في امتداد لما طرحته في مقالي السابق «الموقف التركي في ليبيا يستحق الدراسة»، جاءت التطورات الأخيرة لتؤكد أن الملف الليبي يشهد مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات ومراكز النفوذ، وأن التنافس الإقليمي والدولي على مستقبل ليبيا لم يعد مقتصراً على دعم هذا الطرف أو ذاك، وإنما امتد إلى محاولة التأثير في شكل المؤسسات العسكرية والسياسية التي ستدير الدولة الليبية مستقبلاً.
أولاً: تركيا تنتقل من التعامل مع الانقسام إلى محاولة إدارته وتجاوزه.
اللافت أن تركيا، التي بدأت تدخلها العسكري والسياسي في ليبيا بدعم حكومة غرب البلاد، أصبحت اليوم تتحرك في اتجاه بناء تفاهمات مع شرق ليبيا أيضاً.
فقد استضافت أنقرة خلال أكتوبر الماضي لقاءات بين ممثلين عسكريين من الشرق والغرب، من بينهم صدام حفتر وعبد السلام الزوبي، لبحث ترتيبات التعاون العسكري وتوحيد المؤسسة العسكرية، وتداولت تقارير مقترحات لإنشاء غرفة قيادة مشتركة وتشكيل قوة عسكرية مشتركة.
كما أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الظروف أصبحت مهيأة لتوحيد المؤسسات العسكرية والإدارتين المتنافستين في ليبيا، ملمحاً إلى إمكانية الإعلان عن تطورات إيجابية قريباً.
وهنا تتضح أهمية التحول التركي؛ فأنقرة لم تعد تحصر علاقاتها في حكومة طرابلس، وإنما تسعى إلى الاحتفاظ بعلاقات مؤثرة مع الطرفين، بما يتيح لها المشاركة في رسم مستقبل ليبيا، بصرف النظر عن الطرف الذي ستؤول إليه السلطة مستقبلاً.
ثانياً: فرنسا تدخل المنافسة على توحيد المؤسسة العسكرية.
جاءت التطورات الأخيرة لتكشف عن تحرك فرنسي واضح، حيث استضافت باريس لقاءات ومباحثات بين رئيس الأركان التابع لحكومة غرب ليبيا صلاح الدين النمروش، ورئيس أركان القوات التابعة للقيادة العامة في الشرق خالد حفتر، برعاية فرنسية، وبحضور مسؤولين عسكريين فرنسيين.
كما استقبل قصر الإليزيه خالد حفتر، وبحث معه المبعوث الفرنسي الخاص إلى ليبيا ومسؤولون عسكريون فرنسيون سبل تعزيز التعاون العسكري بين البلدين.
وهذا التحرك لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تعاون عسكري تقليدي، بل يمثل محاولة فرنسية للمشاركة في صياغة ترتيبات المؤسسة العسكرية الليبية، ومنافسة النفوذ التركي المتنامي في هذا الملف.
ومن المهم الإشارة إلى أن التحركين التركي والفرنسي لا يعنيان بالضرورة اتفاقاً نهائياً على توحيد الجيش، فما زالت هناك خلافات بشأن القيادة والصلاحيات وآليات الدمج، لكن المؤكد أن الملف أصبح موضع تنافس دولي وإقليمي واضح.
ثالثاً: هل يمتد توحيد الجيش إلى توحيد مؤسسات الحكم؟
هنا تكمن القضية الأكثر أهمية.
فإذا نجحت التفاهمات العسكرية، فقد تفتح الطريق أمام إعادة ترتيب السلطة السياسية، بدءاً من مؤسسة الرئاسة، مروراً بالحكومة، وصولاً إلى البرلمان والمؤسسات السيادية.
ومن ثم فإن الدولة التي تنجح في التأثير في صياغة المؤسسة العسكرية الموحدة، وتكون لها علاقات قوية مع القيادات التي تتولى إدارتها، قد تمتلك أوراقاً مؤثرة في تشكيل النظام السياسي الليبي مستقبلاً.
ولا يعني ذلك أن تركيا حسمت هذه المعركة، أو أن توحيد الجيش سيؤدي تلقائياً إلى توحيد الرئاسة والبرلمان، لكنه احتمال استراتيجي يستحق أن تضعه القاهرة في حساباتها.
رابعاً: أين مصر من هذه التطورات؟
هنا نصل إلى جوهر القضية.
ليبيا ليست مجرد دولة مجاورة لمصر، وإنما تمثل عمقاً استراتيجياً للأمن القومي المصري، بحكم الحدود المشتركة الممتدة، والتداخل الاقتصادي والاجتماعي، وتأثير الأوضاع الأمنية والسياسية فيها على استقرار مصر.
وقد كان لمصر دور مهم في منع التصعيد العسكري في ليبيا، وحماية حدودها الغربية، ودعم استقرار شرق ليبيا في مرحلة كانت فيها المخاطر الأمنية كبيرة.
لكن التطورات الحالية تطرح تساؤلاً مشروعاً: هل أصبح الدور المصري أقل تأثيراً في صياغة مستقبل ليبيا، بينما تتحرك تركيا وفرنسا، ومعهما أطراف دولية أخرى، للمشاركة في ترتيب مؤسساتها العسكرية والسياسية؟
إن القلق هنا لا يتعلق بمجرد وجود نفوذ تركي أو فرنسي، فالعلاقات الدولية لا تقوم على احتكار دولة لدولة أخرى، وإنما يتعلق باحتمال أن تتشكل ترتيبات مستقبلية في دولة تمثل عمقاً للأمن القومي المصري، دون أن يكون لمصر التأثير الذي يتناسب مع مصالحها ومكانتها الجغرافية والسياسية.
والأكثر أهمية أن العلاقات المصرية التاريخية مع قيادة شرق ليبيا ينبغي ألا تتحول إلى رهان على طرف واحد، أو إلى افتراض أن المصالح المصرية ستظل متطابقة بالضرورة مع حسابات جميع الأطراف الليبية.
خامساً: ما الذي ينبغي أن تفعله مصر؟
أتصور أن المرحلة الجديدة تتطلب تحركاً مصرياً أكثر اتساعاً ومرونة، يقوم على عدة مسارات:
١ - الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع شرق ليبيا، مع تطوير قنوات التواصل والتفاهم المباشر مع غربها، دون أن يعني ذلك التخلي عن الثوابت المصرية أو المساواة بين المواقف المتعارضة مع أمننا القومي.
٢ - المشاركة الفاعلة في جهود توحيد الجيش الليبي، بحيث يكون جيشاً وطنياً موحداً، لا أداة لهيمنة طرف أو دولة خارجية، مع احترام إرادة الليبيين في اختيار قياداتهم ومؤسساتهم.
٣ - التحرك السياسي والدبلوماسي المبكر تجاه جميع الأطراف الليبية، حتى لا تنفرد قوى إقليمية أو دولية بصياغة الترتيبات المستقبلية.
٤ - الحفاظ على المصالح المصرية في شرق المتوسط، وعدم السماح بأن تتحول التفاهمات التركية الليبية إلى ترتيبات تنتقص من الحقوق والمصالح المصرية، مع استخدام أدوات التفاوض والقانون الدولي.
٥ - العمل مع الجزائر والدول العربية والأطراف الدولية المعنية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، من أجل تسوية ليبية تحافظ على وحدة الدولة واستقلال قرارها.
الخلاصة:
إن ما يحدث في ليبيا يتجاوز حدود التنافس التركي الفرنسي، فهو سباق على التأثير في مستقبل دولة عربية مهمة، وعلى تشكيل مؤسساتها التي ستحدد اتجاهاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية لسنوات مقبلة.
وتركيا تقدم درساً مهماً في كيفية توسيع دوائر الحركة السياسية، وعدم حصر العلاقات في طرف واحد، بينما تسعى فرنسا إلى استثمار علاقاتها العسكرية والدبلوماسية للدخول بقوة في هذا الملف.
أما مصر، فلا ينبغي أن تكتفي بمراقبة هذه التحولات أو الاكتفاء بعلاقاتها التقليدية مع شرق ليبيا، وإنما تحتاج إلى مبادرة سياسية ودبلوماسية نشطة، تستعيد بها موقعها المؤثر في تحديد مستقبل جارتها الغربية.
وليس المطلوب منافسة تركيا أو فرنسا لمجرد المنافسة، ولا الدخول في صراع نفوذ مع أي منهما، وإنما ضمان ألا تتعارض الترتيبات التي يجري إعدادها لمستقبل ليبيا مع الأمن القومي المصري والمصالح المشتركة للشعبين.
فليبيا الموحدة والمستقرة والقادرة على اتخاذ قرارها الوطني المستقل تمثل مصلحة لمصر قبل أن تكون مصلحة لأي قوة إقليمية أو دولية.
إنها رؤية للنقاش، تنطلق من الحرص على أمن مصر ومكانتها، والإيمان بأن السياسة الخارجية الناجحة لا تقاس بعدد الحلفاء، وإنما بقدرتها على حماية المصالح الوطنية في عالم تتغير فيه التحالفات وموازين القوى باستمرار.
-----------------------------
بقلم: كامل السيد






