02 - 11 - 2026

أحمد شفيق "الحكيم" الذي رفض لقب طبيب.. وقصة حب جمعته بأول جراحة مصرية رحلت قبل أيام

أحمد شفيق


من شبين الكوم إلى ترشيح نوبل.. كيف أسس عبقري الجراحة المصرية إمبراطورية للغلابة اسمها "شفيق جروب"؟

في 10 مايو 1933، وُلد طفل في شبين الكوم بالمنوفية، كان الأصغر بين 4 أشقاء وشقيقة، لم يكن أحد يتخيل أن هذا الطفل سيصبح أول مصري ترشحه الأكاديمية السويدية لنوبل في الجراحة، وسيُختار الأول على 500 عالم مسلم من منظمة "الكوميستا" الإسلامية إنه الجراح العالمي الدكتور أحمد شفيق، الأول على دفعته في قصر العيني 1957، صاحب الجملة الشهيرة التي كان يصر عليها وسط زملائه: "أنا حكيم امتياز.. مش طبيب امتياز"، لأنه كان يرى الطب حكمة وإنسانية قبل أن يكون مشرطاً وغُرزاً، والذي نحتفى اليوم بمرور 19عاما على رحيله.


نظريات شفيق
لم يكن أحمد شفيق مجرد جراح ماهر يمسك المشرط، بل كان عالماً فذاً فك شفرات لم يفهمها العالم قبله. هو أول من شرح فسيولوجيا عمل العضلات العاصرة في جسم الإنسان ونظريات التحكم في التبول والتبرز، ووضع أكثر من 30 نظرية طبية مسجلة باسمه في كبرى المراجع العالمية مثل "نظرية شفيق للتبول" و"نظرية شفيق للتحكم في القولون".

ألف 15 كتاباً طبياً تُدرس حتى اليوم في جامعات أوروبا وأمريكا، ونشر أكثر من 1000 بحث علمي دولي، وكان الطبيب المصري الوحيد الذي يُستدعى كل عام لإلقاء "محاضرة الشرف" في مؤتمر الجراحين الأمريكيين في شيكاغو. ورغم كل هذا المجد العالمي، كان يصر أن يجري عملياته مجاناً كل ثلاثاء في مستشفى قصر العيني القديم ويقول للطلبة: "الفقير هو أستاذنا الحقيقي".


أسباب مجهولة
ورغم أنه رُشح لنوبل وألف 15 كتاباً، إلا أن الدكتور شفيق فاجأ الجميع في أحد لقاءاته التلفزيونية بجملة لا يجرؤ على قولها إلا عالم واثق، عندما قال: "حتى الآن 99% من الأمراض لا يُعرف سببها الحقيقي". 

كان يريد أن يعلم تلاميذه التواضع، وأن الطب ليس غروراً بالمشرط، بل هو رحلة بحث دائمة عن الحكمة، لذلك كان يصر أن ينادوه "الحكيم" وليس "الطبيب".


وراء كل عبقري.. عبقرية
لم يكن وحده..كان وراءه عبقرية أخرى، تكشف سر هذا البيت العبقري. زوجته لم تكن سيدة عادية.. إنها الدكتورة ألفت عيسى السباعي، أول جراحة مصرية وعربية في التاريخ.

القصة بدأت وهي طفلة 11 سنة، عندما دخلت غرفة العمليات لإجراء الزائدة الدودية على يد قريبها الجراح الكبير إسماعيل السباعي، فانبهرت وقررت أن تكون جراحة، في وقت كان يقال لها "إنتي مجنونة.. الجراحة للرجال فقط".

كافحت حتى أصبحت أول سيدة مصرية تحصل على دكتوراه الجراحة العامة من قصر العيني، وأول سيدة في تاريخ الجامعات المصرية كلها ترأس قسم الجراحة العامة، وكان ذلك في جامعة المنوفية عام 1996 وظلت تقوده 8 سنوات على رأس 50 رجلاً ما بين أساتذة وهيئة معاونة، وابتكرت طريقة جراحية مسجلة باسمها عالمياً لعلاج "سقوط الشرج" دون فتح البطن.

أكثر من 400 بحث منشور عالمياً، واختيرت ضمن أفضل 6 علماء في العالم الإسلامي في الجراحة.

المفارقة المؤثرة أن الدكتورة ألفت رحلت عن عالمنا منذ أيام قليلة فقط، في 25 أكتوبر 2026، ونعتها جامعة المنوفية ونقابة الأطباء كرائدة من رائدات الطب، لترحل وتلحق بزوجها بعد 19 عاماً من الفراق، وكأن القدر أراد أن يجمعهما في نفس التوقيت.

أنجبا جراحين يكملان المسيرة: الدكتور علي شفيق، والدكتور إسماعيل شفيق.


إمبراطورية الغلابة

في 1977، أسس أحمد شفيق مؤسسته الخيرية "مؤسسة أحمد شفيق للعلوم" التي عرفها العالم باسم "شفيق جروب"، وفتح عيادات مجانية في الأحياء الشعبية الفقيرة لعلاج غير القادرين، وكرمه الرئيس السادات بوسام الدولة للعلوم والفنون.


الرحيل في العيد"زي النهاردة" 

في 1 نوفمبر 2007، أول أيام إجازة عيد الفطر في قرية مارينا بالساحل الشمالي، أصيب بأزمة قلبية ونُقل إلى مستشفى جورج بومبيدو الجامعي في باريس، وهناك فاضت روحه عن 74 عاماً.

شُيعت جنازته من مسجد عمر مكرم، تقدمها مندوب عن الرئيس مبارك، ودُفن في مسقط رأسه بالمنوفية، كما أوصى.رحل الحكيم وبقيت حكمته، ورحلت أول جراحة مصرية وبقي مشرطها يعلّم الأجيال أن الطب ليس مهنة للرجال فقط، بل هو حكمة.. كما كان يقول زوجها.