- إدارة المخاطر المتعددة وحماية الأمن القومي في ظل الضغوط الاقتصادية والتغيرات الجيوسياسية
لم تعد التحديات التي تواجه الأمن القومي المصري محصورة في جبهة واحدة، أو في تهديد عسكري مباشر يمكن التعامل معه بأدوات تقليدية، وإنما أصبحت مصر محاطة بمجموعة من بؤر التوتر والصراعات الإقليمية، التي تتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية، وتتغير فيها التحالفات والمواقف، بما يفرض على صانع القرار المصري إدارة معقدة للأمن القومي، تتطلب الجمع بين الردع العسكري والحنكة السياسية والدبلوماسية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تستطيع مصر، في ظل هذه التحديات المتزامنة، أن تحافظ على أمنها القومي دون الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تجعل تكلفة الحرب عبئاً إضافياً على الدولة والمجتمع؟
هذا السؤال ليس افتراضياً، وإنما يرتبط بتطورات فعلية على حدود مصر وفي محيطها الاستراتيجي، ويمكن تناولها من خلال المحاور التالية:
أولاً: الجبهة الغربية.. ليبيا وتغير حسابات القوى
تمثل ليبيا إحدى أهم دوائر الأمن القومي المصري، ليس فقط بسبب الحدود البرية المشتركة الممتدة لأكثر من ألف كيلومتر، وإنما أيضاً بسبب موقعها الاستراتيجي في شرق البحر المتوسط.
وتكمن خطورة التطورات الأخيرة في التحولات التي طرأت على مواقف القوى السياسية والعسكرية في شرق ليبيا، وعلى رأسها المشير خليفة حفتر وأبناؤه ومجلس النواب في طبرق.
فقد وافق مجلس النواب الليبي في 20 أكتوبر 2026 على الاتفاق البحري الموقع بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية عام 2019، بعد أن كان قد رفضه في السابق، وألغى قراراته السابقة التي كانت ترفض الاتفاق وتدعو إلى قطع العلاقات السياسية مع أنقرة.
وهذا التحول ليس مجرد إجراء قانوني، بل يعكس إعادة ترتيب للمصالح والتحالفات في شرق ليبيا، ويطرح تساؤلات مهمة حول مستقبل العلاقات المصرية الليبية، وحدود التنسيق بين القاهرة والقوى التي كانت تقف معها في المعسكر الشرقي.
وتكمن خطورة الاتفاق في انعكاساته المحتملة على ترسيم المناطق البحرية وحقوق التنقيب عن الغاز والنفط في شرق المتوسط، فضلاً عن تعارضه مع المصالح البحرية التي تتمسك بها مصر واليونان وقبرص.
لكن القراءة الموضوعية تقتضي عدم التعامل مع هذا التطور باعتباره انتقالاً فورياً لشرق ليبيا إلى معسكر معادٍ لمصر؛ فالمصالح الليبية متعددة، وهناك علاقات اقتصادية وأمنية وجغرافية عميقة تربط البلدين.
ومن المهم هنا أن تتحرك القاهرة عبر القنوات السياسية والأمنية والاقتصادية، وأن تستخدم علاقاتها التاريخية مع الأطراف الليبية للحيلولة دون تحول الخلاف البحري إلى أزمة أمنية على الحدود المشتركة.
ثانياً: الجبهة الجنوبية.. السودان ووحدة الدولة ومخاطر تفككها
السودان ليس مجرد دولة مجاورة لمصر، وإنما يمثل عمقاً استراتيجياً وجغرافياً وأمنياً، وترتبط استقراره مباشرة بأمن الحدود الجنوبية وبأمن البحر الأحمر وبقضية مياه النيل.
وتكمن الخطورة في استمرار الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وما تفرضه من احتمالات تفكك مؤسسات الدولة، واتساع نفوذ القوى الخارجية، وتزايد مخاطر انتقال الصراع إلى المناطق الحدودية.
وتتمسك مصر، وفق موقفها الرسمي المعلن، بوحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسساته الوطنية، وتدعم التوصل إلى تسوية سياسية تنهي الحرب.
وقد أكد لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الفريق أول عبد الفتاح البرهان في 4 أكتوبر 2026 هذا الموقف، كما أعرب البرهان عن تقديره للدعم السياسي والإنساني المصري.
ومن ثم، ينبغي التمييز بين وجود تباينات أو محاولات للتأثير في العلاقات المصرية السودانية، وبين وجود قطيعة أو مواجهة مباشرة بين القاهرة والخرطوم؛ فالمعلومات الرسمية المتاحة لا تثبت وجود قطيعة بين الطرفين.
والخطر الحقيقي يتمثل في استمرار الحرب السودانية، وتحولها إلى صراع إقليمي بالوكالة، بما يهدد وحدة السودان ويضاعف الضغوط على مصر.
ثالثاً: الجبهة الشمالية الشرقية.. غزة وإسرائيل وأمن سيناء
تظل القضية الفلسطينية من أكثر الملفات حساسية في حسابات الأمن القومي المصري.
فمصر لا تنظر إلى محاولات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة باعتبارها مجرد قضية إنسانية، وإنما باعتبارها تهديداً مباشراً للأمن القومي، ومحاولة لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأراضي المصرية.
وقد جددت مصر في سبتمبر 2026 رفضها القاطع لأي مخططات لتهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية، كما رفضت في أكتوبر التصريحات الإسرائيلية التي أعادت طرح سيناء في سياق التهجير.
وهنا يجب التأكيد على أن سيناء ليست ورقة تفاوض، وأن رفض التهجير يرتبط بحق الشعب الفلسطيني في أرضه، وبالسيادة المصرية على أراضيها.
وفي الوقت نفسه، تتداول بعض الأوساط الإسرائيلية مخاوف بشأن تطور القدرات العسكرية المصرية وتحديث تسليح الجيش المصري.
ومن الضروري التمييز بين المخاوف والتحليلات الإسرائيلية وبين وجود تهديد عسكري إسرائيلي وشيك؛ فالتحديث العسكري المصري حق سيادي مشروع، ولا يجوز التعامل معه باعتباره سبباً للتصعيد.
لكن الحفاظ على السلام يتطلب قوة تحميه، ويظل التوازن العسكري واليقظة الاستراتيجية من أهم ضمانات عدم الاعتداء على المصالح المصرية.
رابعاً: البحر الأحمر واليمن.. بين الحكومة الشرعية والحوثيين
يمثل اليمن أحد أخطر مصادر التوتر في المجال البحري المحيط بمصر.
فاليمن يشهد انقساماً سياسياً وعسكرياً بين الحكومة المعترف بها دولياً، وجماعة الحوثيين التي تسيطر على صنعاء وأجزاء واسعة من البلاد، إلى جانب تعدد القوى المحلية والإقليمية المتداخلة في الصراع.
وتتجاوز تداعيات الأزمة اليمنية حدود اليمن، لتؤثر في أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وحرية الملاحة الدولية، وهي أمور ترتبط ارتباطاً مباشراً بمصالح مصر وقناة السويس.
وتزداد أهمية هذا الملف في ضوء الاعتداءات الحوثية الأخيرة على الأراضي السعودية، وما ترتب عليها من تصعيد إقليمي.
ومن هنا تأتي أهمية الموقف المصري الداعم لأمن المملكة العربية السعودية، باعتبار أن أمن الخليج والبحر الأحمر جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي والمصري.
لكن السؤال المهم هو: كيف يمكن تقديم الدعم للسعودية دون أن تتحول مصر إلى طرف في حرب طويلة داخل اليمن؟
خامساً: تفويض الرئيس بشأن السعودية.. مسؤولية الدفاع وحدود الانخراط العسكري
في 26 أكتوبر 2026 وافق مجلس النواب المصري بأغلبية الثلثين على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ التدابير اللازمة لدعم المملكة العربية السعودية والدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها، بالتنسيق مع المملكة.
وجاء القرار بعد اجتماعات مغلقة للمجلس، وبعد موافقة مجلس الدفاع الوطني، وفي إطار المادة 152 من الدستور، التي تنظم إعلان الحرب وإرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج حدود الدولة.
وقد أكد الرئيس أن الموقف المصري دفاعي، وأن مصر لا تسعى إلى مهاجمة اليمن أو الاعتداء على أي طرف.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين ثلاثة أمور:
التضامن السياسي والاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية.
تقديم الدعم الدفاعي، بما قد يشمل تبادل المعلومات والتنسيق والتعاون في حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية.
المشاركة في عمليات قتالية خارج الحدود، وهي خطوة تختلف تماماً من حيث طبيعتها وتكاليفها ومخاطرها.
فالموافقة البرلمانية لا تعني بالضرورة إرسال قوات مصرية إلى ساحة القتال، وإنما تمنح إطاراً دستورياً لاتخاذ التدابير التي تقتضيها الظروف، وفق التنسيق مع المملكة والقرار السيادي المصري.
والحكمة هنا أن يكون أي تدخل محدد الهدف والمكان والمدة، وألا يتحول إلى التزام عسكري مفتوح، أو إلى مشاركة في حرب أهلية يمنية لا يمكن حسمها بمجرزد التفوق العسكري.
إن الدفاع عن السعودية واجب تضامني واستراتيجي، لكن حماية الأمن القومي المصري تقتضي أن تكون الوسائل متناسبة مع طبيعة التهديد، وأن تظل الدبلوماسية وسيلة أساسية لمنع اتساع المواجهة.
سادساً: إثيوبيا وسد النهضة.. أخطر التحديات الاستراتيجية طويلة المدى
تختلف قضية سد النهضة عن بقية التحديات، لأنها تتصل بمورد الحياة الأساسي للمصريين، وهو مياه النيل.
وقد دخل الخلاف المصري الإثيوبي مرحلة أكثر تعقيداً بعد افتتاح السد، واستمرار الخلاف حول قواعد الملء والتشغيل والإدارة وتبادل البيانات، ورفض مصر الإجراءات الأحادية التي يمكن أن تضر بمصالح دولتي المصب.
وفي سبتمبر 2026 أكد وزير الموارد المائية والري المصري أن مصر تحتفظ بجميع الخيارات المشروعة بموجب القانون الدولي لحماية أمنها المائي، وأنها لن تقبل فرض الأمر الواقع.
كما أن إثيوبيا أعلنت في سبتمبر وأكتوبر توجهات لتطوير مشروعات مائية جديدة على النيل، وأنشأت لجنة لدراسة ما تعتبره خسائر تنموية بسبب اعتراضات مصر على مشروعاتها.
وهذا يعكس أن الخلاف لم يعد مقتصراً على سد النهضة وحده، وإنما أصبح متعلقاً بمستقبل إدارة الموارد المائية في حوض النيل.
والتعامل مع هذا الملف يتطلب استمرار الضغط الدبلوماسي والقانوني، وتطوير العلاقات مع دول حوض النيل، وتعزيز التعاون مع السودان، وتنويع مصادر المياه، والتوسع في معالجة مياه الصرف والتحلية، وترشيد الاستخدام الزراعي.
لكن ينبغي عدم الخلط بين حق مصر في حماية أمنها المائي وبين التسرع في اللجوء إلى القوة؛ فالحرب في هذا الملف ستكون لها تداعيات إقليمية ودولية شديدة التعقيد، وقد لا تحقق الهدف المائي المطلوب.
سابعاً: القرن الأفريقي والصومال وصوماليلاند.. صراع النفوذ على البحر الأحمر
تكتسب منطقة القرن الأفريقي أهمية متزايدة في حسابات الأمن القومي المصري، بسبب موقعها الجغرافي المطل على خليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر.
ويجب هنا التمييز بين جمهورية الصومال الفيدرالية المعترف بها دولياً، وإقليم صوماليلاند الذي أعلن انفصاله من جانب واحد عام 1991، دون أن يحظى باعتراف دولي واسع.
وتثير التحركات الإثيوبية المتعلقة بالحصول على منفذ بحري، واتفاقها مع صوماليلاند عام 2024، مخاوف تتعلق بتوازنات المنطقة وسيادة الصومال ووحدة أراضيه.
كما أن الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند في ديسمبر 2025، وما تبعه من تعزيز العلاقات والتعاون الأمني، يضيف بعداً جديداً إلى التنافس على النفوذ في القرن الأفريقي.
لكن من المهم الالتزام بالدقة: فقد نفت وزارة دفاع صوماليلاند في يونيو 2026 وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية أو مفاوضات لإقامتها، مع إقرارها بوجود تدريب وتعاون أمني إسرائيلي. ولذلك فإن الحديث عن قاعدة إسرائيلية قائمة يظل غير مثبت وفق المعلومات المتاحة.
أما إقامة قاعدة إثيوبية في صوماليلاند، فهي أيضاً مسألة ينبغي التمييز فيها بين التفاهمات والمشروعات المعلنة وبين وجود قاعدة عسكرية عاملة بالفعل.
وتكمن خطورة هذه التحركات بالنسبة لمصر في احتمال تطويق المجال الاستراتيجي للبحر الأحمر
وزيادة النفوذ العسكري الخارجي بالقرب من باب المندب، وارتباط ذلك بأمن الملاحة وقناة السويس.
ومن هنا تأتي أهمية دعم الدولة الصومالية ووحدة أراضيها، وتعزيز التعاون المصري معها، وبناء علاقات متوازنة مع دول القرن الأفريقي، دون تحويل المنطقة إلى ساحة صراع عسكري مفتوح.
ثامناً: الاقتصاد المصري.. لماذا تصبح كلفة الحرب عاملاً حاسماً؟
لا يمكن إجراء تقدير استراتيجي لمخاطر الحرب بمعزل عن الوضع الاقتصادي للدولة.
فالجيش المصري يمثل عمود الخيمة في حماية الدولة واستقلال قرارها الوطني، لكن قوة الجيش لا تنفصل عن قوة الاقتصاد الذي يمول تسليحه وتدريبه وصيانته وإمداده، كما لا تنفصل عن قدرة المجتمع على تحمل تبعات الأزمات.
وقد أشار صندوق النقد الدولي في تقريره الصادر في أغسطس 2026 إلى تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية المصرية، لكنه أكد في الوقت نفسه استمرار ارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل ومحدودية الحيز المالي، كما حذر من أن تجدد التوترات الإقليمية قد يؤدي إلى تراجع الاستثمار وارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الضغوط المالية والخارجية.
وتعني هذه المؤشرات أن مصر لا تملك رفاهية الدخول في حرب طويلة دون حساب دقيق لتكاليفها.
فالحرب لا تقتصر تكلفتها على الذخائر والعمليات العسكرية، وإنما تمتد إلى:
تراجع الاستثمار المحلي والأجنبي.
ارتفاع تكاليف التأمين والنقل والطاقة.
تأثر السياحة وحركة التجارة والملاحة.
زيادة أعباء الموازنة العامة والاقتراض.
تحويل موارد كان يمكن توجيهها للتعليم والصحة والإنتاج والحماية الاجتماعية إلى متطلبات الحرب.
ومن ثم، فإن حماية الاقتصاد ليست قضية منفصلة عن الأمن القومي، وإنما أحد شروط استدامته.
فالجيش القوي يحتاج إلى اقتصاد منتج، ومجتمع متماسك، ودولة قادرة على تمويل احتياجات الدفاع دون التضحية بحقوق المواطنين الأساسية.
تاسعاً: هل تملك مصر مقومات تجنب الحرب؟
الإجابة الموضوعية هي أن مصر تمتلك عدداً من المقومات التي تساعدها على تجنب الحرب، لكنها تواجه في الوقت نفسه مخاطر حقيقية لا يمكن التقليل منها.
وأهم هذه المقومات:
1- الموقع الجغرافي والوزن الاستراتيجي: مصر دولة محورية في الشرق الأوسط وأفريقيا والبحر المتوسط، وتتمتع بأهمية كبيرة في معادلات الطاقة والتجارة والملاحة الدولية.
2- القدرة العسكرية والردع: امتلاك جيش قوي وحديث ومتعدد مصادر التسليح يرفع تكلفة أي اعتداء على المصالح المصرية، ويمنح القيادة السياسية خيارات متعددة للتعامل مع التهديدات.
3- الخبرة الدبلوماسية: تمتلك مصر علاقات واسعة مع القوى الدولية والإقليمية، وتستطيع توظيفها في بناء تفاهمات وتشكيل مواقف مشتركة لاحتواء الأزمات.
4- الشرعية الدولية: تمثل الاتفاقات الدولية والقانون الدولي إطاراً مهماً للدفاع عن الحقوق المصرية، وتوفر أساساً سياسياً وقانونياً لمواجهة الإجراءات الأحادية والاعتداءات.
5- المصالح المشتركة: ترتبط مصالح معظم الأطراف المحيطة بمصر بدرجات متفاوتة باستقرار الدولة المصرية، وهو ما يفتح المجال أمام التفاوض والتسويات السياسية.
لكن هذه المقومات لا تعمل تلقائياً؛ بل تحتاج إلى رؤية استراتيجية متكاملة، وتنسيق بين مؤسسات الدولة، وشفافية في تحديد التهديدات، ووضوح في الأهداف والوسائل.
عاشراً: ما المطلوب من السياسة المصرية في المرحلة المقبلة؟
إن تجنب الحرب لا يتحقق بمجرد إعلان الرغبة في السلام، وإنما يتطلب سياسة نشطة تقوم على عدة مسارات متوازية:
أولاً: عدم السماح بتعدد الجبهات، والعمل على تسوية الخلافات مع الأطراف التي تربطها بمصر مصالح مشتركة، خاصة في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي.
ثانياً: دعم أمن السعودية ودول الخليج، مع وضع حدود واضحة لأي التزام عسكري، وتجنب التورط في عمليات مفتوحة أو غير محددة المدة والأهداف.
ثالثاً: التمسك بالحقوق المصرية في مياه النيل، والاستمرار في المسارات السياسية والقانونية، مع تعزيز القدرة الوطنية على مواجهة أي نقص محتمل في الموارد المائية.
رابعاً: تطوير التعاون مع الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر، بما يضمن أن تظل مسؤولية أمنه وممراته الاستراتيجية في المقام الأول مسؤولية دوله المطلة عليه.
خامساً: الحفاظ على جاهزية القوات المسلحة وتحديث قدراتها الدفاعية، مع عدم الخلط بين الاستعداد للحرب والرغبة في خوضها.
سادساً: تعزيز الجبهة الداخلية من خلال تحسين مستوى المعيشة، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وحماية الفئات الأكثر احتياجاً، وتوفير الثقة المجتمعية في مؤسسات الدولة.
فالجبهة الداخلية القوية ليست مجرد عنصر معنوي، بل هي أحد أهم مصادر القوة في أي مواجهة استراتيجية طويلة.
خاتمة: القوة لحماية السلام لا لاستنزاف الدولة
إن مصر تواجه بالفعل مرحلة دقيقة من تاريخها
الاستراتيجي، تتداخل فيها التحديات على حدودها الغربية والجنوبية والشمالية والشرقية، وتمتد إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل.
لكن تعدد التحديات لا يعني بالضرورة أن الحرب أصبحت حتمية، كما أن تجنب الحرب لا يعني التنازل عن الحقوق أو التفريط في السيادة.
والتحدي الحقيقي أمام القيادة السياسية هو القدرة على ترتيب الأولويات، وتحديد ما يمثل تهديداً وجودياً، وما يمكن احتواؤه بالتفاوض، وما يستوجب الردع، وما قد يفرض استخدام القوة باعتبارها الخيار الأخير.
إن الدفاع عن المملكة العربية السعودية، وحماية الأمن المائي المصري، والحفاظ على وحدة السودان، وتأمين الحدود الغربية، ورفض تهجير الفلسطينيين، كلها قضايا ترتبط بالأمن القومي المصري، لكن لكل منها أدواتها وحساباتها وتكاليفها.
ولا ينبغي أن تتحول كثرة التهديدات إلى مبرر لاستنزاف الدولة في حروب متزامنة، وإنما يجب أن تكون دافعاً لبناء منظومة أمن قومي متكاملة، تجمع بين القوة العسكرية والاقتصاد المنتج والدبلوماسية النشطة والتماسك الاجتماعي.
إن الجيش المصري هو عمود الخيمة، لكن الاقتصاد هو أحد أعمدتها الأساسية، والجبهة الداخلية هي أساس تماسكها.
ومن ثم، فإن أعظم نجاح تحققه القيادة السياسية ليس الدخول في كل مواجهة تفرضها الظروف، وإنما منع تحول التهديدات إلى حروب، وحماية حقوق مصر ومصالحها، مع الاحتفاظ بالقدرة على الرد الحاسم إذا فُرضت عليها المواجهة.
فالقوة الحقيقية ليست في عدد الحروب التي تخوضها الدولة، وإنما في قدرتها على حماية أمنها وسيادتها، وتحقيق التنمية لشعبها، والحفاظ على استقلال قرارها الوطني.
-----------------------------
بقلم: كامل السيد







