- قراءة سياسية تحليلية في تداعيات خسارة الجمهوريين مجلسي الكونغرس والشيوخ وانعكاساتها على الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية
- من صناديق الاقتراع إلى إعادة تشكيل النظام الدولي
لم تكن الانتخابات النصفية الأميركية التي جرت في الثالث من تشرين الثاني 2026 مجرد استحقاق انتخابي لتجديد مقاعد في مجلس النواب ومجلس الشيوخ بل تحولت إلى اختبار سياسي واسع لسياسات الرئيس دونالد ترامب خلال العامين الأولين من ولايته الثانية فالنتائج التي أفرزت انتقال السيطرة على المجلسين إلى الحزب الديمقراطي تمثل تحولاً كبيراً في ميزان القوى داخل الولايات المتحدة وتضع الإدارة الأميركية أمام مرحلة مختلفة من إدارة السلطة والقرارات الداخلية والخارجية. لقد خسر الجمهوريون مجلسي الكونغرس والشيوخ وتمكن الديمقراطيون من تحقيق مكاسب واسعة في الولايات والمناطق التي كانت محسوبة تقليدياً على الجمهوريين وهذا ما يجعل النتيجة أقرب إلى رسالة سياسية واضحة من الناخب الأميركي بشأن الاقتصاد والحرب والسياسة الخارجية وطريقة إدارة البلاد، وليس مجرد عقاب انتخابي لبعض المرشحين الجمهوريين، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هل يدرك ترامب أن هذه الخسارة لا تعني فقط تراجع نفوذ حزبه داخل المؤسسات التشريعية بل تعني أيضاً تراجع قدرته على فرض رؤيته السياسية على العالم بالسهولة التي اعتادها خلال العامين الماضيين؟
*أولاً: ترامب أمام أزمة السلطة والقرار
إن خسارة مجلسي النواب والشيوخ تضع ترامب أمام واقع سياسي جديد، فالرئيس الأميركي مهما اتسعت صلاحياته التنفيذية لا يستطيع إدارة الدولة بمعزل عن الكونغرس خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالموازنات والإنفاق العسكري والمساعدات الخارجية والتشريعات الكبرى.
سيكون الديمقراطيون قادرين على التحكم بأجندة اللجان البرلمانية وفتح التحقيقات واستدعاء المسؤولين وممارسة الرقابة على الإدارة إضافة إلى التأثير المباشر في الموازنات والتمويل والتعيينات التي تحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ، لكن من المهم عدم المبالغة في حدود هذه الخسارة فترامب لا يفقد صلاحياته الرئاسية ولا يصبح عاجزاً عن اتخاذ القرارات التنفيذية كما يحتفظ بحق النقض ( *الفيتو*) ولا يستطيع الديمقراطيون تجاوزه إلا بأغلبية الثلثين في المجلسين.
أما في موضوع الحرب فإن الرئيس يمتلك صلاحيات واسعة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة لكنه لا يمتلك شيكاً مفتوحاً لتمويل حروب طويلة أو إطلاق التزامات عسكرية ومالية بلا حدود، وهنا تحديداً تصبح سيطرة الديمقراطيين على المجلسين عاملاً مؤثراً في أي مغامرة عسكرية جديدة خصوصاً إذا تطلبت اعتمادات مالية إضافية أو تفويضات تشريعية، وبالتالي فإن الخسارة لا تعني سقوط سلطة ترامب لكنها تعني ارتفاع كلفة قراراته وضرورة التعامل مع معارضة تمتلك أدوات دستورية وسياسية حقيقية.
*ثانياً: الاقتصاد العالمي والخوف من المستقبل
لا يمكن فصل نتائج الانتخابات الأميركية عن الأزمات الاقتصادية التي شهدها العالم خلال المرحلة الماضية فالرسوم الجمركية والحروب والاضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد إلى جانب حالة عدم اليقين التي رافقت قرارات الإدارة الأميركية ساهمت في زيادة الضغوط على اقتصادات كثيرة ولا سيما الدول الفقيرة والنامية التي لا تمتلك احتياطيات مالية أو قدرة على مواجهة الصدمات المتتالية.
ولعل من أبرز المؤشرات على خطورة المرحلة ما نشهده في أوروبا من دعوات رسمية لتعزيز الاستعداد للأزمات وتوفير الاحتياجات الأساسية من الغذاء والماء والأدوية وغيرها لمدة لا تقل عن 72 ساعة، وهذه التوصيات الأوروبية لا تعني بالضرورة أن حرباً عالمية أصبحت وشيكة لكنها تكشف عن حجم القلق من احتمالات انقطاع الإمدادات وتعطل البنية التحتية واتساع الأزمات الجيوسياسية. إن وصول الحكومات الأوروبية إلى مرحلة توجيه مواطنيها للاستعداد لاحتمالات الطوارئ يعكس تحولاً في التفكير الأمني والاقتصادي الأوروبي من الاعتماد على استقرار الأسواق وسلاسل التوريد إلى الاستعداد لاحتمالات الاضطراب والانقطاع، ومن هنا فإن خسارة ترامب قد تفتح الباب أمام مراجعة بعض السياسات الاقتصادية والتجارية لكنها لن تعالج تلقائياً الأضرار التي تراكمت ولا سيما أن الاقتصاد العالمي أصبح شديد الترابط وأن أي تراجع في الثقة بالسياسات الأميركية ينعكس على الأسواق والاستثمارات وأسعار الطاقة والتجارة الدولية.
*ثالثاً: الحرب الروسية الأوكرانية ومستقبل الدور الأميركي
تحتل الحرب الروسية الأوكرانية موقعاً أساسياً في حسابات السياسة الدولية نظراً إلى الدور الأميركي المحوري في الدعم العسكري والمالي والسياسي لأوكرانيا وفي إدارة التوازنات مع روسيا وحلف شمال الأطلسي إن خسارة ترامب لمجلسي الكونغرس والشيوخ قد تفتح الباب أمام إعادة تقييم السياسة الأميركية تجاه هذه الحرب لكن ليس بالضرورة في اتجاه واحد.
فالديمقراطيون الذين استعادوا السيطرة على المجلسين قد يدفعون نحو زيادة الدعم لأوكرانيا أو تشديد العقوبات على موسكو أو فرض رقابة أكبر على أي تفاهمات قد يعقدها ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفي المقابل قد يجد ترامب نفسه أمام معارضة داخلية تعرقل بعض خياراته سواء تلك المتعلقة بتقليص الدعم لأوكرانيا أو فرض تسوية بشروط لا تحظى بقبول واسع داخل المؤسسات الأميركية.
وهنا تبرز مفارقة سياسية مهمة: ترامب الذي رفع شعار إنهاء الحروب والتوصل إلى التسويات قد يجد أن خسارته الانتخابية تجعل الوصول إلى تسوية روسية أوكرانية أكثر تعقيداً إذا أصبحت هذه التسوية موضع صراع بين البيت الأبيض والكونغرس.
فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط برغبة ترامب أو بوتين أو زيلينسكي بل أصبحت مرتبطة أيضاً بميزان القوى داخل واشنطن وبقدرة الإدارة على تأمين الغطاء المالي والسياسي لأي اتفاق.
*رابعاً: إيران بين فرصة التفاوض واحتمالات التصعيد
ربما يكون الملف الإيراني من أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الانتخابات الأميركية، فالحرب مع إيران والتهديدات المتبادلة لم تعد شأناً إقليمياً محصوراً بل أصبحت عاملاً مؤثراً في الاقتصاد العالمي وأسعار النفط والملاحة الدولية والاستقرار في الشرق الأوسط، وكان ترامب قد ربط علناً توقيت عدم استئناف الهجمات على إيران بموعد الانتخابات النصفية وتحدث عن وجود محادثات وصفها بالإيجابية مع طهران كما أشار قبل الانتخابات إلى أن مسألة استئناف العمليات العسكرية لا تزال مطروحة إذا تعذر الوصول إلى اتفاق اليوم، وبعد هذه الخسارة يبرز سؤال جوهري: هل ستدفع النتائج ترامب إلى الذهاب نحو مفاوضات جدية مع إيران بهدف تخفيف الأعباء الاقتصادية والعسكرية والسياسية أم أن الإدارة ستبحث عن مخرج من أزمتها الداخلية عبر تصعيد خارجي جديد؟ لذا هناك احتمالان لا يمكن استبعاد أي منهما
*الأول*: أن تدفعه الضغوط الداخلية إلى البحث عن تسوية تحفظ ماء الوجه وتتيح له الإعلان عن إنجاز دبلوماسي ينهي الحرب ويخفف من أسعار الطاقة ويعيد بعض الثقة إلى الأسواق.
*الثاني*: أن يحاول استعادة زمام المبادرة من خلال تصعيد عسكري أو سياسي أو تحميل إيران مسؤولية إخفاقاته باعتبارها أحد الملفات التي جعلت سياسته الخارجية والاقتصادية موضع انتقاد انتخابي، لكن التصعيد لن يكون قراراً بلا أثمان فالحرب مع إيران تحمل مخاطر تتجاوز حدود المنطقة من مضيق هرمز وأسواق النفط إلى أمن الحلفاء الأميركيين ومصالح القوى الدولية الكبرى، ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي ليس في قدرة ترامب على إطلاق تهديد جديد بل في قدرته على تحمل تبعاته السياسية والاقتصادية والعسكرية في ظل كونغرس لم يعد تحت سيطرة حزبه.
*خامساً: حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط هل بدأت مرحلة إعادة الحسابات؟
من أبرز التداعيات المحتملة لهذه الخسارة أنها ستدفع حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى إعادة النظر في طبيعة علاقتهم بواشنطن ومدى قدرتها على توفير الحماية والاستقرار لهم، خاصة في ظل ما تبقى من وقت لترمب كسيد للبيت الابيض، حيث اعتمدت دول عديدة في المنطقة على المظلة الأميركية باعتبارها ضمانة أمنية وسياسية وربطت جزءاً كبيراً من استراتيجياتها الدفاعية والاقتصادية بواشنطن، لكن الحروب والأزمات الأخيرة كشفت أن امتلاك الولايات المتحدة للقوة العسكرية الهائلة لا يعني بالضرورة قدرتها على منع جميع التهديدات أو حماية مصالح حلفائها من تداعيات الصراعات الإقليمية. إن خسارة ترامب الانتخابية قد تعزز لدى بعض هذه الدول قناعة بأن الاعتماد على إدارة أميركية واحدة أو على شخص الرئيس لم يعد كافياً لضمان المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد، وقد نشهد بالتالي تسارعاً في سياسة تنويع الشراكات الدولية والانفتاح بصورة أكبر على الصين وروسيا والقوى الإقليمية الصاعدة وتعزيز التفاهمات الأمنية والاقتصادية خارج الإطار الأميركي التقليدي، وفي هذا السياق قد تصبح عبارة *البطة العرجاء* أكثر حضوراً في توصيف وضع ترامب السياسي وإن كان من الضروري التمييز بين ضعف نفوذه داخل الكونغرس وبين استمرار امتلاكه صلاحيات الرئاسة والقوة التنفيذية
فالسؤال الذي ستطرحه العواصم الحليفة ليس فقط ماذا يستطيع ترامب أن يفعل اليوم؟.. بل أيضاً ما الذي تستطيع الولايات المتحدة ضمان استمراره غداً عندما تتغير الإدارات وتتبدل موازين القوى؟.. وهذا بحد ذاته قد يكون بداية مرحلة جديدة من إعادة التموضع السياسي في الشرق الأوسط.
*سادساً: إسرائيل ونتنياهو... هل يتغير ميزان العلاقة الاستراتيجية؟
ربما تكون (*إسرائيل*) من أكثر الأطراف التي ستراقب تداعيات هذه الانتخابات بحذر شديد خصوصاً في ظل الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تواجهها وفي ظل حالة التوتر التي تحيط بمستقبل حكومة بنيامين نتنياهو وقدرتها على الاستمرار.
واللافت أن ترامب أعلن عشية الانتخابات في الثالث من تشرين الثاني عن اتفاق قال إنه توصل إليه مع نتنياهو لوقف المساعدات العسكرية الأميركية السنوية لإسرائيل والتي تبلغ نحو أربعة مليارات دولار اعتباراً من نهاية العام الحالي مع الإشارة إلى استمرار إمكانية بيع الأسلحة لها، وهذا التصريح بصرف النظر عن مدى إمكانية تنفيذه بصورة أحادية وعن التعقيدات القانونية والمالية المرتبطة باتفاق المساعدات القائم حتى عام 2028 يحمل دلالات سياسية تستحق التوقف عندها، فالمساعدات الأميركية لإسرائيل ليست مجرد دعم مالي بل تمثل أحد أعمدة العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين وتشمل تمويل مشتريات السلاح والتعاون في منظومات الدفاع الصاروخي و إذا ما ترافقت تصريحات ترامب مع خسارة الجمهوريين المجلسين فإن إسرائيل ستجد نفسها أمام واقع أميركي أكثر تعقيداً حيث لم تعد العلاقة معها محصنة بالقدر نفسه من النقاشات والاعتراضات داخل المؤسسات السياسية الأميركية.
لكن لا ينبغي افتراض أن خسارة الجمهوريين تعني تلقائياً تراجع الدعم الأميركي لإسرائيل فهناك دعم مؤسساتي وعسكري وسياسي عميق يتجاوز الحزب الحاكم كما أن بعض الديمقراطيين لا يزالون مؤيدين لاستمرار المساعدات والتعاون الأمني معها و مع ذلك فإن انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين يمنح التيارات المنتقدة لسياسات إسرائيل والحرب على الفلسطينيين مساحة أكبر لطرح الأسئلة المتعلقة بالمساعدات والسلاح والمساءلة عن الانتهاكات، أما نتنياهو فإنه يواجه معادلة شديدة التعقيد. *أزمات داخلية تتعلق بالحكم والائتلافات السياسية وضغوط أمنية وعسكرية وعلاقة أميركية لم تعد بالضرورة مطابقة لما اعتاد عليه من دعم سياسي غير مشروط.* وهنا يبرز سؤال أكبر هل نحن أمام بداية مراجعة أميركية للعلاقة مع إسرائيل أم مجرد إعادة ترتيب لشروط الدعم وأدواته بما يتلاءم مع المصالح الأميركية والضغوط الداخلية؟
*سابعاً: المشاريع الكبرى في الشرق الأوسط وإعادة توزيع النفوذ
إن التحولات داخل واشنطن لا تقف عند حدود العلاقة مع إيران أو إسرائيل بل قد تمتد إلى مجمل المشاريع السياسية والأمنية والاقتصادية التي يجري العمل عليها في الشرق الأوسط.
فالمنطقة تعيش مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات وهناك مشاريع تتعلق بالتحالفات الأمنية والتطبيع وممرات الطاقة والتجارة وترتيبات ما بعد الحروب ومستقبل النفوذ الإقليمي والدولي.
وقد تؤدي خسارة ترامب إلى إبطاء بعض هذه المشاريع أو إعادة صياغتها خصوصاً تلك التي ارتبطت مباشرة بشخصه وبقدرته على فرض تفاهمات سريعة على الأطراف المعنية
كما أن تراجع القدرة الأميركية على تمرير السياسات من خلال المؤسسات التشريعية قد يشجع بعض القوى الإقليمية على إعادة تقييم مواقفها وعدم الاستعجال في الدخول في تفاهمات استراتيجية لا تضمن مصالحها على المدى البعيد، ومن المهم هنا الإشارة إلى أن المشاريع الكبرى لا تسقط بمجرد خسارة انتخابية لأنها ترتبط بمصالح دول ومؤسسات وشركات وقوى دولية لكنها قد تدخل مرحلة مراجعة أو إعادة تفاوض أو حتى تعطيل إذا تغيرت البيئة السياسية التي أنتجتها، وبالتالي فإن ما يجري في واشنطن قد تكون له انعكاسات تتجاوز الإدارة الأميركية نفسها لتصل إلى شكل النظام الإقليمي المقبل وطبيعة التحالفات وموازين النفوذ بين القوى المتنافسة كما رأينا في تحالف مكه وامكانية توسعه .
*ثامناً: القضية الفلسطينية هل تفتح التحولات الأميركية نافذة جديدة؟
تبقى القضية الفلسطينية في صلب الأسئلة المتعلقة بمستقبل الشرق الأوسط خصوصاً أن السنوات الأخيرة شهدت انحيازاً أميركياً واضحاً لإسرائيل وتراجعاً في قدرة المؤسسات الدولية على فرض احترام القانون الدولي ووقف الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني. إن خسارة ترامب لا تعني بالضرورة تحولاً فورياً في السياسة الأميركية تجاه فلسطين ولا ينبغي بناء آمال سياسية على مجرد انتقال الأغلبية داخل الكونغرس من حزب إلى آخر، لكنها قد تفتح مساحة جديدة للنقاش والمراجعة خاصة أن القضية الفلسطينية والحرب على غزة وما رافقها من كلفة إنسانية وسياسية واقتصادية أصبحت من الملفات التي أثرت في اتجاهات الناخبين الأميركيين ودفعت قطاعات من المجتمع الأميركي إلى مساءلة طبيعة الدعم المقدم لإسرائيل، ومن هنا فإن السيطرة الديمقراطية على المجلسين قد تمنح الأصوات المطالبة بمراجعة المساعدات العسكرية والسياسات الأميركية تجاه إسرائيل قدرة أكبر على ممارسة الرقابة والضغط وفتح النقاشات العامة لكن التغيير الحقيقي لا يقاس بعدد التصريحات أو بالمواقف الانتخابية بل بمدى انعكاسه على القرارات العملية وفي مقدمتها:
1) وقف استخدام الدعم الأميركي لتغطية استمرار العدوان والانتهاكات بحق الفلسطينيين.
2) مراجعة المساعدات العسكرية وصفقات السلاح لإسرائيل.
3) ممارسة ضغط حقيقي باتجاه وقف الحروب وحماية المدنيين.
4) احترام قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي.
5) الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
إن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى تبديل الشعارات الأميركية بقدر ما تحتاج إلى تغيير فعلي في السياسات التي وفرت الغطاء السياسي والعسكري للاحتلال ومن المهم أيضاً ألا تتحول القضية الفلسطينية إلى مجرد ورقة في الصراع الحزبي الأميركي بحيث يستخدمها الديمقراطيون في مواجهة الجمهوريين ثم تتراجع أهميتها بعد انتهاء المعركة الانتخابية
فالمطلوب أن تصبح حقوق الشعب الفلسطيني معياراً ثابتاً في السياسة الأميركية لا مجرد وسيلة لتحسين الصورة الانتخابية أو استقطاب أصوات الناخبين.
*تاسعاً: هل يتراجع مشروع التطرف السياسي والديني؟
إن أحد الأبعاد المهمة لهذه الانتخابات يتمثل في الرسالة التي حملتها نتائجها بشأن العلاقة بين السياسة الداخلية الأميركية والمشاريع الأيديولوجية التي تتقاطع مع سياسات اليمين الإسرائيلي.
فالتقاطع بين تيارات اليمين القومي والديني المتشدد في الولايات المتحدة وبين حكومة نتنياهو واليمين الصهيوني في إسرائيل كان له أثر واضح في طبيعة الخطاب السياسي والتحالفات والمواقف من الحروب والصراعات الإقليمية.
لكن نتائج الانتخابات تكشف أن هذا التقاطع ليس محصناً من المحاسبة الانتخابية وأن السياسات الخارجية لا يمكن فصلها إلى الأبد عن آثارها الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية على المجتمعات التي تمارسها أو تدعمها إن تصاعد الاعتراضات على الحروب وارتفاع تكاليف المعيشة واتساع النقاش حول المساعدات العسكرية لإسرائيل كلها عوامل أصبحت جزءاً من المشهد السياسي الأميركي وهنا لا بد من التمييز بين المعتقدات الدينية للمجتمعات وبين توظيف الدين في خدمة مشاريع سياسية أو عسكرية فالمشكلة ليست في الدين بل في تحويل الخطاب الديني والقومي إلى غطاء لسياسات الصراع والإقصاء والحروب.
ومن هذه الزاوية فإن نتائج الانتخابات قد تشكل فرصة لإعادة فتح النقاش حول حدود القوة الأميركية ومسؤولية واشنطن عن تداعيات سياساتها الخارجية ومدى إمكانية إعادة الاعتبار للدبلوماسية والقانون الدولي بدلاً من منطق القوة والتهديد.
*خلاصة القول: هل بدأ العالم مرحلة ما بعد ترامب؟
إن خسارة الجمهوريين مجلسي الكونغرس والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي الأميركية لعام 2026 تمثل منعطفاً سياسياً مهماً ليس فقط في تاريخ إدارة ترامب بل في طبيعة التوازن بين الرئاسة والمؤسسات الأميركية وفي انعكاسات ذلك على النظام الدولي لقد أظهرت هذه الانتخابات أن القوة العسكرية والاقتصادية لا تمنح أي إدارة حصانة دائمة من المحاسبة الداخلية وأن السياسات التي تتسبب في أعباء اقتصادية ومعيشية وتدفع العالم إلى حافة صراعات متكررة يمكن أن تتحول إلى عبء على أصحابها داخل صناديق الاقتراع، لكن السؤال الأهم ليس فقط ماذا خسر ترامب بل كيف سيتعامل مع هذه الخسارة؟ وهل سيقرأ الرسالة باعتبارها دعوة إلى مراجعة السياسات والعودة إلى التفاوض وتخفيف التوترات الدولية وإعادة بناء الثقة مع الحلفاء والخصوم؟ أم أن خسارته ستدفعه إلى مزيد من التشدد ومحاولة استعادة صورته السياسية من خلال قرارات خارجية كبيرة أو تصعيد في الملفات التي شكلت عبئاً على إدارته وفي مقدمتها إيران والشرق الأوسط؟ وهل ستدرك القوى الحليفة لواشنطن أن مرحلة الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة قد انتهت، وأن عليها إعادة صياغة علاقاتها الدولية بما يضمن مصالحها بعيداً عن تقلبات الإدارات الأميركية؟ أما بالنسبة إلى (*إسرائيل*) فإن اجتماع الضغوط الداخلية على حكومة نتنياهو مع التحولات في واشنطن قد يفرض مراجعة لعدد من الحسابات السياسية والاستراتيجية وإن كان من المبكر الحديث عن انهيار التحالف الأميركي الإسرائيلي أو انتهاء الدعم الأميركي بصورة نهائية وبالنسبة لفلسطين فإن الفرصة الحقيقية تكمن في تحويل التحولات داخل الولايات المتحدة إلى ضغط سياسي وقانوني ودولي من أجل إنهاء الاحتلال ووقف العدوان وضمان الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني بعيداً عن الرهان على تبدل الأشخاص والحكومات وحده.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى رئيس أميركي أكثر قدرة على فرض إرادته بل إلى سياسة أميركية أكثر احتراماً لمصالح الشعوب وسيادة الدول والقانون الدولي، فالانتخابات قد تغير موازين السلطة داخل واشنطن لكنها لا تغير النظام الدولي وحدها وما سيحدد المرحلة المقبلة هو قدرة القوى الدولية والإقليمية على استثمار هذا التحول وإعادة بناء توازنات تمنع احتكار القرار العالمي وتحد من استخدام الحروب والعقوبات والضغوط الاقتصادية وسيلة لفرض الإرادات، وربما تكون الرسالة الأهم من هذا الزلزال الانتخابي أن العالم لم يعد مستعداً لدفع أثمان الصراعات التي تقررها عواصم كبرى وأن الشعوب مهما طال الزمن تملك القدرة على محاسبة السياسات التي تمس أمنها ومستقبلها وحقها في الحياة والاستقرار.
كذلك لا تعني خسارة ترامب فقدانه صلاحيات الرئاسة أو توقف الحروب تلقائياً كما أن السيطرة الديمقراطية على المجلسين لا تعني بالضرورة تحولاً جذرياً في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، لذلك اود التأكيد في نهاية المقال ان النتائج الإقليمية والدولية التي وردت تبقى ضمن احتمالات وسيناريوهات سياسية لا نتائج محسومة.
-------------------------------
تحليل - يوسف أبو سامر موسى
* باحث وكاتب سياسي – فلسطين






