02 - 11 - 2026

كلام | عام على افتتاح المتحف الكبير

كلام | عام على افتتاح المتحف الكبير

في منظر مهيب يجمع عظمة الماضي مع روعة الحاضر، يقف المتحف المصري الكبير شاهدا على الإرادة المصرية. وخلف هذه التحفة المعمارية التي تلامس سفح الأهرامات الخالدة، تكتمل رؤية الرجل الذى آمن بأن آثار الحضارة لا تحفظ في المخازن، أو تترك ليد الإهمال، بل تخلد في الصروح الشامخة. إنه فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق، الذي لم يكن مسؤولا عن المشروع فحسب، بل كان صاحب الفكرة وصاحب الحلم والساعى الأكبر لتحقيقه.

من نهاية تسعينيات القرن الماضي، لم يعد المتحف المصري بالتحرير قادرا على استيعاب روائع الآثار المصرية. كانت كنوز الملك توت عنخ آمون العظيمة معبأة في صناديق بالمخازن، وكانت مساحات العرض تقف عاجزة أمام القليل من هذا الإرث الحضاري الهائل. وقتها أدرك وزير الثقافة فاروق حسني أن الحل يكمن في الانطلاق نحو عالم جديد يليق بمصر وآثارها العظيمة، فجاءت فكرته الجريئة بإنشاء "متحف القرن الحادي والعشرين"، ذلك الصرح العظيم الذي يمثل اليوم منارة ثقافية تبهر العالم.

قبل افتتاح المتحف الكبير جمعنى لقاء مع الفنان فاروق حسني، حكى لى قصة المتحف منذ أن كان فكرة لمعت في عقله وتوهجت حتى أشعلت حماسه ليتبناها ويبذل كل طاقته ليراها حقيقة واقعة. كنت ألمس في نبرات صوته شعورا عميقا بالزهو والفخر والرضا وهو يروى التفاصيل. وكنت أدعو الله أن يمتعه بالصحة ليشهد افتتاح هذا الصرح الذي سخر له جهد السنين. ومن خلال حديثه، تبين جليا أنه لم يترك شيئا للصدفة، فهو من اختار الموقع الاستراتيجي الفريد عند بوابة الهضبة الأثرية بالجيزة، لتكون رسالته واضحة: أن المتحف امتداد بصري وحضاري لأعظم آثار العالم، ويشكل مع الأهرامات لوحة واحدة تروي قصة مصر من البداية.

ولم يكن الطموح المصري يقف عاجزا أمام التحديات المالية، فبثقافته الواسعة وشبكة علاقاته الدولية، تحول فاروق حسني إلى دبلوماسي من الطراز الأول. انطلق يجوب قارات العالم، ليعود بدعم وتمويل من أكبر الدول وأعرق المؤسسات العالمية: اليابان، الولايات المتحدة، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا، وبريطانيا.

كان إيمان فاروق الفنان بمشروع مصر القومي راسخا، لدرجة أن حوله من مجرد فكرة لإنشاء مبنى إلى قضية عالمية تكاتف الجميع لإنجاحها بفخر، وتوجت بأكبر مسابقة معمارية دولية في عام ٢٠٠٢، ليخرج للعالم التصميم الهندسي المذهل الذي يجسد في شكله الهرمي أشعة الشمس المصرية، في حوار بصري ساحر مع الأهرامات الخالدة.

اليوم، ونحن نحتفل بمرور عام على الافتتاح المهيب لأكبر صرح حضاري عرفته الإنسانية، بات لزاما علينا أن نذكر الأجيال الجديدة بأن الأحلام العظيمة تحققها إرادة الرجال، أمثال فاروق حسني الذي لم يكن وزيرا عاديا، بل كان فنانا، ودبلوماسيا، ورجل دولة تحدى الصعاب والانتقادات، وسخر كل إمكاناته ليرى هذا الحلم حقيقة واقعة، فكان له ما أراد ولنا ما تمنينا.

ونحن نحتفل بمرور عام على افتتاح هذا الصرح العظيم، لا يجب أبدا أن ننسى كل فرد أسهم -ولو بالقليل- في خروج هذه التحفة إلى النور.

تحية إجلال وتقدير للفنان الوزير فاروق حسني، الرجل الذي رأى المستقبل ببصيرة، حيث لم ير الآخرون فى آثار أجدادنا سوى الحجارة.
---------------------------------------
بقلم: أحمد بكير

مقالات اخرى للكاتب

كلام | وسط البلد