فتح الانقلاب الذي أحدثه الصوت العربي في انتخابات الكنيست الاسرائيلي 2026 الباب للحديث حول نموه مستقبليا وفرصه في الانتخابات القادمة، وطرح سؤال حول (احتمالية) أن يصبح للعرب في يوم من الايام مرشح لرئيس وزراء الدولة الاسرائيلية.
لكن الحقيقة تقول عكس ذلك، فوفقا للدراسات الديموغرافية والتحليلات السياسية الصادرة عن معاهد الأبحاث الإسرائيلية والفلسطينية (مثل مركز مدار ومعهد الديمقراطية الإسرائيلي)، فإنه من غير المتوقع ديموغرافياً أو سياسياً أن تشكل الأحزاب العربية أغلبية برلمانية منفردة (61 مقعداً فما فوق) في الكنيست الإسرائيلي في المستقبل المنظور، ولا توجد توقعات لعام محدد يتحقق فيه ذلك، ويعود في ذلك إلى تباطؤ معدلات النمو السكاني للعرب مقارنة بالصعود الحاد لنمو مجتمعات اليهود المتدينين الحريديم، بالإضافة إلى كوابح النظام الانتخابي والسياسي. ومع ذلك، فإن التصور المستقبلي لصعود الصوت العربي لا يكمن في "الأغلبية العددية المطلقة"، بل في التحول إلى "بيضة القبان" والشريك المرجح لإسقاط أو تشكيل الحكومات، وهو ما تجلى بوضوح في انتخابات الكنيست المؤخرة في أكتوبر 2026 حيث حققت الأحزاب العربية (مثل القائمة المشتركة برئاسة يوسف جبارين والموحدة برئاسة منصور عباس) قفزة تاريخية بالوصول إلى حوالي 19 مقعداً نتيجة لنسبة مشاركة استثنائية بلغت نحو 80%.
حيث تشير بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية إلى أن معدل الخصوبة (عدد المواليد لكل امرأة) لدى النساء العربيات شهد تراجعاً كبيراً خلال العقدين الأخيرين ليصل إلى نحو 2.9 مولود، وهو ما يتساوى تقريباً مع متوسط المرأة اليهودية العامة، وهو ما يعني ثبات النسبة السكانية للصوت العربي، حيث يشكل المواطنون العرب حالياً حوالي 21% من إجمالي السكان (نحو 2.17 مليون نسمة من أصل 10.2 مليون). وتشير التقديرات المستقبلية إلى أن هذه النسبة ستتأرجح بين 21% و23% كحد أقصى بحلول عام 2050، وهي نسبة تمنحهم نظرياً ما بين 25 إلى 28 مقعداً فقط في الكنيست إذا صوّتوا بالكامل، وهي بعيدة جداً عن أغلبية الـ 61 مقعداً.
وفي المقابل، يمتلك اليهود الأرثوذكس (الحريديم) أعلى معدل نمو في البلاد (نحو 6.5 مواليد لكل امرأة)، وتشير التوقعات الرسمية إلى أن الحريديم سيشكلون ما يقرب من 30% من سكان إسرائيل بحلول عام 2050، مما يعزز كتلة اليمين والوسط اليهودي ويمنع ثبات أو زيادة النسبة المئوية للعرب في سجل الناخبين، وهو ما يعني أن اسرائيل تسير في حقيقة الأمر إلى مزيد من الصوت المتشدد وليس العكس.
أما التصور المستقبلي لقوة الصوت العربي الواقعية، فمع تعمق الاستقطاب داخل المجتمع اليهودي بين معسكري اليمين المتطرف والوسط/اليسار الصهيوني، تصبح الكتلة العربية (المقدرة بـ 15 إلى 20 مقعداً) هي القوة الوحيدة القادرة على منع أي من المعسكرين من الوصول إلى عتبة الـ 61 مقعداً، لذلك لن يقود العرب الحكومة، لكن لن يتمكن أي رئيس وزراء إسرائيلي من تشكيل حكومة مستقرة دون إذنهم، إما عبر الدعم من الخارج (شبكة أمان برلمانية) أو المشاركة المباشرة في الائتلاف، وهذا هو المكسب الحقيقي (الحالي)، وسيعمل هذا على الانتقال من دور "المعارضة الاحتجاجية الدائمة" إلى دور "المفاوض البراغماتي"، حيث ستركز الأحزاب العربية على انتزاع ميزانيات ضخمة للبلدات العربية، محاربة الجريمة المنظمة، إلغاء القوانين التمييزية (مثل قانون القومية)، والاعتراف بالقرى غير المعترف بها في النقب، كشروط أساسية لمنح أصواتهم في الكنيست.
لكن سيناريو الرد الإسرائيلي المضاد لهذا الصعود متوقع، فكلما زاد الحشد العربي وتأثيره البرلماني، زادت احتمالية لجوء المشرعين اليهود إلى أدوات قانونية لتقويض هذا الصعود، وقد يشمل ذلك رفع "نسبة الحسم" الانتخابية مجدداً لإقصاء الأحزاب العربية الصغيرة، أو تشريع قوانين تضع قيوداً إضافية على ترشح الشخصيات والقوائم الوطنية العربية تحت دعاوى "عدم الولاء للدولة".
ولذلك وفي النهاية، لن تؤول الأغلبية البرلمانية في إسرائيل للعرب أبداً بناءً على المعطيات الحالية، ولكن صعودهم السكاني والسياسي يضمن لهم التحول إلى قوة تعطيلية وتوجيهية عظمى داخل النظام البرلماني، مما يفرض واقعاً جديداً يجبر النظام السياسي الإسرائيلي على التعامل معهم كلاعب أساسي لا يمكن تجاوزه..
-----------------------------
بقلم: د. عمرو الهلالي
* كاتب ومحلل سياسي






