03 - 11 - 2026

خرافة الخمسين عامًا ودرس الكومبوندات: كيف تبنى الدول في عقد من الزمان؟

خرافة الخمسين عامًا ودرس الكومبوندات: كيف تبنى الدول في عقد من الزمان؟

تخرج علينا بين الحين والآخر تصريحات مسكونة بنبرة الحكمة الزائفة، تُلقي بلائمة العجز على حركة التاريخ، ومُدعيةً براحة ضمير غريبة أن بناء الدول وتحقيق النهضة الاقتصادية أمور تتطلب انتظار نصف قرن أو قرنا كاملاً من الزمان ليرى المواطن ثمارها! وهي نغمة مريحة جدًا لأي مسؤول يريد أن يرحل عن كرسيه قبل أن يحاسبه أحد على وعوده ، مجيبًا المطالبين بالعيش الكريم: "انتظروا أحفادكم ، فالنهضة تحتاج إلى صبر أيوب وقرن من الزمان!".

غير أن قراءة متأنية في سجل التاريخ الحديث تكشف هشاشة هذه المقولات الركيكة؛ إذ تُثبت الشواهد والتجارب الإنسانية أن القفزات الوطنية الكبرى لا تحتاج عقودًا ممتدة ولا ضياع أجيال بأكملها في طاحونة الفقر، بل تتشكل حقيقةً في مدة لا تتجاوز اثني عشر إلى خمسة عشر عامًا متى ما توفرت الإرادة السياسية الواعية، ووُضعت الأولويات في نصابها الصحيح.

كوريا الجنوبية : شفا الإفلاس الذي تحول إلى قمة التكنولوجيا

في عام 1997، كانت كوريا الجنوبية على شفا الإفلاس التام إثر الأزمة المالية الآسيوية الكارثية، مع انهيار الشركات العائلية الكبرى وانخفاض الاحتياطي النقدي إلى مستويات مرعبة، واضطرار الدولة للاقتراض الباهظ بقيمة 58 مليار دولار من صندوق النقد الدولي. 

لم يخرج المسؤول الكوري ليخبر الشعب بأن التنمية تحتاج خمسين عامًا، بل نفذت الدولة إصلاحات هيكلية صارمة شملت حوكمة الشركات، وتطهير القطاع المصرفي، وتمرير قوانين عادلة، فضلاً عن ملحمة شعبية تبرع فيها المواطنون بذهبهم الخاص لدعم الخزانة الوطنية.

والنتيجة؟ أتمت كوريا سداد كامل ديونها لصندوق النقد عام 2001 قبل موعدها بسنوات، وقزح احتياطي النقد الأجنبي ليتجاوز 200 مليار دولار، لتتحول خلال أقل من عقد ونصف إلى واحدة من أكبر عشر قوى اقتصادية في العالم، تقود صناعات التكنولوجيا والسيارات، دون أن تطلب من مواطنيها الجوع لقرن من الزمان.

رواندا: البعث من رماد الإبادة الإنسانية

خرجت رواندا عام 1994 من أهوال إبادة جماعية دموية حصدت أرواح ثمانمائة ألف إنسان في عدة أشهر، وتدمرت البنية التحتية ومؤسسات الدولة بالكامل وصارت البلاد مجرد جثة هامدة. لم تستسلم القيادة لحجج الموازنات ولم تتعلل بخراب الديار، بل ركزت على المصالحة الوطنية وتطبيق مبدأ "الصفر تسامح" مع الفساد، واستحداث عقود الأداء العلنية للمسؤولين، وإلغاء المعاملات النقدية والروتين الإداري عبر المنصات الرقمية.

خلال اثني عشر عامًا فقط، حققت رواندا متوسط نمو سنوي تجاوز 7%، وانخفضت معدلات الفقر بشكل حاد، لتتحول من ساحة مذابح وجثث إلى النموذج الإفريقي الأبرز في الانضباط الإداري، والشفافية، وسهولة الأعمال، في درس قاسي لكل من يتذرع بقلة الحيلة.

البرازيل: قهر التضخم وسداد الديون المبكر

كانت البرازيل تعاني من تضخم مفرط كارثي تجاوز آلاف المئات سنوياً، مع ديون خارجية ضخمة وشلل اقتصادي يهدد بانهيار المجتمع. 

أطلقت الدولة خطة "الريال" للضبط النقدي والمالي عام 1994، وأكملتها ببرامج اجتماعية دقيقة لدعم القدرة الشرائية للفقراء وتنشيط الصادرات وحوكمة الإنفاق.

وخطة"الريال" هي حزمة إصلاحات اقتصادية شاملة أطلقتها الحكومة البرازيلية في عهد الرئيس إيتامار فرانكو، وبقيادة وزير المالية آنذاك (والرئيس فيما بعد) فرناندو هنريكي كاردوسو. 

وهدفت الخطة بشكل أساسي إلى كبح التضخم المفرط الذي عانت منه البرازيل لعقود وأوصل معدلات التضخم إلى مستويات فلكية تجاوزت آلاف المرات.

وبدلاً من الجدال العقيم، سددت البرازيل بالكامل جميع ديونها لصندوق النقد الدولي عام 2005 قبل موعدها المقرر، وتحولت بحلول عام 2008 إلى دولة دائنة صافية واقتصاد عالمي صاعد يشار إليه بالبنان ضمن مجموعة "البريكس".

سنغافورة : جزيرة بلا موارد تقهر المستحيل

انفصلت سنغافورة عام 1965 كجزيرة صغيرة بلا أي موارد طبيعية، حتى إنها كانت تستورد ماء الشرب! كانت تعاني من بطالة مستشرية، وأزمات سكنية وأمنية، وشلل تام. اعتمدت القيادة على سياسة الجدارة المطلقة، ورفع أجور المسؤولين لمواجهة الفساد مع تأسيس مكتب صارم ومستقل للتحقيق في الممارسات الفاسدة، وفتح الباب واسعًا للاستثمار الحقيقي في البشر للبنية التحتية.

خلال اثني عشر عامًا، حققت سنغافورة التوظيف الكامل لشعبها، وبنت احتياطيات مالية ضخمة وتحولت إلى المركز المالي واللوجستي الأهم في آسيا والعالم بأسره، دون أن تمتلك برميل نفط واحد أو مناجم ذهب.

معجزة ألمانيا واليابان وهولندا: النهوض من وسط الركام

ولنا في تاريخ الحرب العالمية الثانية عبرة؛ فألمانيا الغربية واليابان اللتان دُمرتا بالكامل تحت وطأة القصف والدمار الشامل عام 1945، لم تحتاجا إلا لسنوات معدودة؛ حيث تحولت ألمانيا إلى القوة الصناعية الأولى في أوروبا خلال عقد ونيف عبر إصلاحات السوق الحر، بينما قفزت اليابان لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم بحلول السبعينيات بفضل تقديس الإنتاج والجودة.

وحتى هولندا، التي كانت تعاني في شتاء عام 1944 من مجاعة طاحنة أودت بحياة الآلاف تحت الاحتلال النازي، وكانت أرضًا طينية مستنقعية مهددة بالغرق، صنعت رؤية قائمة على الشراكة بين الحكومة والجامعات والتكنولوجيا الزراعية المتقدمة، والنتيجة أن هذه الدولة ذات المساحة الصغيرة أصبحت ثاني أكبر مصدر للمنتجات الغذائية في العالم بأسره بعد الولايات المتحدة!

ثمار النهضة الحقيقية مقابل "دولة الكومبوندات"

إن الملمح الجوهري الذي يفصل بين التنمية الحقيقية وبين الشكليات الاستعراضية يكمن في مدى انعكاس هذه الإنجازات على واقع الشارع والحياة اليومية للمواطن العادي. 

فالنهضة الشاملة ليست أرقامًا صماء في النشرات الرسمية، ولا تُقاس بالقصور والمشاريع المعزولة؛ إنها واقع حي يلمسه المواطن في جودة تعليم أبنائه، وكفاءة مستشفياته، وقدرته الشرائية، وانخفاض معدلات البطالة، وشعوره بالأمان الاقتصادي لمستقبله، وحين تشعر الجماهير بأن جهود الدولة تُترجم مباشرة إلى تحسن في معيشتها ، تتحول الطاقة المجتمعية من الإحباط إلى الشغف والبناء.

في المقابل، تتجلى المأساة الحقيقية عندما تنكفئ السياسات التنموية على مشاريع خاصة ومناطق مغلقة، تمارس فيها فئة محدودة فعل الترفيه والنهضة الذاتية بعيدًا عن أوجاع الشارع. إن نشوء "دولة الكومبوندات" والجزر المنعزلة يكرس واقعًا مريراً يرى فيه أغلب الشعب أنفسهم يركضون في سباق المحموم يوميًا لمجرد توفير القوت الضروري، وسط ضغوط متزايدة وغياب تام للخدمات الأساسية. 

وهذا الانفصال التام بين النخب المنعزلة وبين أوجاع الناس يخلق بيئة مشحونة بالإحباط والتذمر، مما يجهض أي محاولة لبناء التماسك الوطني.

إن التاريخ لا يرحم المحاولات الالتفافية، والحديث عن انتظار نصف قرن لقطف ثمار الإصلاح ليس إلا محاولة للهروب من استحقاقات الحاضر وشماعة لترقيع الأولويات الفاشلة. 

وتجارب الشعوب الشجاعة التي نهضت من الركام خلال سنين معدودة تثبت أن النهضة الحقيقية هي التي تبدأ من الإنسان ذاته، ومن تلبية احتياجات المواطن العادي ، لا من خلال بناء أسوار عالية تفصل بين أحلام فئة محظوظة ومعاناة أغلبية مطحونة بحثًا عن أمل غائب.
-----------------------------------
بقلم: محمد عبد الشكور

مقالات اخرى للكاتب

خرافة الخمسين عامًا ودرس الكومبوندات: كيف تبنى الدول في عقد من الزمان؟