لقد صدق من قال: كم نحن جوعى إلى الحكمة والمعرفة ونحن غرقى في بحور المعلومات والبيانات
نعيش اليوم في عصر لم تعد فيه المعلومة نادرة أو بعيدة المنال، فبلمسة واحدة يمكن للإنسان أن يصل إلى آلاف الكتب والمقالات والدراسات والأخبار.
وقد أتاحت لنا التكنولوجيا وسائل هائلة للتعلم والتواصل واكتشاف العالم، ولكن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة امتلاك المعرفة كما أن تراكم البيانات لا يقود تلقائيًا إلى الحكمة.
فالمعلومات هي ما نعرفه، أما المعرفة فهي قدرتنا على فهم ما نعرفه وربطه بغيره ومن وجهة نظري ان الحكمة هي أن نحسن استخدام هذا الفهم في الوقت المناسب وبالطريقة التي تحقق الخير والعدل والإنسانية.
وقد يمتلك الإنسان كمًّا هائلًا من المعلومات و لكنه يفتقر إلى القدرة على التمييز بين الصحيح والزائف أو بين النافع والضار أو بين ما ينبغي معرفته وما لا يستحق أن يستهلك وقته وفكره.
لقد أصبحنا نعيش وسط تدفق متواصل من الأخبار والتنبيهات والمنشورات والتعليقات.
وكل يوم تتراكم في أذهاننا آلاف التفاصيل التي سرعان ما يطغى بعضها على بعض فنقرأ كثيرًا و لكننا لا نتأمل بما يكفي ونستقبل الأخبار بسرعة لكننا لا نتحقق من مصادرها ونشارك الآراء لكننا لا نمنح أنفسنا الوقت الكافي لفهمها وتحليلها.
إن المشكلة ليست في المعلومات ذاتها بل في علاقتنا بها فالمعلومة التي لا تغير سلوكًا او طريقا ولا توسع أفقًا ولا تصحح فكرة قد تتحول إلى عبء ذهني لا قيمة له.
أما المعرفة الحقيقية فهي التي تمنح الإنسان قدرة على الفهم وتساعده على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا وتجعله أكثر تواضعًا ورحمةً ومسؤولية.
والحكمة لا تأتي من كثرة ما نقرأ فحسب بل من جودة ما نقرأ وعمق ما نفكر فيه.
فليس الحكيم من وجهة نظري من يعرف كل شيء وإنما من يعرف قدر نفسه ويدرك حدود معرفته ولا يتردد في الاعتراف بأنه لا يعلم.
إن الاعتراف بالجهل ليس ضعفًا بل هو بداية حقيقية للتعلم.
نحن بحاجة اليوم إلى أن نعيد تنظيم علاقتنا بالمعلومات ونحتاج إلى وقت للصمت والتأمل وإلى قراءة متأنية لا تكتفي بالعناوين وإلى عقل نقدي يسأل عن المصدر والدليل والغاية.
كما نحتاج إلى أن نختار ما يدخل عقولنا كما نختار ما يدخل أجسادنا فالعقول مثل الأجساد تتأثر بما نغذيها به.
إن الحكمة ليست ترفًا فكريًا بل ضرورة انسانية فالعالم الذي تكثر فيه المعلومات ويقل فيه الوعي يصبح أكثر عرضة للتضليل والتعصب والاضطراب.
أما حين تقترن المعرفة بالأخلاق والعلم بالمسؤولية والقدرة بالتواضع فإن المعلومات تتحول إلى نور لا إلى ضجيج.
وفي النهاية لسنا بحاجة إلى المزيد من البيانات بقدر حاجتنا إلى بصيرة تهدينا في هذا الضجيج وإلى حكمة تجعلنا نعرف متى نتكلم ومتى نصمت وماذا نختار وماذا نترك وكيف نحول ما نتعلمه إلى عمل نافع وحياة أكثر إنسانية.
والسؤال الوقعي الذي يجب أن يطرح ليس كم نعرف؟
بل ماذا فعلنا بما عرفنا؟
------------------------------
بقلم: أسامة محمد






