04 - 11 - 2026

بعد 109 أعوام.. نكبات بلفور تتواصل بالإبادة والتهجير واتفاقيات التطبيع

بعد 109 أعوام.. نكبات بلفور تتواصل بالإبادة والتهجير واتفاقيات التطبيع

- تقرير أممي يتهم إسرائيل بالإبادة في غزة.. وجرائم حرب بالضفة الغربية
- تهجير 43 ألف فلسطيني في الضفة الغربية.. وأكثر من 74 ألف شهيد في غزة

109 أعوام مرت على وعد بلفور، الذي لم يكن قانوناً رسمياً أو معاهدة، بل رسالة سياسية قصيرة تتكون من 67 كلمة فقط، من وزير الخارجية البريطاني "آرثر جيمس بلفور" إلى أحد أبرز زعماء الحركة الصهيونية في بريطانيا اللورد ليونيل وولتر روتشيلد، في الثاني من نوفمبر 1917، لنقلها إلى الاتحاد الصهيوني لبريطانيا العظمى وإيرلندا. ونشرت في الصحافة يوم 9 نوفمبر 1917.

وحملت الرسالة وعداً لتأسيس «وطن قوميّ للشعب اليهوديّ» في فلسطين، التي كانت ولاية عثمانية، ذات أقليّة يهوديّة (حوالي 3-5% من إجماليّ السكان).

وقد نصت الرسالة: ’’تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قوميّ للشعب اليهوديّ في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر’’..

لقد تجاهلت الرسالة حقوق الشعب الفلسطيني الذي لم يمنحه الوعد أي اعتراف بحقوقه السياسية أو حقه في تقرير المصير، واكتفى بالإشارة إليهم بعبارة مهينة ومختزلة وهي "الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين".

وقد سعت بريطانيا من خلال ذلك الوعد المشؤم، لكسب تأثير ودعم الحركة الصهيونية والجالية اليهودية للمجهود الحربي البريطاني، خاصة في الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الأولى.. ورغبتها في زرع كيان موالٍ لها قرب قناة السويس وطريقها الحيوي إلى الهند، ليكون حاجزاً يخدم مصالحها الإمبريالية في الشرق الأوسط.

الجريمة البريطانية بحق الشعب الفلسطيني تم تدويلها بإدراج نص الوعد ضمن صك الانتداب البريطاني على فلسطين الذي أقرته عصبة الأمم عام 1922/1923، مما أعطاه غطاءً قانونياً دولياً مزيفاً. وشكل التصريح التمهيد للنكبة والقاعدة الأساسية التي انطلقت منها موجات الهجرة اليهودية المكثفة إلى فلسطين، وتصاعد العصابات الصهيونية، وصولاً إلى إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 وما لحقه من تهجير وتشريد لمئات الآلاف من الفلسطينيين.

وعد بلفور، تلك الجريمة التي تعد من أبشع الجرائم الاستعمارية المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، لم تكن مجرد موقف سياسي عابر، بل شكّلت الأساس الذي مهد لاغتصاب فلسطين وتهجير شعبها وإقامة الكيان الصهيوني على أنقاض حقوقه التاريخية والوطنية. وفقا لحديث مسؤول العلاقات الفلسطينية لحركة الجهاد الإسلامي في لبنان أبو سامر موسى، مع "المشهد"، والذي أكد أن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني اليوم من حرب إبادة وعدوان وتهجير وحصار لا يمكن فصله عن المشروع الاستعماري الذي دشّنه الوعد البريطاني عام 1917، معتبراً أن ما يجري في غزة والضفة الغربية والقدس هو امتداد لنهج يستهدف اقتلاع الشعب الفلسطيني وطمس هويته الوطنية وإنهاء قضيته.

** الإبراهيمية امتداد لـ "بلفور"

والملاحظ ـ والحديث لازال لأبو سامر موسى ـ أن القوى الدولية التي تتحمل المسؤولية التاريخية والسياسية عن نشأة الكيان الصهيوني، لا تزال توفر له الغطاء السياسي والعسكري والدبلوماسي وتواصل حمايته من المساءلة والمحاسبة في ظل ازدواجية فاضحة في المعايير والمواقف الدولية حيث تُنتهك القوانين والمواثيق الدولية أمام مرأى العالم دون اتخاذ إجراءات رادعة لوقف جرائم الاحتلال.

ويشير موسى، إلى أن ما يُسمى باتفاقيات السلام ومسارات التطبيع وفي مقدمتها اتفاقيات أبراهام تمثل امتداداً سياسياً للمشروع الذي دشّنه وعد بلفور، ومحاولة لإعادة إنتاج المؤامرة على فلسطين بصيغ جديدة تهدف إلى دمج الكيان الصهيوني في المنطقة وتكريس وجوده على حساب الحقوق الفلسطينية والعربية.. وتحويل الاحتلال من قضية تحرر وطني إلى واقع سياسي يُراد فرضه والتعامل معه باعتباره أمراً طبيعياً.

خطورة هذه المشاريع ـ كما يرى موسى ـ تكمن في محاولتها تجاوز القضية الفلسطينية وتهميش تضحيات شعبها وشطب حق العودة وتقرير المصير وفرض وقائع سياسية جديدة تخدم الاحتلال ومصالح القوى الداعمة له. مؤكداً أن الشعب الفلسطيني الذي واجه الانتداب والاستعمار والاحتلال لأكثر من قرن لن يقبل أن تتحول دماء شهدائه ومعاناة أسراه وجرحاه ومهجريه إلى أوراق تفاوض أو أثمان لتسويات إقليمية ودولية.

** الضفة والوضع الجسيم

تأتي الذكرى المشؤمة، والاحتلال الإسرائيلي يواصل ويُمنع في استخدام أحدث وسائل إبادة الشعب الفلسطيني، وتهجيره قسراً داخل أرضه لدفعه للهجرة خارج الأرض. وهو أمر اعترفت به تقرير للجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، والذي أكد أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تتمثل في "الإفناء والاضطهاد والتعذيب والاغتصاب وغير ذلك من أشكال العنف الجنسي"، في الأرض الفلسطينية المحتلة، مستهدفة بشكل متعمد المدنيين الفلسطينيين فيما تواصل ارتكاب إبادة جماعية في غزة".

رئيس اللجنة "سرينيفاسان مورليدهار" قال "إن تعمد قتل وإصابة المدنيين الفلسطينيين وتدمير المنازل في الضفة الغربية، مع استمرار إنكار إسرائيل للمسؤولية، يشكلون جزءا من استراتيجية أوسع للقضاء على الفلسطينيين وتهجيرهم وفرض ظروف معيشية لا يمكن تحملها.. وأن توسيع إسرائيل لسيطرتها على الأراضي في غزة يؤدي إلى استمرار القتل وإلحاق الضرر بالمدنيين الفلسطينيين الذين يقتربون من "الخط الأصفر" .

التقرير الذي أعلن عنه في 26 أكتوبر 2026، أفاد بأن الوضع في الضفة الغربية يتدهور بشكل جسيم منذ 7 أكتوبر 2023، وأن عدد القتلى بسبب الغارات الجوية قد ارتفع بصورة كبيرة. مشيراً لاستشهاد 6 بين عامي 2008 و السادس من أكتوبر 2023، ليرتفع إلى 254 شهيداً من 7 أكتوبر 2023 وحتى 30 سبتمبر 2026. كما أدت العمليات العسكرية منذ يناير 2025 وحنى أغسطس 2026، لتهجير 43 ألف و176 فلسطينياً، وهي أكبر عملية تهجير للفلسطينيين في الضفة الغربية منذ عام 1967، ولا تزال مستمرة.

ووثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" 397 هجوماً شنها مستوطنون على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة خلال الفترة بين 20 و26 أكتوبر2026، استهدفت 49 تجمعاً فلسطينياً في أنحاء الضفة الغربية، من بينها 38 هجوماً ارتبطت بموسم قطف الزيتون، أسفرت عن إصابة 57 فلسطينياً، بينهم 9 أطفال. موضحاً أن 23 منهم أصيبوا باعتداءات المستوطنين، فيما أصيب 34 آخرون برصاص واعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلي. وهي حصيلة قياسية تعد الأعلى خلال شهر واحد منذ بدء "أوتشا" رصد هذه الاعتداءات عام 2006.

كما رصدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 3133 اعتداء نفذها قوات الاحتلال والمستوطنون في الضفة الغربية خلال أكتوبر الماضي، والذي شهد 44 عملية هدم وتجريف، بخلاف قيام 6176 مستوطناً باقتحام المسجد الأقصى، و8885 تحت مسمى السياحة.

** الاتفاق لم يحم غزة

وذكر تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، أن القوات الإسرائيلية تواصل ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية في غزة حتى بعد "ما يُسمى باتفاق وقف إطلاق النار"، بهدف تدمير الفلسطينيين بشكل جزئي أو كلي.

الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ منذ العاشر من أكتوبر 2025، لم يضع حدًا للاعتداءات الإسرائيلية، كما لم ينهِ معاناة أكثر من مليوني فلسطيني أنهكتهم حرب الإبادة والدمار والنزوح، فقد كشف تقرير للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ارتكاب الاحتلال 5989 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار منذ بدء سريانه، بينها 753 خرقًا خلال شهر أكتوبر 2026 حده.

الخروقات أسفرت عن هذه الخروقات عن ارتقاء 1,593 شهيداً، وإصابة 5,748 جريحاً، كما تم تم اعتقال 217 أسيراً.

التقارير الدولية لا تكذب ولا تتجمل لصالح الاحتلال مثلما تفعل الأنظمة، فقد اتهم المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتقييد دخول الغذاء الأساسي والمستلزمات الصحية إلى قطاع غزة، فيما يسمح بإدخال السلع الثانوية كالمقرمشات والمشروبات الغازية.

وفي ذات السياق، كشف تقرير المكتب الإعلامي في غزة، أن الاحتلال لم يسمح بدخول سوى 77,657 شاحنة فقط من أصل 232,800 شاحنة مطلوبة ومُتفق عليها، بنسبة التزام متدنية وخطيرة بلغت (33.3%) فقط من الاحتياج الفعلي لقطاع غزة.

وأوضح التقرير أن عدد المسافرين عبر معبر رفح البري ذهاباً وإياباً بلغ 14,821 مسافراً فقط من أصل 40,000 مسافر كان من المفترض سفرهم (من المرضى والجرحى والحالات الإنسانية)، بنسبة التزام متدنية جداً بلغت (37%) فقط.

وحذر تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، من خطورة "الخط الأصفر" على حياة الشعب الفلسطيني، وتحول تحول خطوط الانتشار المؤقتة إلى حدود فعلية تفرض واقعًا جغرافياً جديداً، لتوسيع توسيع السيطرة على القطاع.

فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان استشهاد 331 فلسطينياً قرب الخط الأصفر حتى نهاية يوليو 2026، بينهم 66 طفلاً و27 امرأة، مشيراً إلى أن عدداً من الشهداء كانوا يمارسون أنشطة مدنية عادية، ولم تتوفر معلومات تفيد بأنهم شكلوا تهديدًا للقوات الإسرائيلية.

وتحدثت لجنة التحقيق الدولية عن توسع المساحة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية من نحو 53% من مساحة القطاع وفق التصور الأولي للاتفاق إلى ما لا يقل عن 60% بحلول الثاني سبتمبر 2026. كما أشارت إلى إنشاء قواعد عسكرية وتحصينات جديدة، وإقامة ما عُرف بالخط البرتقالي في مارس 2026، بما أضاف نطاقاً جديداً من القيود على حركة السكان.

ويصبح علينا الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، ليخبرنا المكتب الإعلامي الحكومي أن مستشفيات قطاع غزة المنهكة استقبلت 6 شهداء و27 مصاباً، لتصل حصيلة الشهداء منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر 2026، إلى 74 ألف و615 شهداء، و175 ألف و899 إصابة.

ولازالت إبادة الشعب الفلسطيني مستمرة، والتصريحات عن اتفاق وقف إطلاق النار دائمة.