03 - 11 - 2026

صعود فلسطينيي الداخل يحيي حل الدولة الواحدة ويتحدى تصورات اليمين الإسرائيلي للحل

صعود فلسطينيي الداخل يحيي حل الدولة الواحدة ويتحدى تصورات اليمين الإسرائيلي للحل

أحيا حصول القائمتين العربيتين على 19 مقعداً من مقاعد الكنيست البالغة 120 مقعداً، في الانتخابات الأخيرة، حل الدولة الديمقراطية الواحدة الذي طرحته منظمة التحرير الفلسطينية في نهاية الستينات كبديل لشعار إنهاء الوجود الاستعماري، بإقامة دولة ديمقراطية واحدة على كامل تراب فلسطين التاريخية. والتزمت القيادة الفلسطينية بهذا الحل حتى عام 1974، حين تخلت عنه لصالح البرنامج المرحلي، "برنامج النقاط العشر"، الذي أقرّه المجلس الوطني الفلسطيني. وأعطت الاحتجاجات التي نظمها تيارات من اليسار وفلسطينيي الداخل في تل أبيب والقدس وحيفا ومدن أخرى، لمطالبة أحزاب المعارضة الإسرائيلية بتشكيل حكومة "شراكة يهودية-عربية"، لإنهاء سيطرة بنيامين نتنياهو على السلطة، دفعة لهذا التصور لحل المشكلة الفلسطينية ووضع نهاية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني والبدء في مسار جديد لبناء دولة ديمقراطية يتمتع مواطنوها جميعا بحقوق متساوية بغض النظر عن الدين أو القومية.

التطور الجديد في هذه الانتخابات والمتمثل في اقبال فلسطينيي الداخل على التصويت في هذه الانتخابات بأعداد كبيرة، ضاعفت تمثيل القوائم العربية في الكنيست من عشرة مقاعد في الكنيست السابقة إلى 19 مقعداً، مما زاد من ثقلهم السياسي  بعد عقود من مقاطعة الانتخابات والتهميش السياسي، أعطى قوة دفع جديدة للسياسة، على الرغم من الخوف كان في رأي البعض هو الدافع الرئيسي لهذا التحول، الخوف من فقدان ما تبقى، والخوف مما قد يحمله المستقبل، والخوف من أن يؤدي الامتناع عن التصويت إلى جعل الفلسطينيين أكثر عرضة للخطر، إلا أن قرارهم المشاركة كان وسيلتهم الأساسية لقهر هذا الخوف رغم انعدام ثقتهم في الوقت نفسه بأن التصويت لن يغير النظام الإسرائيلي القائم على التفوق اليهودي والعنصرية ونظام الفصل العنصري، وقتل الفلسطينيين في قطاع غزة، ومواصلة سياسة التطهير العرقي في الضفة الغربية المحتلة، وترك فلسطيني الداخل عرضة للعنف المسلح، لكن النتائج كشفت عن قدرات كامنة لتغيير الوضع.

على الرغم من أن ردود الفعل الأولية، تشير إلى أن شيئاً لم يتغير على الساحة السياسية الداخلية التي أعيد تشكيلها على نحو قلص كثيراً من نفوذ أحزاب اليسار الإسرائيلية والأحزاب والجماعات التي كانت ترى المستقبل في التعايش العربي اليهودي والتي استفادت من تأجيج مشاعر الكراهية للشعب الفلسطيني لدى غالبية جمهور الناخبين في الوسط اليهودي، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر 2023، والحرب على غزة، إلا أن النتائج التي ترتبت على إقبال فلسطينيي الداخل على التصويت، تشير إلى أن الجديد الذي سيترتب على هذه الخطوة يتجاوز مسألة تشكيل الحكومة وتحسين شروط حياة فلسطينيي الداخل، إلى فتح الباب لمسارات جديدة لحل المشكلة الفلسطينية، رغم شعور الفلسطينيين في الداخل أنهم ليسوا جزءاً من جمهور الناخبين الذي يدعي السياسيون أنهم يمثلون إرادته، وهو ما يتجلى في موقف معظم الأحزاب التي تنتمي إلى "كتلة التغيير"، إذ ترفض الاعتماد على القائمتين العربيتين في الكنيست، باستثناء حزب الديمقراطيين الحاصل على ثمانية مقاعد.

مقاومة التهميش والتصفية

 في رسالة تضمنها مقال لنغم زبيدات في جريدة "هارتس" في اليوم التالي للانتخابات، موجهة لجمهور الناخبين في الوسط اليهودي، أكدت أن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل قاموا بدورهم وأقبلوا على التصويت بأعداد هائلة، وأن الدور الآن على جمهور الناخبين لجعل سلامة الفلسطينيين وكرامتهم جزءاً من ذلك المستقبل، وأن الدفاع عن إسرائيل ديمقراطية يتطلب منهم النضال من أجل الدفاع حرية الفلسطينيين ومستقبلهم، ليس فقط في الداخل وإنما في الضفة الغربية وفي قطاع غزة. 

وفي تحليل كتبه ألوف بن في الصحيفة ذاتها، وفي اليوم التالي للانتخابات أيضاً، قال محذراً من أن الفرصة التي منحها الفلسطينيون في الداخل والإسرائيليون في الخارج الذي قدموا للإدلاء بأصواتهم لن تتكرر، وطالب جادي آيزنكوت بإقناع شركائه بقبول قيادته، وبناء إطار للتعاون مع الأحزاب العربية، وتشكيل حكومة، وقال إن الإسرائيليين أظهروا بإقبالهم على التصويت، ولاءً لافتاً للنظام الديمقراطي، وإنهم تحركوا لإنقاذ البلاد من حكومة السابع من أكتوبر، وإحباط مخططاتها الرامية إلى إدامة الحرب في الخارج وحملة التدمير في الداخل، لتحويل إسرائيل إلى دكتاتورية قائمة على نظام الفصل العنصري. وأشار بشكل خاص للمواطنين العرب، الذين شاركوا في التصويت بمعدلات قياسية للإطاحة بالحكومة التي أساءت معاملتهم، وتركت حياتهم عرضة لعصابات القتل، وقمعت حقهم في التعبير عن أنفسهم، وقال إن الناخبين العرب مضوا خطوة على الطريق الطويل لإنهاء التمييز ضدهم من خلال المشاركة. كذلك الإسرائيليين الذين قدموا بأعداد كبيرة من الخارج للتصويت.

وأحبطت المجموعتان معا خطة نتنياهو والتيار اليميني المتشددين من أبناء مئير كاهانا الذي يعمل على التضييق على اليهود العلمانيين والليبراليين المناوئين ويسعون بجد لترحيل فلسطينيي غزة، كمقدمة لترحيل الفلسطينيين من الضفة الغربية وفلسطينيي الداخل عبر سياسات الترويع والإبادة، ويرفضون التعايش. في هذا السياق يمكن فهم المظاهرات الحاشدة المناهضة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، التي دعت إلى "الشراكة والمساواة" كوسيلة لتغيير الحكومة، والمطالبة بتشكيل حكومة شراكة "يهودية-عربية"، وهي دعوة قد تبدو غير واقعية في ظل الخريطة السياسية الراهنة، التي تسيطر عليها أحزاب صهيونية يمينية ترفض الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وغياب سياسيين يمتلكون الشجاعة اللازمة لتغيير الوضع الراهن. لقد رسم المتظاهرون مسار الصراع الراهن وأن الخيار بات الآن بين الشراكة والديمقراطية، أو التخلي عن الديمقراطية، وأن إنقاذ الديمقراطية يتطلب نضال اليهود المتطلعين لمستقبل ديمقراطي لإسرائيل ضد الخطاب المعادي للعرب الذي يتصاعد على منصات التواصل الاجتماعي والتحريض ضدهم من قبل أطراف في اليمين الإسرائيلي، وترويع السياسيين ضد فكرة التحالف مع الأحزاب العربية في أي حكومة جديدة، ناهيك عن مشاركتهم.

قد يكون من الصعب في ظل هذا الوضع التفكير في حل للمشكلة الفلسطينية يقوم على فكرة الدولة الواحدة الديمقراطية، فلا تزال الفجوة بين التطلعات الفلسطينية وبين التصورات الإسرائيلية للمستقبل كبيرة، كذلك، فإن الانقسامات في المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني تحد من فرصة استئناف العملية السياسية، لكن استئناف هذه العملية يعتمد بدرجة كبيرة على تغير الوضع السياسي داخل إسرائيل على نحو جذري، وأن الحضور العربي في الكنيست والذي لا يمكن تجاهله من أجل الإطاحة بنتنياهو وشركائه وتعزيز الديمقراطية في إسرائيل، يجعل هذه الإمكانية قائمة. وأحد النتائج الأساسية للحضور الفلسطيني في الساحة السياسية الإسرائيلية هي تحدي "حل الدولة الواحدة" وفق التصور الذي يطرحه اليمين الصهيوني منذ منتصف العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين، لكنها لا تفتح الباب أمام شراكة يهودية-عربية، تمهد لتعايش يمهد لحل سياسي أبعد مدى في المدى القريب، إذ لا تزال هناك مشكلات في مقدمتها الانقسامات العميقة، التي كشفتها الانتخابات بكل حدتها، لكنها تمنح، في الوقت نفسه، المعسكر المعارض فرصة لمساعي إصلاح الأضرار التي تسبب فيها نتنياهو، والمتمثلة في إنهاء الحرب على كافة الجبهات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ووضع حد للإرهاب اليهودي، وإحياء عملية السلام. لكن هذه الفرصة تتطلب مرونة وإبداعاً في تشكيل الحكومة المقبلة.

الوضع على الساحة الفلسطينية أكثر تعقيداً، ليس فقط بسبب الضعف الشديد للسلطة الفلسطينية في رام الله، والأزمة التي تواجهها حكومة حماس التي تواجه حربا لتصفيتها سياسيا وعسكريا في قطاع غزة، وإنما أيضاً بسبب انقسامات فرضها مسار الصراع مع إسرائيل وتطوره، والذي أفرز ثلاث مجموعات رئيسية للفلسطينيين، فهناك فلسطينيو الداخل، الذين تتاح لهم الآن فرصة الدفاع عن حقوق الفلسطينيين والدفع بمطالب المجموعتين الأخريين، وهما فلسطينيو الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، والفلسطينيين في مخيمات اللاجئين وفي الشتات. هناك تفاوت في مطالب الجماعات الفلسطينية الثلاث، ففلسطينيو الداخل يناضلون من أجل حقوق سياسية متساوية ويسعون إلى نمط من التعايش السلمي مع اليهود، بينما يسعى فلسطينيو الأراضي المحتلة إلى حل ينهي الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة ويؤسس لقيام دولة فلسطينية، بينما يتطلع اللاجئون والفلسطينيون في الشتات إلى حل يمكنهم من استرداد هويتهم السياسية حتى يتمكنوا من ممارسة حقهم في العودة إلى بلدهم الذي يوفر لهم الحماية والاعتراف، وقد لا تضمن صيغة التسوية مع الجماعتين الأخريين تحقيق هذا المطلب، ورغم الالتزام القومي للفلسطينيين فيما يتعلق بالطموح إلى إقامة دولة ذات سيادة ومستقلة وإلى تحقيق لم شمل كل مكونات شعبهم، فمن غير المتصور إمكانية تحقيق ذلك من خلال صيغة حل الدولتين المقترحة، إذا قدر لها أن تتحقق.

إن المكسب الأساسي الذي حققه فلسطينيو الداخل هو تحدي سياسة نتنياهو وحلفائه من أحزاب اليمين التي تستهدف تهميشهم وعزلهم، والتي حققت قدرا من النجاح في انتخابات عام 2022، والتي دفعت فيها إسرائيل ككل ثمنا باهظاً، تمثل في سعي معسكر اليمين الديني والقومي المتطرف الانقلاب على صيغة الحكم وترتيباته من خلال الانتخابات كآلية لإدارة سلمية للانقسامات الداخلية القائمة منذ تأسيس الدولة، والتي أضيفت لها أبعاد أخرى اجتماعية وعرقية مع استكمال عملية بناء هذه الدولة ودعمها بما تحتاجه من موارد بشرية، والتي كشفت الانتخابات الأخيرة مدى تجذر هذه الانقسامات ومدى حدتها، وبينت مدى القلق الذي تشعر به النخبة على مستقبل الدولة إذا نجح نتنياهو وحلفه في الانقلاب على الديمقراطية والمؤسسات الداعمة لها، لاسيما في القضاء والمؤسسات الأمنية. 

الدولة الواحدة كأفق تاريخي لحل الصراع

يمكن النظر إلى حل الدولة الواحدة الديمقراطية المؤسسة على فكرة المواطنة، باعتباره أفقا تاريخيا لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، المستعصي على أي حلول في المدى المنظور، يفتح الباب للمضي قدما في سلسلة من الترتيبات التي تؤدي إلى تغيير الوضع الراهن بما يحسن من شروط الصمود الفلسطيني على الأرض في كل الجبهات، ويلجم عدوانية الحكومة الإسرائيلية وربما أي حكومة قادمة، والمدعومة أمريكياُ. ومن الواضح أننا في الأيام القليلة القادمة سنشهد سباقاً بين حكومة نتنياهو وبين كتلة التغيير لتغيير الوضع الراهن. من ناحية، من الواضح أن حكومة نتنياهو تراهن على تصعيد في الحرب على إيران يمنحه أوراقا للمساومة في استمرار هيمنته على المشهد السياسي الإسرائيلي في صيغة حكومة وحدة تضم حزب الليكود وأحزاب من معسكر التغيير برئاسته، أو أن يكون شريكاً فيها يصعب التضحية به. وسعى نتنياهو إلى التصعيد قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي والتي تجعل وضعه أكثر صعوبة إذا سيطر الديمقراطيون على الكونجرس وأثروا على هامش الحرية الذي يتمتع به الرئيس الجمهوري دونالد ترامب حليفه الرئيسي في تلك الحرب. في ظل هذا الوضع سيكون لانتخابات الكونجرس تأثير كبير على سيناريوهات تشكيل الحكومة في إسرائيل.

من ناحية أخرى، تسعى "كتلة التغيير"، بزعامة آيزنكوت إلى السيطرة على الكنيست من خلال الإطاحة برئيسه الحالي أمير روحانا المنتمي لليكود، والسيطرة على لجانه على نحو يحد من قدرة نتنياهو على المناورة، ويضعف فرصه في تشكيل حكومة، ويضمن هذا التكتيك لآيزنكوت دعم القائمتين العربيتين ويمكن التوصل إلى تفاهمات لا تشكل ضغطا عليه في مفاوضات تشكيل حكومة أقلية تحظى بدعم النواب العرب في المدى القصير، على أمل الذهاب إلى انتخابات جديدة مبكرة تمكنه من تحسين فرصه، لكن هذا أمر مستبعد في ظل الانقسامات المشار إليه، كما أنها مخاطرة محفوفة بمخاطر كبيرة في ظل الوضع الإقليمي والأمني الراهن وما يطرحه من تحديات. وقد يكون البديل الأفضل بعد ترتيب الوضع في الكنيست المضي قدما في تشكيل حكومة موسعة من خلال التفاهم مع القائمتين العربيتين اللتين تمنحانه أغلبية مريحة في الكنيست أو التفاهم على الأقل مع القائمة المشتركة التي تسيطر على 11 مقعداً وتأمين مقاعد إضافية من خلال دعم أحد الأحزاب الصغيرة الأخرى. من شأن هذا الترتيب أن يؤجل حسم أي من القضايا الأساسية، لكنه سيسمح بتغيير الوضع الراهن والتهدئة على الجبهات المفتوحة في الشرق الأوسط، وإصلاح الأوضاع الداخلية والخارجية التي تضررت بشدة بسبب سياسات نتنياهو وحكومته اليمينية المتشددة.

من غير المتوقع في ظل هذا الترتيب، إحراز تقدم على صعيد حل المشكلة الفلسطينية، أو الحد من سياسات الاستيطان والمواجهة في غزة، لكن من المتوقع أن تؤدي هذه الحكومة إلى تهدئة في حدة المواجهة، كما أنها ستعزز من حضور فلسطينيي الداخل في التأثير على القرارات الإسرائيلية التي لا تمس القضايا الأمنية المباشرة، لكن فتح الباب لصيغة من التعاون الفلسطيني اليهودي في الداخل والعدول عن السياسات العنصرية للحكومة السابقة ستشجع التعايش وتطوير برامج مشتركة يهودية عربية تعمل من أجل الديمقراطية والحلول السياسية للمشكلات والقضايا. في هذا الصدد يمكن لطرح حل الدولة الواحدة كأفق تاريخي للتغلب على تآكل حل الدولتين، يساعد على اكتشاف حلول عملية تساعد على تغيير الوضع الراهن المأزوم فلسطينيا وإسرائيلياً. إذا تحقق هذا التصور فإن المشاركة الفلسطينية في الانتخابات تكشف عن إمكانيات تشجع على مشاركة أكبر في الانتخابات المقبلة، كما أن المدافعين عن مستقبل ديمقراطي لإسرائيل أدركوا أهمية الوجود الفلسطيني وضرورته لتعزيز تلك الديمقراطية التي تواجه تحديا كبيراً.
----------------------------
بقلم: أشرف راضي


مقالات اخرى للكاتب

صعود فلسطينيي الداخل يحيي حل الدولة الواحدة ويتحدى تصورات اليمين الإسرائيلي للحل