ما تشير إليه هذه النتائج من سيطرة الديمقراطيين الواسعة على مجلس النواب والأغلبية المريحة في مجلس الشيوخ، تعني ان واشنطن ستكون أمام انقلاب في موازين السلطة، لا يخرج ترمب من البيت الأبيض بالضرورة وهو احتمال وارد، ولكنه يخرج من يده شيئا أثمن من المقاعد.. سهولة الحكم. فالرجل الذي كان يستطيع أن يطرق باب الكونغرس فيجد خلفه حزبا يدافع عنه، سيجد وراء الباب لجانا تحقق، ورؤساء يستدعون، ومشرعين يسألون عن كل دولار أنفق، وعن كل قرار اتخذ، وعن كل حرب بدأت من غير أن يعرف الشعب على وجه اليقين متى تنتهي. وليس أشق على رئيس اعتاد أن يفسر المعارضة باعتبارها عائقا ينبغي تجاوزه، من أن تصبح المعارضة نفسها شريكا لا غنى عنه في إدارة الدولة.
أما إيران، فهنا تبدأ الحكاية الأشد خطرا على مستقبل رئاسته. ذلك أن الحرب التي تبدأ بقرار قد لا تنتهي بقرار، وقد استطاع ترمب أن يمضي في المواجهة مستندا إلى سلطاته الرئاسية وإلى غطاء سياسي جمهوري واسع، لكن الكونغرس الجديد، إن اجتمع فيه المجلسان على معارضته، سيملك من أدوات التشريع والرقابة والتمويل ما يجعل العودة إلى حرب واسعة مع إيران امتحانا عسيرا لا يكفي لاجتيازه أن يعلن الرئيس أن الضرورة اقتضته.
وسوف تكون أول معارك الديمقراطيين، في تقديري، معركة السؤال قبل معركة المنع. من أمر بالحرب؟ وبأي تقدير استخباراتي؟ وما الأهداف التي تحققت؟ وما الذي بقي منها؟ وكم أنفقت الخزانة؟ وكم ستنفق إذا استؤنفت العمليات؟ وهل توجد استراتيجية للخروج، أم أن أمريكا دخلت نزاعا لا تعرف كيف تعلن نهايته؟ وسوف تستعيد لجان القوات المسلحة والعلاقات الخارجية والاعتمادات المالية سلطتها في استدعاء المسؤولين وطلب الوثائق ومراجعة القرارات. وقد تكون هذه التحقيقات في أثرها السياسي أشد وطأة من بعض القوانين، لأنها ستنقل الحرب من لغة البيانات العسكرية، حيث تظهر الأهداف وتختفي الأثمان، إلى لغة المحاسبة العلنية، حيث لا يكفي أن تقول الإدارة إنها انتصرت، بل ينبغي أن تبين ماذا ربحت البلاد وما الذي دفعته ثمنا لذلك الانتصار.
ثم تأتي معركة المال، وهي في رأيي قلب التحول المقبل. فالحروب الحديثة لا تستهلك الذخائر وحدها، بل تستهلك قدرة الدولة على احتمالها. والصاروخ الذي يعترض مسيرة رخيصة لا يسقط من السماء وحده، وإنما يسقط معه جزء من ميزانية عامة، ومن مخزون عسكري، ومن قدرة على مواجهة أزمة أخرى في مكان آخر من العالم. وكلما طال النزاع، صار على الرئيس أن يطلب اعتمادات جديدة أو أن يعيد توزيع موارد قائمة، وأن يشرح لماذا ينبغي أن تنفق أمريكا المزيد في حرب يتساءل ناخبوها عما إذا كانت قد جعلتهم أكثر أمنا أو أقل قدرة على احتمال تكاليف الحياة.
وهنا يستطيع الديمقراطيون، إذا أحسنوا استخدام أغلبيتهم، أن يضيقوا الطريق إلى التصعيد من غير أن يملكوا بالضرورة إغلاقه إغلاقا مطلقا. يستطيعون رفض تمويل إضافي لعمليات هجومية، والسعي إلى تقييد استخدام اعتمادات محددة، وربط التمويل بتقارير وشروط ورقابة، وفرض معارك تشريعية حول صلاحيات الحرب. لكن الرئيس سيظل محتفظا بسلطات دستورية، وبالقدرة على الاعتراض على القوانين، وبإمكان الاستناد إلى اعتمادات قائمة في حدود القانون. ولذلك لن تكون الحرب مستحيلة، وإنما قد تصبح حربا يصعب تمويل توسعها، ويصعب تبرير استمرارها، ويزداد ثمنها السياسي مع كل يوم يمضي.
وهذا هو الفارق بين أن تمنع الرئيس من اتخاذ قرار، وأن تجعل اتخاذه مكلفا إلى الحد الذي يعيد معه النظر فيه. فقد لا يستطيع الديمقراطيون أن ينتزعوا من ترمب سلطة القيادة العسكرية، لكنهم يستطيعون أن ينتزعوا منه الاطمئنان إلى أن الكونغرس سيوافق على كل ما يطلبه. وقد لا يستطيعون أن يفرضوا عليه المصالحة مع طهران، لكنهم يستطيعون أن يجعلوا العودة إلى القصف الواسع أقل جاذبية من البحث عن تسوية.
غير أن من الخطأ أن نفترض أن الديمقراطيين سيصبحون حزبا متسامحا مع إيران لمجرد أنهم يعارضون حرب ترامب. ففي الحزب تيارات تختلف في موقفها من طهران، ومن أمن إسرائيل، ومن العقوبات، ومن البرنامج النووي الإيراني، ومن مستقبل النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. وقد يجتمع كثير منهم على رفض الحرب المفتوحة، من غير أن يجتمعوا على رفع العقوبات أو تقديم تنازلات استراتيجية لإيران. بل لعل السياسة المقبلة ستكون أشد تعقيدا.. ضغط اقتصادي ودبلوماسي على طهران، يقابله ضغط تشريعي على البيت الأبيض حتى لا تتحول سياسة الاحتواء إلى حرب لا تنتهي.
والأهم أن الديمقراطيين سيدخلون هذه المعركة وهم يعرفون أن انتصارهم الانتخابي، إن ثبت بهذا الاتساع، لم يمنحهم تفويضا مفتوحا لتعطيل الدولة، وإنما حمل إليهم مطالب مجتمع ضاق بارتفاع الأسعار وبكلفة المغامرات الخارجية وبالتنازع المستمر على حدود السلطة. وسيكون عليهم أن يثبتوا أن استعادة الكونغرس ليست مجرد استعادة للمقاعد، بل استعادة لفكرة المحاسبة نفسها. فليس الناخب الذي يطالب بخفض كلفة المعيشة مستعدا بالضرورة لأن يستبدل بحرب خارجية أزمة مالية داخلية، ولا أن يرى حكومته تتعطل لأن الحزبين عجزا عن الاتفاق على ما ينبغي أن تدفعه البلاد وما ينبغي أن تمتنع عن دفعه.
وقد يجد ترامب نفسه أمام مفارقة لم يحسب لها حسابا.. أن القوة التي كانت تمكنه من التهديد بإشعال الحرب تصبح سببا في إضعاف قدرته على التفاوض. فالخصم الخارجي سيراقب انقسام واشنطن، والحلفاء سيسألون عن قدرة الرئيس على الوفاء بتعهداته، والمؤسسة العسكرية ستحتاج إلى وضوح في التمويل والأهداف، فيما ينظر الناخب الأمريكي إلى فاتورة النزاع ويسأل عن نصيبه من الأمن الذي وعدوه به. وهكذا قد يصبح الرئيس قويا في خطابه، لكنه أضعف في قدرته على تحويل الخطاب إلى سياسة مستدامة.
وفي نهاية المطاف، قد يكون الدرس الأكبر لهذه الانتخابات أن الأمريكيين ذهبوا إلى الصناديق ليغيروا أسماء الجالسين في القاعات ويذكروا من يسكن البيت الأبيض بأن البيت ليس ملكا له، وأن الأمة التي تمنح الرئيس حق القيادة لم تتنازل له عن حق السؤال.
فإذا كان ترمب قد أراد أن يجعل من القوة لغة أمريكا الأولى، فإن الكونغرس الديمقراطي قد يذكره بأن للقوة لغة أخرى اسمها المسؤولية، وأن الحرب التي تستطيع الدولة أن تبدأها ليست بالضرورة حربا تستطيع أن تحتملها.
-----------------------------
بقلم: محمد معوض
*نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك






