04 - 11 - 2026

صباحيات | الديمقراطية هي الآلية الأساسية للتصحيح

صباحيات | الديمقراطية هي الآلية الأساسية للتصحيح

الانتخابات الديمقراطية هي تلك الانتخابات الني لا يمكن معرفة نتيجتها مسبقا والتي لا تمضي وفق هوى السلطة أو أي قوة من القوى المتنافسة، إنما تمضي وفق إرادة الناخبين. هذا هو الفارق الأساسي بينها وبين الانتخابات التي تديرها وتحدد نتيجتها السلطة الحاكمة. والديمقراطية تترسخ عندما تنشأ في الدولة مؤسسات لديها سلطة قانونية ومؤسسية مهمتها حماية إرادة الناخبين وفرض السيادة الشعبية التي جوهر النظام الديمقراطي، فلا يمكن لأي قوة أن تنقلب على النظام الديمقراطي. لا أن الديمقراطية هي أفضل نظام للحكم بشكل مطلق، وإنما هي أفضل نظام عرفته البشرية إلى الآن، وقد أثبتت التجارب ذلك بعيدا عما تقوله كثير من البحوث الزائفة التي تركز على عيوب تشوب الممارسة الديمقراطية للطعن في النظام ذاته والتشكيك فيه والتي تعمل لصالح قوى اليمين المعادية للديمقراطية والتي تسعى للانقلاب عليها. 

ومؤخراً، أثبتت انتخابات الكنيست في إسرائيل وانتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي صحة هذه الفرضية في نظام برلماني يركز السلطة في التشريع، وفي نظام رئاسي يركز السلطة التنفيذية في يد الرئيس، وأثبتت الانتخابات التي جرت مؤخرا في إسرائيل وفي الولايات المتحدة أن الديمقراطية هي الآلية الوحيدة لتصحيح الوضع وتغيير السياسات وأنها الآلية الأساسية للتصحيح، والأداة الأساسية لتصحيح السياسات التي تستهدف الانقلاب عليها. هل تتذكرون كيف فشلت محاولة ترامب الانقلاب على الديمقراطية الأمريكية عندما شكك في نتيجة الانتخابات التي أنهت ولايته الأولى في عام 2020، عندما حاول أنصاره اقتحام مبنى الكونجرس لمنعه من التصديق على نتيجة الانتخابات؟ اليوم أيضا، أحبطت اللجنة المركزية للانتخابات في إسرائيل محاولة بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء المنتهية ولايته التشكيك في نتائج الانتخابات بزعم وجود رشى للأحزاب العربية. 

قد يقول قائل إن استطلاعات الرأي تجعل نتيجة الانتخابات معروفة سلفاً، وهذا أمر يحتاج إلى توضيح، فاستطلاعات الرأي تعطي فقط مؤشرات لاتجاهات الناخبين وقياس درجة التأييد لسياسات الحكومة تساعدها على تصحيح السياسات التي تؤدي إلى تراجع شعبيتها، وهنا تطرح نقطة أساسية فيما يتعلق باستهانة من يحكم بتلك المؤشرات على النحو الذي أظهره الثنائي نتنياهو وترامب، اللذين أصرا على الاستمرار في السياسات ذاتها التي أدت إلى تآكل التأييد الشعبي ومن ثم جاءت ساعة الحساب يوم الانتخابات، بما يثبت من جديد أن النظام الديمقراطي هو الآلية الأساسية لتقييد سلطة الحاكم وكبح جماحه ودفعه إلى العدول عن سياساته التي تؤثر على شعبيته، ومعاقبته إذا لم يمتثل. ربما يحلم نتنياهو وترامب اللذين يعتقدان أنهما في مهمة مقدسة، وقد يتباهى نتنياهو بمهارته السياسية المشهود له بها من خصومه قبل أنصاره، وقد يطربون لسماع هتافات أنصارهم المهووسين بهما، وقد يصل بهما الغرور مدى أن يحسدوا بلدانا تمكن حكامها من الاستبداد في حكم شعوبها، وينسون في لحظة أن الديمقراطية هي السبب الرئيس في تقدم البلدان واستقرارها ونجاحها.. بالطبع، لن يروق هذا الكلام لسدنة الطغاة الذين هيمنوا على ساحة الإعلام في بلاد راهن حكامها على بقاء ترامب ونتنياهو ولن يتعلموا درس التاريخ، لأنهم يتصورون أنهم التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع.

اختتم هذا التعليق بكلمة رداً على الحجة التي تشكك في الديمقراطية في دولة احتلال، وبعيدا عن الحقيقة التاريخية التي تشير إلى أن الديمقراطية نشأت في أثينا للمواطنين وحرم منها العبيد، فإن النظام الديمقراطي يوفر فرصة حتى لضحايا هذا النظام، وأدفع هنا بما قاله فنان فلسطيني يعيش في اللد تعليقا على الانتخابات الإسرائيلية في مقال نشره في صحيفة هارتس: "لكننا فلسطينيون. لقد تعلمنا أن نختار لحظات صغيرة من الفرح وسط واقعٍ رحبٍ لم نختره".

دفعني كل هذا إلى التفكير في مفهوم "الاختيار". تبدو كلمة "اختيار" - في بعض الأحيان - أكبر بكثير من واقعنا؛ فنحن لم نحدد قواعد اللعبة، ولم ننتخب "الكنيست"، ولم نختر نظاماً سياسياً يخاطبنا من موقعٍ متعالٍ - سواء من اليمين أو من اليسار - وفي ظل ظروفٍ لم نكن نحن من اختارها أيضاً.

ومع ذلك، ففي كل مرة تحين فيها الانتخابات، يطفو السؤال ذاته على السطح: لماذا تشارك في لعبة لم تُصمَّم من أجلك؟ ولماذا تضع ورقة اقتراع في صندوق يمثل نظاماً لا يسألك يوماً، وبصدق، عن الكيفية التي تود أن تعيش بها حياتك؟

أتفهم هذا السؤال؛ بل إنه يبدو لي أحياناً أكثر الأمور منطقية في هذا العالم. ومع ذلك، فحتى في ظل غياب الخيار، يظل هناك خيار...

أتفهم هذا السؤال؛ بل إنه يبدو لي أحياناً أكثر الأمور منطقية في هذا العالم. ومع ذلك، فحتى في ظل غياب الخيار، يظل هناك خيار. لم نختر نحن ذلك السياج، لكننا اخترنا ما نسقطه عليه. لم نختر أن نكون منفصلين، لكننا اخترنا أن نبدع معاً. لم نختر أن نلتقي للمرة الأولى في سان فرانسيسكو، لكننا اخترنا تحويل تلك اللحظة إلى انتصارٍ صغير.

ربما يكون التصويت في بعض الأحيان أشبه بهذا تماماً؛ فهو ليس احتفاءً بالنظام، ولا إيماناً مفاجئاً بأن قواعد اللعبة عادلة، وليس "صورة ذاتية" (سيلفي) مع الديمقراطية. إنه ببساطة قرارٌ بانتزاع سنتيمترٍ إضافيٍّ داخل واقعٍ اختار لك بالفعل كل شيء تقريباً.

ذلك لأن الانتصار الفلسطيني، في بعض الأحيان، لا يعني هدم الجدار في يومٍ واحد؛ بل قد يعني العثور على مساحةٍ فارغةٍ عليه، وتسليط جهاز عرضٍ ضوئيٍّ تجاهها، لإجبار الجدار - ولو للحظةٍ واحدة - على حمل الصورة ذاتها التي أُنشئ أصلاً لمنع ظهورها. وأحياناً، لا يتبقى أمامك من خيارٍ سوى أن تقرر ماذا ستفعل بما لم تختره أنت".

ما قاله هذا الفنان الفلسطيني الشاب درس لكثير من الساسة تعلمته للأسف أحزاب اليمين المتطرفة واستطاعت أن تهيمن على المشهد استعدادا للانقلاب على الديمقراطية.
-----------------------------
بقلم: أشرف راضي

مقالات اخرى للكاتب

صباحيات | الديمقراطية هي الآلية الأساسية للتصحيح