02 - 11 - 2026

التكلفة والعائد الاقتصادي للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس .. قراءة في تقرير منتدى النقل الدولي

التكلفة والعائد الاقتصادي للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس .. قراءة في تقرير منتدى النقل الدولي

- الحل يكمن في إصلاح الإدارة ورفع كفاءة الأصول التي جرى الاستثمار فيها

على مدار سنوات، وضعت الحكومة المصرية تطوير الموانئ والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس في قلب خططها لجذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز موقع مصر في التجارة الدولية. وتوسعت في إنشاء الأرصفة والمحطات وتطوير الطرق والسكك الحديدية والأنفاق وربط الموانئ بالمناطق الصناعية واللوجستية باعتبارها استثمارات ستدعم النمو والإنتاج والتشغيل وتوفير النقد الأجنبي لكن تقييم هذه السياسة لا يتوقف عند حجم الإنشاءات أو حركة السفن وإنما يرتبط بما تضيفه هذه الاستثمارات إلى الاقتصاد المحلي مقارنة بتكلفتها والموارد التي استهلكتها والبدائل التي كان يمكن توجيه هذه الموارد إليها. وهذا ما يطرحه تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنتدى النقل الدولي الصادر في يوليو 2026 بشأن موانئ المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. يرصد التقرير 6 موانئ هي شرق بورسعيد وغرب بورسعيد والعريش والسخنة والأدبية والطور ويكشف عن توسع كبير في حركة البضائع والحاويات لكنه يرصد أيضا محدودية الروابط الاقتصادية المحلية في بعض الأنشطة واستمرار مشكلات التشغيل والاتصال والأداء البيئي.

تكلفة وعائد البنية التحتية  

تعاملت الموانئ المصرية خلال عام 2024 مع نحو 208 ملايين طن من البضائع. واستحوذت الموانئ الستة التابعة للمنطقة الاقتصادية على نحو 80.3 مليون طن بما يعادل قرابة 39% من إجمالي البضائع المتداولة بالموانئ المصرية. كما تعاملت مع 4.96 مليون حاوية نمطية تمثل نحو 57% من إجمالي تداول الحاويات واستقبلت 4249 سفينة.

الميناء
البضائع بالمليون طن
الحاويات بالمليون
عدد السفن
شرق بورسعيد
44.0
3.64
1571
السخنة
20.4
0.91
729
الأدبية
6.7
0.13
369
العريش
4.3
غير متاح
509
غرب بورسعيد
3.6
0.27
1071
الطور
حجم هامشي
غير متاح
غير متاح
الإجمالي
80.3
4.96
4249


وتوضح المقارنة بالجدول السابق أن شرق بورسعيد وحده تعامل مع أكثر من نصف البضائع المتداولة في الموانئ الستة، كما ارتفع حجم التداول فيه بنسبة 78% بين عامي 2018 و2024 مقابل 89% في ميناء السخنة، لكن نمو حركة الموانئ لا يعني بالضرورة نمو الإنتاج المحلي أو زيادة الصادرات وفرص العمل فحجم البضائع المتداولة لا يعبر وحده عن القيمة المضافة التي تعود إلى الاقتصاد المصري. وهنا تكمن المشكلة في نموذج يركز على توسيع البنية التحتية وجذب حركة التجارة دون ضمان انتقال أثرها إلى الصناعة والإنتاج المحلي.

إعادة الشحن لا تضمن عائدا  

تقدم بيانات شرق بورسعيد مثالا واضحا على طبيعة النشاط الذي يقوم عليه جانب كبير من حركة الموانئ، فمن إجمالي 3.64 مليون حاوية تداولها الميناء عام 2024 كانت نحو 3.3 مليون حاوية مخصصة لإعادة الشحن بما يمثل 91% من الإجمالي مقابل نحو 340 ألف حاوية مرتبطة مباشرة بالاستيراد والتصدير.

المؤشر
مليون حاوية
النسبة
إجمالي التداول
3.64
100%
إعادة الشحن
3.30
91%
الاستيراد والتصدير المباشر
0.34
9%


يعني ذلك أن معظم نشاط الميناء يرتبط بنقل الحاويات من سفينة إلى أخرى دون ان تدخل تلك البضائع السوق المصرية أو تخرج منها. ويحقق هذا النشاط يحقق إيرادات من خدمات الميناء والمناولة لكنه لا ينتج تلقائيا  قيمة مضافة محلية تتناسب مع حجم الحركة المسجلة، وتتصل هذه المسألة بسياسات التسعير التي تمنح نشاط إعادة الشحن مزايا وتخفيضات في رسوم الموانئ فالقرار الوزاري رقم 488 لسنة 2015 يقرر تخفيضا بنسبة 20% على رسوم الإرشاد والموانئ لبعض السفن العاملة في إعادة الشحن، وفي المقابل يطرح التقرير احتمالية أن يأتي دعم هذا النشاط أحيانا على حساب الشاحنين المحليين إذا جرى تمويل المزايا الممنوحة له بصورة غير مباشرة من خلال تحميل الأنشطة الأخرى تكاليف أعلى، ليبرز سؤال جوهري حول أولويات السياسة الحكومية وهو لماذا تمنح الدولة حوافز لنشاط تعتمد قيمته الأساسية على مرور البضائع وإعادة نقلها بينما لا يرتبط بالضرورة بتوسيع الإنتاج المحلي أو زيادة الصادرات المصرية؟ وما حجم العائد الذي يعود إلى الاقتصاد مقارنة بما تتحمله الدولة من تكلفة البنية التحتية والحوافز والتسهيلات؟ ولا يعني المقصود بالسؤال التخلي عن نشاط إعادة الشحن وإنما زيادة العائد المحلي منه من خلال تطوير الخدمات البحرية والصناعات المرتبطة بالموانئ والخدمات الهندسية واللوجستية والأنشطة الصناعية ذات القيمة المضافة. فالمشكلة ليست في استقبال الحاويات وإنما في أن تظل حركة الحاويات منفصلة عن الإنتاج والتشغيل والتصدير المحلي.

التوسع لا يعالج مشكلات التشغيل

تزداد أهمية هذه المسألة عند مقارنة حجم الاستثمارات والتوسعات بأداء الموانئ في عدد من المؤشرات التشغيلية. فالتوسع في الأرصفة والمحطات والمعدات لم ينه مشكلات زمن الإفراج عن البضائع أو يقلص فترة بقائها داخل الموانئ، حيثبلغ متوسط بقاء الواردات في الموانئ المصرية نحو 15 يوما خلال عام 2024 مقابل أقل من خمسة أيام في الإمارات وقبرص والسعودية. كما بلغ متوسط بقاء الصادرات نحو سبعة أيام، وتوضح هذه المؤشرات أن تكلفة التجارة لا تتحدد فقط برسوم الميناء وإنما تتأثر أيضا بالوقت الذي تظل فيه البضائع معطلة وما يرتبط به من تكاليف تخزين وغرامات وتأخير وتعطيل لرأس المال.

مؤشر التشغيل
مصر
المقارنة
بقاء الواردات
15 يوما
أقل من 5 أيام في الإمارات وقبرص   والسعودية
بقاء الصادرات
7 أيام
—
بقاء السفن في بورسعيد
0.9 يوم
المتوسط العالمي يوم واحد
بقاء السفن في الأدبية
4 أيام
—


وتظهر المقارنة تفاوتا بين أداء الموانئ نفسها. فزمن بقاء السفن في بورسعيد يقل عن المتوسط العالمي بينما يصل في الأدبية إلى أربعة أيام. كما تقل إنتاجية الأراضي في مينائي شرق بورسعيد والسخنة عن مستويات عدد من الموانئ المقارنة، هذه النتائج تضع السياسة الحكومية أمام تناقض واضح، فالدولة تتوسع في الإنفاق على إنشاء وتطوير البنية التحتية وتستهدف زيادة الطاقة الاستيعابية للموانئ بينما تظل كفاءة استخدام الأصول القائمة دون المستوى المطلوب في عدد من المؤشرات وبذلك لا تصبح المشكلة في نقص المنشآت فقط وإنما في طريقة إدارتها وتشغيلها وربطها بمنظومة النقل والتخليص والتداول.

وتتضمن المعالجة المقترحة تطوير نظام رقمي موحد لإدارة مجتمع الموانئ يربط الجمارك وشركات الشحن ومشغلي المحطات والجهات الحكومية ومقدمي الخدمات اللوجستية، هذا إلى جانب أتمتة بوابات الموانئ وتحسين تبادل البيانات وتنسيق مواعيد وصول السفن وهي إجراءات توضح أن جزءا من العائد الممكن تحقيقه لا يحتاج بالضرورة إلى إنشاءات جديدة بقدر ما يحتاج إلى إصلاح الإدارة ورفع كفاءة الأصول التي جرى الاستثمار فيها بالفعل.

مليارات الجنيهات وسؤال الأولويات

لاتقتصر تكلفة تطوير المنطقة الاقتصادية على الموانئ ذاتها، فقد بلغت الاستثمارات التراكمية التي ضختها مصر في قطاع النقل منذ عام 2016 نحو 143 مليار جنيه بهدف تحسين الربط بين الموانئ وشبكات الطرق والسكك الحديدية والنقل النهري. وشملت هذه الاستثمارات إنشاء وتطوير شبكات الطرق والسكك الحديدية والأنفاق التي تربط ضفتي قناة السويس وشبه جزيرة سيناء ببقية أنحاء البلاد وهذه الاستثمارات لا تخدم حركة البضائع العابرة وحدها، فمن المفترض أن تتيح للمناطق الصناعية الوصول إلى الموانئ وأن تخفض تكاليف نقل الخامات والمنتجات وأن توسع قدرة الشركات المصرية على التصدير، لكن تحقيق هذه النتائج يتطلب وجود قاعدة إنتاجية قادرة على استخدام هذه الشبكات والاستفادة منها، وهنا تظهر الفرصة البديلة التي لا يجوز تجاهلها فكل موارد مالية توجه إلى مشروع بنية تحتية يجب أن تقاس بما كان يمكن تحقيقه لو وجهت إلى تطوير الصناعة المحلية أو تحديث السكك الحديدية القائمة أو تحسين خدمات النقل العام أو دعم المرافق الأساسية في المناطق الصناعية، ولا تقدم الدراسة مقارنة مالية بين هذه البدائل ولا تحسب العائد الصافي لكل مشروع لكنها تتيح طرح سؤال كفاءة تخصيص الموارد.

فإذا كانت الموانئ تعاني بطء الإفراج عن البضائع وضعف الربط المباشر مع عدد من الأسواق وتراجع بعض مؤشرات الإنتاجية فإن زيادة الطاقة الاستيعابية وحدها لن تضمن زيادة العائد. كما أن إنشاء شبكات نقل واسعة دون تكاملها مع احتياجات الصناعة والتجارة المحلية قد يحول جزءا من الإنفاق إلى أصول مرتفعة التكلفة لا تستخدم بكامل طاقتها الاقتصادية ، والأكثر أهمية أن مؤشر الاتصال البحري لمصر شهد تراجعا منذ عام 2006 فقد انخفض مؤشر الاتصال البحري في الرحلات بعيدة المدى من 90% عام 2006 إلى 78% عام 2024 وهنا تبرز أهمية إضافة خطوط مباشرة مع دول مثل البرازيل وبولندا وتايلاند وإندونيسيا لرفع مستوى الاتصال البحري المصري وهو ما يوضح أن امتلاك الميناء وموقعه الجغرافي لا يكفيان وحدهما لضمان الاندماج في شبكات التجارة الدولية.

هشاشة الاعتماد على حركة العبور

أظهرت اضطرابات البحر الأحمر منذ نهاية عام 2023 مخاطر الاعتماد على حركة الملاحة الدولية كمصدر رئيسي للعائد، فقد تراجع متوسط عبور السفن لقناة السويس من نحو 80 سفينة يوميا إلى قرابة 40 سفينة وانخفضت إيرادات القناة خلال عام 2024 بنحو 60% لتصل إلى قرابة أربعة مليارات دولار، وفي المقابل ارتفعت حركة السفن المتجهة إلى طريق رأس الرجاء الصالح بنسبة 130% بين بداية نوفمبر 2023 ونهاية فبراير 2024 ، وتكشف هذه التطورات أن جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي يظل معرضاً لعوامل خارجية لا تملك الدولة السيطرة عليها، كما تؤكد ضرورة تنويع مصادر العائد من خلال الصناعة والخدمات البحرية والإصلاح والصيانة والتخزين والتصنيع المرتبط بالموانئ بدلا من الاعتماد المفرط على رسوم العبور وإعادة الشحن.

الفرص والمخاطر الجيوسياسية

تظهر مخاطر هذا النموذج أكثر عند النظر إلى تأثير التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر على حركة الملاحة عبر قناة السويس ,فقد تراجعت أعداد السفن العابرة للقناة من متوسط يقارب 80 سفينة يوميا إلى نحو 40 سفينة بعد اضطرابات نهاية عام 2023 كما انخفضت إيرادات القناة خلال عام 2024 بنحو 60% لتصل إلى قرابة أربعة مليارات دولار وفقا للأرقام الواردة في الدراسة، وتكشف هذه التطورات أن الاعتماد على موقع مصر في خطوط التجارة الدولية كمصدر رئيسي للعائد يضع جزءا مهما من النشاط الاقتصادي تحت تأثير عوامل خارجية لا تملك الدولة السيطرة عليها، فالتوترات الأمنية وتحويل مسارات السفن حول رأس الرجاء الصالح يمكن أن يقلصا حركة العبور ويؤثرا على إيرادات القناة والموانئ والخدمات المرتبطة بها، وقد ارتفعت حركة السفن التي اتجهت إلى طريق رأس الرجاء الصالح بنسبة 130% بين بداية نوفمبر 2023 ونهاية فبراير 2024 وبذلك لم تكن الخسائر مرتبطة فقط بتراجع مؤقت في حركة السفن وإنما أظهرت قابلية خطوط التجارة لإعادة ترتيب مساراتها عندما تتعرض لمخاطر أمنية أو تشغيلية.

وهذا يفرض إعادة النظر في تصور المنطقة الاقتصادية باعتبارها مشروعا يعتمد على الموقع الجغرافي وحركة العبور وحدهما. فالاستثمار في الصناعة والخدمات البحرية والإصلاح والصيانة والتخزين والتصنيع المرتبط بالموانئ يمكن أن يخلق مصادر دخل أكثر تنوعا ويقلل الاعتماد على رسوم التداول وإعادة الشحن، أما استمرار التركيز على زيادة القدرة الاستيعابية دون بناء روابط إنتاجية أوسع فيترك العائد عرضة للتقلبات الخارجية.

الهيدروجين الأخضر وكلفة المخاطر

يقدم الوقود البحري منخفض الكربون فرصة جديدة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فالموقع الجغرافي وقرب الموانئ من خطوط الملاحة الدولية وإمكانات الطاقة الشمسية والرياح يمكن أن تتيح لمصر تطوير نشاط إنتاج وتخزين وتزويد السفن بالوقود الأخضر، لكن هذا المسار لا يزال محاط بمخاطر تمويلية وتجارية وتكنولوجية وبيئية، حيث ان إنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته يتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة في مصادر الطاقة المتجددة وخزانات التخزين وشبكات النقل والتوزيع، كما أن الطلب العالمي على هذه الأنواع من الوقود لم يستقر بعد وأن تكلفة الوقود الأخضر لا تزال مرتفعة مقارنة بالوقود التقليدي.

ومنذ عام 2022، شهدت مصر توقيع 30 مذكرة تفاهم مرتبطة بمشروعات الهيدروجين الأخضر وكان منها 14 مشروعا نشطا وقت إعداد التقرير و12 مذكرة تحولت إلى اتفاقيات إطارية، كما شهد ميناء شرق بورسعيد في أغسطس 2023 تجربة لتزويد سفينة بنحو 500 طن من الميثانول الأخضر، هذه الخطوات تعكس وجود اهتمام استثماري وتجارب أولية لكنها لا تعني أن المنطقة أصبحت بالفعل مركز منتج ومورد للوقود الأخضر على نطاق تجاري، فالفارق كبير بين الإعلان عن مشروعات واتفاقيات وبين تأمين التمويل وتنفيذ المنشآت وتوفير الطاقة المتجددة وضمان وجود مشترين قادرين على الالتزام بعقود شراء طويلة الأجل،وومن جانب اخر تواجه هذه المشروعات منافسة إقليمية مع السعودية وعمان والإمارات إلى جانب مخاطر تغير السياسات وتأخر التنفيذ وعدم وضوح الطلب العالمي، كما أن السفن العاملة بالوقود البديل لا تزال تمثل نسبة محدودة من الأسطول العالمي وأن التحول إلى أنواع الوقود الجديدة يتطلب تعديلات في السفن والموانئ وأنظمة التخزين والتداول والسلامة.

وبالتالي، فإن التعامل مع الاستثمارات المعلنة باعتبارها عائد تحقق بالفعل يخلط بين الفرصة الاقتصادية والنتيجة الفعلية. كما أن توجيه موارد عامة إلى بنية تحتية متخصصة قبل اتضاح حجم الطلب والأسعار والقدرة التنافسية قد يضيف أعباء جديدة إذا لم تتحول المشروعات إلى نشاط تجاري مستدام.

التحول الأخضر يبدأ من معالجة القصور القائم

لا ينفصل الحديث عن الوقود الأخضر عن الوضع البيئي للموانئ نفسها فهناك محدودية و صعوبة للوصول الي البيانات المنشورة عن الأداء البيئي للموانئ التابعة للمنطقة الاقتصادية كما لم يحصل أي من الموانئ الستة على شهادة ISO 14001 وفقا للمعلومات التي راجعها التقرير - هذه الشهادة هي معيار دولي لنظم الإدارة البيئية وتمنح للمنشآت التي تطبق نظاما منظما لمتابعة الآثار البيئية لأنشطتها والحد من التلوث وإدارة المخلفات ومراقبة الانبعاثات وترشيد استخدام الطاقة والمياه والالتزام بالاشتراطات البيئية - كما لا تمتلك الموانئ حتى الآن منظومة مكتملة لتزويد السفن بالكهرباء من البر أثناء الرسو بينما تحتاج إدارة مخلفات السفن والرقابة البيئية إلى تطوير، ولا تستقبل موانئ المنطقة سوى المخلفات الصلبة غير الخطرة رغم وجود بعض التجهيزات الثابتة أو المتنقلة لاستقبال المخلفات في عدد منها، كذلك لا تتوافر معلومات  كافية عن حجم العمالة التي تلقت تدريبا بيئيا أو طبيعة البرامج المنفذة.

وتعكس هذه المؤشرات ترتيبا غير متوازن للأولويات، فبينما تتحدث الخطط عن تحويل المنطقة إلى مركز إقليمي للوقود الأخضر لا تزال متطلبات الإدارة البيئية والرقابة على المخلفات وقياس الانبعاثات ونشر البيانات بحاجة إلى استكمال، فالتحول الأخضر لا يتحقق بإعلان مشروعات الهيدروجين وحدها وإنما يحتاج إلى معايير تشغيل ومراقبة وشفافية وقدرة على قياس الأثر البيئي الفعلي.

العائد المحلي هو المعيار  

ويستعرض التقرير ايضا صورة مركبة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فهناك توسع واضح في حركة البضائع والحاويات وهناك موانئ أصبحت ذات وزن كبير في التجارة البحرية الدولية، لكن نسبة كبيرة من نشاط شرق بورسعيد تعتمد على إعادة الشحن التي لا تضمن وحدها قيمة مضافة محلية، كما أن بعض مؤشرات التشغيل والإنتاجية والاتصال البحري لا تعكس مستوى التوسع في البنية التحتية وتظل المنطقة معرضة لتقلبات حركة الملاحة والتوترات الجيوسياسية بينما لا تزال مشروعات الوقود الأخضر تواجه تحديات التمويل والطلب والتنفيذ.

والمشكلة أن السياسة الحكومية تعاملت مع بناء البنية التحتية باعتباره دليلا على التقدم الاقتصادي في حد ذاته، بينما توضح اللبيانات  أن وجود الميناء وتوسعه لا يضمنان أن تتحول حركة التجارة إلى إنتاج محلي أو صادرات أو وظائف مستقرة أو خدمات ذات قيمة مضافة، كما أن زيادة الطاقة الاستيعابية لا تعالج وحدها ضعف الإدارة أو بطء الإفراج عن البضائع أو محدودية الاتصال المباشر بالأسواق ولا تقدم البيانات ايضا حسابا شاملا لتكلفة إنشاء وتطوير الموانئ الستة، ولا تحدد العائد المالي الصافي لكل مشروع ولذلك لا يمكن استخلاص رقم نهائي يقارن إجمالي الإنفاق بالعائد المتحقق، لكن غياب هذا التقييم المالي  يفتح ملفا ضروريا يتعلق بمدى شفافية الإنفاق العام وضرورة ربط تكلفة كل مشروع بما حققه فعليا من إيرادات وفرص عمل وصادرات وقيمة مضافة محلية، وتحتاج الحكومة الي الانتقال من سياسة تقيس النجاح بحجم الإنشاءات والطاقة الاستيعابية إلى سياسة تقيسه بما تضيفه هذه الأصول إلى الاقتصاد والمجتمع و يترجم ذلك بنشر التكلفة الاستثمارية والتشغيلية لكل ميناء ومحطة ومشروع ربط ونشر الإيرادات الفعلية وحجم الدعم والحوافز الممنوحة للمشغلين ومقارنة ذلك بحجم البضائع المصرية والصادرات وفرص العمل التي تولدت عن هذه الاستثمارات.

كما يتطلب إعادة توجيه الحوافز بحيث تخدم الصادرات والإنتاج المحلي وتضمن ألا يتحمل المستوردون والمصدرون المصريون تكلفة دعم أنشطة إعادة الشحن، ويتطلب إعطاء الأولوية لرفع كفاءة الموانئ القائمة وتحسين الربط بالسكك الحديدية والطرق وتطوير الخدمات البحرية والصناعات المرتبطة بها قبل التوسع في مشروعات جديدة لا تتوافر بشأنها مؤشرات كافية على الطلب والعائد، فالموارد العامة محدودة والديون والالتزامات المالية لا تختفي بمجرد تحويلها إلى أرصفة وطرق ومحطات. وكل مشروع بنية تحتية يجب أن يخضع للمقارنة مع البدائل التي تنافسه على الموارد نفسها وما لم يتحول الموقع الجغرافي وحركة التجارة والاستثمارات إلى قاعدة إنتاجية محلية قادرة على التصدير وتوفير فرص العمل وزيادة الدخول فإن جزءا من العائد سيظل خارج الاقتصاد المصري بينما تبقى تكاليف البنية التحتية والتشغيل والصيانة والتمويل داخل حساباته.

توصيات لإعادة توجيه سياسة تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس

تقتضي معالجة الاختلالات التي تظهرها المؤشرات إعادة النظر في أولويات الاستثمار وإدارة الموانئ وربطها بالاقتصاد المحلي من خلال مجموعة من الإجراءات الأساسية.

  1. إخضاع مشروعات البنية التحتية لتقييم اقتصادي معلن يتضمن التكلفة الاستثمارية وتكاليف التشغيل والصيانة والتمويل والإيرادات الفعلية ومعدلات الاستخدام والعائد الاقتصادي والاجتماعي مع نشر تقييم دوري لكل ميناء ومحطة ومشروع نقل بما يسمح بمقارنة الإنفاق العام بالنتائج المتحققة.
  2. إعادة توجيه الحوافز الممنوحة لنشاط إعادة الشحن وربطها بمؤشرات واضحة للعائد المحلي مع مراجعة أثر تخفيضات الرسوم على إيرادات الموانئ وتكاليف المصدرين والمستوردين المصريين وضمان عدم تحميل الأنشطة المحلية تكلفة دعم حركة الحاويات العابرة.
  3. ربط الموانئ بالقاعدة الإنتاجية المحلية من خلال توجيه الاستثمارات إلى الصناعات والخدمات المرتبطة بالنقل البحري والتخزين والصيانة والإصلاح والهندسة والخدمات اللوجستية      وإعطاء الأولوية للمشروعات التي تستخدم مدخلات محلية وتوفر فرص عمل مستقرة وتزيد الصادرات المصرية.
  4. تقديم رفع كفاءة الموانئ القائمة على التوسع في إنشاء طاقات جديدة من خلال تقليص زمن الإفراج عن الواردات والصادرات وتطوير نظم التشغيل والرقمنة وتوحيد قواعد تبادل البيانات بين الجهات الحكومية ومشغلي المحطات وشركات الشحن والجمارك.
  5. إعادة تقييم أولويات الإنفاق على شبكات النقل على أساس احتياجات الصناعة والتجارة المحلية وليس فقط خدمة حركة العبور مع نشر دراسات الجدوى ومقارنة البدائل الاستثمارية وتوجيه الموارد إلى تطوير السكك الحديدية القائمة وتحسين نقل البضائع وربط المناطق الصناعية بالموانئ.
  6. تنويع مصادر العائد وتقليل الاعتماد على حركة العبور وإعادة الشحن من خلال بناء أنشطة اقتصادية مرتبطة بالموانئ تستطيع الاستمرار في تحقيق قيمة مضافة حتى مع تراجع حركة الملاحة الدولية أو تغير مسارات التجارة بسبب الأزمات الجيوسياسية.
  7. إخضاع مشروعات الوقود الأخضر لاختبارات جدوى وتمويل وطلب واضحة قبل ضخ موارد عامة إضافية فيها مع التمييز بين مذكرات التفاهم والاتفاقيات الإطارية والمشروعات التي وصلت إلى التنفيذ والإنتاج التجاري والتأكد من وجود مشترين وعقود توريد تضمن استدامة النشاط.
  8. استكمال متطلبات الرقابة البيئية في الموانئ من خلال نشر بيانات الانبعاثات والمخلفات واستهلاك الطاقة وتطبيق نظم الإدارة البيئية وتطوير مرافق استقبال ومعالجة مخلفات السفن وتوفير الكهرباء من البر أثناء الرسو وفق خطة زمنية معلنة.
  9. إدراج العمالة ضمن تقييم العائد من الاستثمارات عبر نشر بيانات أعداد العاملين وطبيعة التعاقدات والأجوروالتدريب والسلامة والصحة المهنية ومدى استقرار فرص العمل التي توفرها المشروعات والمشغلون داخل المنطقة الاقتصادية.
    -----------------------------------------
    بقلم: حسن البربري


مقالات اخرى للكاتب

التكلفة والعائد الاقتصادي للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس .. قراءة في تقرير منتدى النقل الدولي