05 - 11 - 2026

أمريكا ومأزق اسرائيل ..عندما يتحول الحليف الاستراتيجي إلى عبء سياسي وحساب استراتيجي معقد

أمريكا ومأزق اسرائيل ..عندما يتحول الحليف الاستراتيجي إلى عبء سياسي وحساب استراتيجي معقد

لم يكن جيه دي فانس  نائب الرئيس الأميركي الحالي أول من انتقد العلاقة مع إسرائيل وتحميلها مسوولية خسارة الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية التي جرت في الثالث من شهر تشرين الثاني الجاري، فقد سبقه عديدون ،منهم "جوش بول" مدير سابق للشؤون العامة والكونغرس في مكتب الشؤون السياسية والعسكرية بوزارة الخارجية الأميركية، والذي استقال احتجاجاً على سياسة إدارة بايدن في تسليح إسرائيل خلال حرب غزة.. وهالة ضريريت – دبلوماسية أميركية  سابقة خدمت 18 عاماً في وزارة الخارجية واستقالت في نيسان أبريل 2024 احتجاجاً على سياسة إدارة بايدن تجاه حرب غزة، والملاحظ ان الحرب على غزة كانت وراء هذه الاستقالات.

لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مجرد تحالف استراتيجي ثابت تحكمه المصالح المشتركة والالتزامات التاريخية، بل أصبحت موضوعاً لنقاش متزايد داخل الأوساط السياسية والأكاديمية الأميركية. فبعد عقود من الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي غير المحدود تقريباً، بدأت أصوات أميركية تتساءل عن الثمن الذي تدفعه واشنطن مقابل هذه العلاقة، وعن مدى انسجام السياسات الإسرائيلية مع المصالح القومية الأميركية.

والسؤال الذي كان يُطرح في السابق على استحياء، أصبح اليوم أكثر حضوراً في النقاش السياسي الأميركي: هل ما زالت إسرائيل تمثل أصلاً استراتيجياً للولايات المتحدة، أم أن بعض سياساتها بدأت تحولها إلى عبء سياسي ودبلوماسي واستراتيجي؟

هذا السؤال ليس وليد اللحظة، ولا هو نتيجة الحرب الأخيرة وحدها، بل له جذور فكرية وسياسية تعود إلى سنوات طويلة.

** من الحليف الاستراتيجي إلى سؤال الكلفة

منذ الحرب الباردة، احتلت إسرائيل موقعاً مهماً في الحسابات الأميركية في الشرق الأوسط. فقد وجدت واشنطن فيها شريكاً عسكرياً واستخباراتياً متقدماً، يتمتع بقدرات تكنولوجية وعسكرية، ويشاركها مواجهة عدد من الخصوم الإقليميين.

ومع مرور الوقت، أصبحت العلاقة أكثر رسوخاً، ولم تعد مقتصرة على المصالح العسكرية، بل امتدت إلى السياسة الداخلية الأميركية، والكونغرس، ومراكز الأبحاث، ومؤسسات صنع القرار. لكن التحالفات، في الحسابات الاستراتيجية، لا تُقاس بتاريخها فقط، وإنما بمدى استمرار قدرتها على خدمة مصالح أطرافها.

وهنا بدأت تظهر مراجعات فكرية أميركية مهمة، تتساءل عما إذا كانت المنافع التي تحصل عليها الولايات المتحدة من علاقتها بإسرائيل ما زالت تتناسب مع تكاليفها المتزايدة.

في عام 2006 نشر أستاذ العلاقات الدولية في جامعة شيكاغو "جون ميرشايمر"، وأستاذ جامعة هارفارد "ستيفن والت"، دراسة أثارت جدلاً واسعا بعنوان «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية»، ثم تحولت إلى كتاب عام 2007.

ذهب الباحثان إلى أن الدعم الأميركي لإسرائيل لا يمكن تفسيره بالمصالح الاستراتيجية المشتركة وحدها، وأن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل تؤدي دوراً مؤثراً في صياغة السياسة الأميركية.

وتطرقت دراستهما إلى التكاليف التي قد تتحملها واشنطن نتيجة الدعم غير المشروط، ومنها تراجع قدرتها على بناء علاقات متوازنة مع الدول العربية والإسلامية، وتعرض مصالحها لانتقادات بسبب ارتباطها بالسياسات الإسرائيلية، فضلاً عن احتمال أن تجد نفسها في مواقف لا تتطابق بالضرورة مع أولوياتها القومية.

وقد تعرضت أطروحتهما لانتقادات أكاديمية وسياسية، لكن أهمية الكتاب تكمن في أنه نقل النقاش من دائرة الاعتراض السياسي إلى دائرة البحث الاستراتيجي.

لم يعد السؤال مقتصراً على حق إسرائيل في الحصول على الدعم الأميركي، بل أصبح يتعلق بحدود هذا الدعم ومدى جدواه بالنسبة إلى الولايات المتحدة نفسها.

ومن الأصوات الدبلوماسية الأميركية التي تناولت هذه المسألة بوضوح، السفير الأميركي السابق تشاس فريمان، الذي طرح عام 2010 سؤالاً مباشراً في مناقشة سياسية: هل إسرائيل أصل استراتيجي أم عبء على الولايات المتحدة؟

ركز فريمان على مجموعة من التكاليف، أبرزها الأعباء الدبلوماسية التي تتحملها واشنطن بسبب سياسات إسرائيل، وتأثير ذلك على علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية، فضلاً عن المخاطر التي قد تنشأ عندما تتداخل الحسابات الأمنية الإسرائيلية مع قرارات الحرب والسلم الأميركية.

وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يصدر عن دبلوماسي أميركي خدم في مواقع مهمة، وليس عن مراقب خارجي للعلاقة.

فمن وجهة النظر التي طرحها، لا ينبغي أن تكون حماية إسرائيل هدفاً منفصلاً عن المصالح الأميركية، بل يجب أن تخضع العلاقة لمعيار المصلحة القومية للولايات المتحدة.

تتمثل المعضلة الأميركية في أن إسرائيل ما زالت شريكاً عسكرياً واستخباراتياً مهماً، لكن سياسات بعض الحكومات الإسرائيلية قد تضع واشنطن أمام تكاليف لا تريدها.

ففي الوقت الذي تحتاج فيه الولايات المتحدة إلى علاقات مستقرة مع الدول العربية، وإلى الحفاظ على نفوذها في المنطقة، قد تؤدي الحروب الإسرائيلية المتكررة والتصعيد الإقليمي إلى تعقيد هذه العلاقات.

كما أن دفاع واشنطن المستمر عن إسرائيل في المحافل الدولية يضعها أحياناً في مواجهة انتقادات واسعة، ويؤثر في صورتها لدى قطاعات من الرأي العام العالمي.

وهنا تظهر المفارقة: الدولة التي تمثل بالنسبة إلى واشنطن شريكاً مهماً في الشرق الأوسط قد تصبح، نتيجة بعض سياساتها، مصدراً لمشكلات دبلوماسية وسياسية أميركية.

ولا يعني ذلك أن المنافع الاستراتيجية للتحالف اختفت، بل إن العلاقة أصبحت أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للتعامل معها باعتبارها مصلحة أميركية لا تقبل المراجعة.

لم يعد النقاش حول إسرائيل محصوراً في مراكز الأبحاث ودوائر الدبلوماسية، بل امتد إلى المجتمع الأميركي نفسه.

فقد ظهرت خلافات متزايدة بين الديمقراطيين والجمهوريين، وداخل كل من الحزبين، بشأن حجم الدعم العسكري والسياسي الذي ينبغي تقديمه لإسرائيل.

وفي الحزب الديمقراطي، تصاعدت الانتقادات المرتبطة بالحرب في غزة، وبالمساعدات العسكرية، وبالسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

أما داخل الحزب الجمهوري، فقد برز تيار محافظ يرفع شعار «أميركا أولاً»، ويرفض الانخراط في حروب خارجية طويلة، ويطالب بإعطاء الأولوية للاقتصاد الأميركي والمصالح الداخلية.

وهذا التيار يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا ينبغي للولايات المتحدة أن تتحمل تكاليف مواجهات إقليمية لا تحقق بالضرورة عائداً مباشراً للمواطن الأميركي؟

إن تحول العلاقة مع إسرائيل إلى قضية خلاف داخلي وانتخابي يمثل تطوراً مهماً، لأن التحالفات التقليدية تصبح أكثر عرضة للمراجعة عندما تفقد جزءاً من الإجماع السياسي الذي كان يحميها.

** فانس وترامب: عودة شعار أميركا أولاً

تكتسب مواقف التيار المحافظ المتشكك في الحروب الخارجية أهمية خاصة في ضوء صعود شخصيات مثل دونالد ترامب وجي دي فانس.

فهذا التيار لا ينطلق بالضرورة من رفض التحالف مع إسرائيل، بل من رفض أن تتحول التحالفات إلى التزامات مفتوحة، أو أن تتقدم مصالح الحلفاء على الأولويات الأميركية.

ومن هنا تبرز أهمية النقاش داخل المعسكر الجمهوري بشأن الحروب والتدخلات الخارجية، وما إذا كانت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط تحتاج إلى مراجعة جذرية.

فالمسألة لم تعد فقط موقفاً من إسرائيل، بل أصبحت جزءاً من سؤال أوسع يتعلق بالدور الأميركي في العالم: هل تستمر واشنطن في تحمل أعباء النظام الدولي والتحالفات الخارجية بالصورة التقليدية، أم تتجه إلى تقليص التزاماتها وإعادة ترتيب أولوياتها؟

عندما نتحدث عن كلفة العلاقة الأميركية الإسرائيلية، لا ينبغي أن نحصرها في الأموال والمساعدات العسكرية.

فهناك كلفة دبلوماسية تتمثل في صعوبة بناء توافقات دولية، وكلفة إقليمية تتعلق بعلاقات واشنطن مع الدول العربية، وكلفة داخلية تتصل بانقسام الناخبين والسياسيين، فضلاً عن مخاطر الانجرار إلى مواجهات عسكرية واسعة.

وهذه الكلف قد تكون، في بعض الظروف، أكثر تأثيراً من الكلفة المالية المباشرة.

فالولايات المتحدة لا تنظر إلى الشرق الأوسط من زاوية إسرائيل وحدها؛ لديها مصالح في الخليج، وأمن الطاقة، وطرق التجارة، ومواجهة التنظيمات المسلحة، والتنافس مع الصين وروسيا، وحماية الملاحة الدولية.

ومن ثم، فإن أي سياسة إقليمية تفرض على واشنطن الاختيار المتكرر بين دعم إسرائيل والحفاظ على علاقاتها ومصالحها الأخرى تضعها أمام معادلة استراتيجية معقدة.

** ثلاثة احتمالات لمستقبل العلاقة

أمام واشنطن ثلاثة مسارات محتملة:

الأول، استمرار التحالف التقليدي، مع احتواء الخلافات، والإبقاء على الدعم العسكري والسياسي ضمن الإطار المعروف.

الثاني، الانتقال إلى تحالف مشروط، تستمر فيه الشراكة الأمنية، لكن مع زيادة الضغوط الأميركية على الحكومة الإسرائيلية، وربط بعض أشكال الدعم بالسياسات المتبعة ومدى توافقها مع المصالح الأميركية.

الثالث، تراجع الإجماع السياسي الأميركي حول العلاقة، بحيث تصبح أقل حصانة أمام التغيرات الانتخابية والحزبية، مع استمرار التعاون العسكري والاستخباراتي في المجالات التي تحقق مصالح مشتركة.

ان مجرد تحول العلاقة إلى موضوع خلاف سياسي وانتخابي واسع يشير إلى أن طبيعتها لم تعد بمنأى عن المراجعة.

** الخاتمة: هل تستطيع أميركا الفصل بين أمن إسرائيل ومصالحها القومية؟

إن مأزق الولايات المتحدة لا يكمن في وجود تحالف مع إسرائيل بحد ذاته، بل في حدود هذا التحالف، وفي مدى قدرة واشنطن على الحفاظ على استقلال قرارها الاستراتيجي.

وهنا لابد أن نقرأ وجهاً أخر للعلاقة بين إسرائيل وأميركا كما يراها السيد الشهيد حسن نصر الله حيث قال "إن إسرائيل تعمل عند أمريكا" وليست هي التي تقود القرار الأميركي، مع وجود هامش ومسافة للنقاش بينهما.. وبذا، نحن في قراءة لتداخل في القرار والتأثير بين حليفين كانا ومازالا عنوانا لأزمات طال امدها واثرها على المنطقة والعالم ..

التاريخ يعلمنا أن التحالفات لا تبقى ثابتة إلى الأبد، وأن الدول تعيد النظر في علاقاتها عندما تتغير موازين المصالح والتكاليف.

إن مأزق إسرائيل في الحسابات الأميركية: ليس في غياب أهمية التحالف، وإنما في تصاعد السؤال عن ثمنه، ومن يدفع هذا الثمن، وإلى أي مدى يمكن أن يستمر دون مراجعة.
--------------------------------
بقلم: د. محمود الهاشمي
* مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية  ـ العراق

مقالات اخرى للكاتب

أمريكا ومأزق اسرائيل ..عندما يتحول الحليف الاستراتيجي إلى عبء سياسي وحساب استراتيجي معقد