياسي والتوافق بشأن التمثيل السياسي. وفي عام 1937م، انتخب عضوا في المجلس التشريعي البنغالي عن حزب الفلاحين والرعية. وقد ذاق مرارة السجن، وتعرض للاضطهاد السياسي بسبب مشاركته في النضال المناهض للاستعمار البريطاني. وقد تجلت في مسيرته السياسية تطلعاته إلى التحرر الوطني، وترسيخ الوئام بين الطوائف الدينية، وإعلاء شأن حقوق عامة الناس. ولم تكن قضايا اللغة والهوية الثقافية بعيدة عن دائرة اهتمامه، فقد أدرك ما للغة الأم من منزلة رفيعة في بناء الوعي الأدبي والمعرفي لدى المسلمين الناطقين بالبنغالية، وما تنهض به من دور في صون هويتهم الثقافية. وتشير بعض الدراسات واتخذ موقفه المؤيد للغة البنغالية في خضم الجدل الذي ثار حول لغة الدولة الرسمية عقب قيام باكستان. وكانت أفكاره مصدر إلهام لبعض الشخصيات التي ارتبطت لاحقا بالحركة المطالبة بحقوق اللغة البنغالية. ولعل أسمى مشروعاته التعليمية طموحا، وأوسعها أفقا، كان تطلعه إلى إنشاء جامعة وطنية عربية أو إسلامية في منطقة تلال ديانغ بشيتاغونغ. وقد سعى في سبيل تحقيق هذا المشروع إلى توفير مساحات واسعة من الأراضي، واستطاع أن يحظى بمساندة عدد من الشخصيات البارزة، وفي مقدمتها الشيخ شوكت علي. وقد عرض مشروع إنشاء جامعة إسلامية في شيتاغونغ خلال مؤتمر جمعية علماء الهند المنعقد في كلكتا يوم 28 ديسمبر 1940م. غير أن ما اعترض سبيل المشروع من عقبات وتحديات حال دون أن يرى هذا الحلم النور.
وفي الرابع والعشرين من أكتوبر عام 1950م، طويت صفحة حياة الشيخ منير الزمان الإسلام آبادي، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الفكري والتربوي والاجتماعي والسياسي. وليس من الإنصاف أن تختزل شخصيته في إطار العمل الديني وحده، إذ إن مكانته التاريخية أرحب من ذلك وأعمق. فقد جمع في أفق فكري واحد بين التعليم والصحافة والأدب والإصلاح الاجتماعي، ووصل هذه الميادين بقضايا الحقوق السياسية والتحرر الوطني، فجاءت جهوده تعبيرا عن رؤية إصلاحية تتكامل فيها المعرفة مع العمل، والوعي مع النهوض الاجتماعي. وقد ترك بصمته في مسيرة اليقظة المعرفية للمجتمع الإسلامي في البنغال إبان العهد الاستعماري، وأسهم في تعزيز قدراته التنظيمية، حتى استحق أن يتبوأ مكانة مرموقة بين أعلام الفكر والإصلاح في تاريخ المنطقة. ولا تزال سيرته ومؤلفاته ميدانا رحبا للبحث والدراسة، إذ إن العودة المتعمقة إلى آثاره الأصلية، واستقراء ما نشرته الصحف والمجلات المعاصرة له، وتحليل الوثائق السياسية المتصلة بنشاطه من شأنها أن تكشف عن أبعاد أخرى من عطائه، وأن تعين على تحديد منزلته الحقيقية في تاريخ الفكر الإسلامي في البنغال على أساس من التحقيق العلمي والتوثيق التاريخي الرصين.
-----------------------------------
بقلم: عبد الله محفوظ فهيم
مصادر ومراجع:
1. الموسوعة البنغالية.
2. صحيفة بروتوم آلو اليومية.
3. صحيفة جغانتور اليومية.
4. شمس الزمان خان، منير الزمان الإسلام آبادي.
(ترجمة: لجنة الترجمة بجماعة الإصلاح في بنغلاديش.)






