في مقالي الأول، «الزلزال الذي قد يبدأ من خلف الأبواب المغلقة»، طرحت فرضية مفادها أن إعلان الرئيس عبدالفتاح السيسي اعتزامه الالتزام بالمدد الدستورية ومغادرة السلطة عام 2030، قد يحدث ارتباكًا عميقًا داخل شبكات المصالح والنفوذ التي تشكلت حول السلطة خلال سنوات حكمه.
وفي المقال الثاني، حاولت استشراف ملامح الصراع المحتمل على خلافة الرئيس، والقوى التي قد تسعى إلى التأثير في اختيار من يخلفه.
لكن ما شهدناه خلال الأيام الماضية يدفعني إلى إعادة النظر في جانب من فرضيتي الأولى، أو على الأقل إلى إضافة احتمال آخر لا يقل عنها أهمية.
ماذا لو لم يكن ما نشهده ارتباكًا عفويًا داخل دوائر النفوذ، بل بداية سيناريو سياسي يجري إعداده بعناية؟
فما إن طُرح الحديث عن التزام الرئيس بالمدد الدستورية، حتى بدأت أصوات إعلامية محسوبة على السلطة تطالبه بالاستمرار، وتدعوه إلى العدول عن موقفه، تحت شعار يبدو ديمقراطيًا في ظاهره: «الرئيس حر في قراره، ولكن الشعب، باعتباره مصدر السلطات، من حقه أن يطلب استمراره».
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا.
فهل نحن أمام أصوات متفرقة تعبر عن قناعات أصحابها ومخاوفهم؟ أم أمام محاولة لصناعة مطلب شعبي يسبق القرار السياسي ويمهد له؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه مبالغة مألوفة من إعلام اعتاد أن يزايد في إظهار الولاء؟
كل الاحتمالات قائمة، وليس بين أيدينا ما يسمح بالجزم بأحدها.
لكن التزامنا بعدم الجزم لا ينبغي أن يمنعنا من طرح الأسئلة.
أولًا: من صاحب الفكرة، ومن صاحب المصلحة؟
في السياسة، ليس المهم دائمًا من ينطق بالكلمات، بل من يستفيد من تحول هذه الكلمات إلى واقع.
حين يخرج إعلامي مطالبًا باستمرار الرئيس، فهذا رأي سياسي يجوز له التعبير عنه، ويجوز لنا الاختلاف معه.
لكن حين تتكرر الدعوات نفسها، بالحجج نفسها، وفي توقيت متقارب، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كنا أمام توافق تلقائي في المواقف، أم محاولة منظمة لاختبار رد فعل المجتمع.
والتزامن وحده ليس دليلًا على التنسيق، لكنه قد يكون سببًا وجيهًا لمزيد من التدقيق.
فهل يجري اختبار تقبل الرأي العام لفكرة تعديل دستوري جديد؟ وهل يراد تحويل الالتزام بالدستور من قاعدة ملزمة إلى قرار شخصي يستطيع الرئيس العدول عنه استجابةً لنداء شعبي؟
وهل يمكن أن تكون الخطوة الأولى في أي سيناريو محتمل هي صناعة الانطباع بأن استمرار الرئيس ليس رغبة السلطة، بل ضرورة يفرضها الشعب؟
لا أملك إجابات قاطعة، لكنني أرى أن هذه الأسئلة أكثر أهمية من التصريحات نفسها.
ثانيًا: الشعب مصدر السلطات، ولكن من يتحدث باسم الشعب؟
هذه، في تقديري، أخطر المغالطات في الخطاب الذي بدأ يتشكل.
فالدستور المصري ينص على أن الشعب مصدر السلطات، لكنه ينص أيضًا على أن الشعب يمارس هذه السلطات ويحمي سيادته من خلال القواعد والمؤسسات الدستورية.
والسيادة الشعبية لا تعني منح أي شخص، مهما كانت شعبيته، حق البقاء في السلطة بلا حدود.
بل إن جوهر الدولة الدستورية هو أن تضع إرادة الأمة قواعد عامة تلتزم بها السلطة، لا أن تتحول إرادة الأمة إلى ذريعة لإعفاء السلطة من تلك القواعد.
فإذا كان الشعب مصدر السلطات، فمن الذي فوض هؤلاء الإعلاميين في الحديث باسمه؟
وأين الأحزاب؟ وأين النقاش المجتمعي الحر؟ وأين المنافسة السياسية التي تسمح لنا بمعرفة ما يريده المصريون فعلًا؟
ثم لماذا تُستدعى إرادة الشعب عند الحديث عن استمرار الرئيس، بينما تبدو أقل حضورًا عندما يتعلق الأمر بحق المواطنين في اختيار بدائل سياسية حقيقية؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للديمقراطية ليس مصادرة إرادة الشعب صراحةً، بل الادعاء باحتكار التعبير عنها.
ثالثًا: هل نحن أمام إعادة إنتاج لسيناريو قديم؟
يعرف التاريخ السياسي المصري ظاهرة ليست جديدة، وهي أن تبدأ الدعوات إلى استمرار الحاكم من خارج مؤسسة الرئاسة، ثم تتسع تدريجيًا لتتحول إلى ما يبدو مطلبًا جماهيريًا.
وفي مثل هذه الحالات، يصبح الحاكم في الصورة النهائية مستجيبًا لإرادة شعبية، لا ساعيًا إلى تمديد بقائه.
ولا أقول إن هذا هو ما يحدث الآن، لكن التشابه في المنطق السياسي يستحق التأمل.
فإذا افترضنا، جدلًا، أن هناك من يفكر في تعديل جديد لقواعد الحكم، فإن الطريق الأكثر ملاءمة سياسيًا لن يكون بالضرورة إعلان الرغبة في التمديد مباشرة، بل تقديمه باعتباره استجابة اضطرارية لنداء وطني.
تبدأ الحكاية بمقالات وتصريحات، ثم ربما بمطالبات من شخصيات عامة، ثم مبادرات سياسية، وقد تنتهي بحملة تتحدث باسم الملايين.
وهنا يصبح السؤال: هل ينشأ المطلب الشعبي بصورة مستقلة، أم يجري تشكيله عبر خطاب إعلامي وسياسي متكرر؟
هذا احتمال يحتاج إلى أدلة، لكنه ليس سؤالًا يجوز استبعاده لمجرد حساسيته.
رابعًا: وماذا لو كان الرئيس نفسه جادًا في الرحيل؟
هذا احتمال لا يقل وجاهة عن غيره، وربما يكون أكثر إزعاجًا لبعض المنتفعين من استمرار الوضع القائم.
فقد يكون الرئيس راغبًا بالفعل في الالتزام بنهاية ولايته، بينما ترى دوائر مستفيدة من استمراره أن رحيله يهدد مواقعها أو مصالحها أو قدرتها على التأثير.
وقد يكون بعض الداعين إلى بقائه مدفوعًا بخوف حقيقي من مرحلة الانتقال، بينما يتحرك آخرون بمنطق المصلحة الشخصية.
وقد تكون الدعوات مجرد مبادرات فردية يسعى أصحابها إلى التقرب من السلطة، دون تنسيق أو توجيه.
لكن هناك احتمالًا آخر لا ينبغي تجاهله، وهو أن يكون الخطاب المتناقض بين الالتزام بالرحيل والمطالبة بالاستمرار جزءًا من عملية سياسية مقصودة، يُختبر من خلالها استعداد المجتمع لتقبل تمديد جديد.
والمفارقة أن السيناريوهين المتعارضين قد ينتجان المشهد الإعلامي نفسه.
ولهذا فإن التصريحات وحدها لا تكفي للحكم على النوايا.
ما سيكشف حقيقة الاتجاه هو ما يأتي بعدها: هل تُفتح الحياة السياسية استعدادًا لانتقال السلطة؟ أم تتسع الحملات المطالبة باستمرار الرئيس؟ وهل تتحول هذه الدعوات إلى مقترحات دستورية رسمية؟ وما الموقف الذي ستتخذه مؤسسات الدولة؟
خامسًا: المشروع الوطني الذي لا ينتهي
يقال لنا إن استمرار الرئيس ضرورة لاستكمال مشروعه الوطني.
وأسأل: متى أصبحت مشروعات الأوطان مرتبطة بالعمر السياسي لمن بدأها؟
إن الدولة التي تحتاج إلى بقاء رئيسها حتى تستكمل مشروعاتها هي دولة لم تنجح بعد في تحويل تلك المشروعات إلى سياسات مؤسسية مستدامة.
فمشروع بناء الدولة لا ينبغي أن يكون مشروع رجل واحد، مهما بلغت قدراته أو إنجازاته.
وإذا كانت مصر قد أصبحت أكثر قوة واستقرارًا، كما يؤكد أنصار استمرار الرئيس، فمن المنطقي أن تكون أكثر قدرة على انتقال منظم للسلطة، لا أقل قدرة عليه.
أما إذا كان انتقال السلطة يمثل خطرًا وجوديًا على الدولة، فإن ذلك يثير سؤالًا مشروعًا عن طبيعة المؤسسات التي بُنيت خلال السنوات الماضية.
فنجاح الحاكم لا يُقاس فقط بما يستطيع إنجازه وهو في السلطة، بل بما تستطيع الدولة الحفاظ عليه وتطويره بعد مغادرته.
سادسًا: هل يكون التمديد حماية لشبكات المصالح؟
أعود هنا إلى الفكرة التي بدأت بها هذه السلسلة.
إن شبكات المصالح التي تتشكل حول السلطة لا تخشى بالضرورة تغيير الرئيس لذاته، وإنما قد تخشى ما يصاحبه من إعادة توزيع النفوذ، ومراجعة السياسات، وتغيير القيادات، وفتح ملفات ظلت مغلقة.
ولذلك فإن استمرار الرئيس قد يكون بالنسبة إلى بعض هذه الشبكات ضمانة لاستمرار ترتيبات اعتادت عليها.
لكن ماذا لو كانت هذه الشبكات نفسها هي التي تسعى إلى إقناع المجتمع بأن بقاء الرئيس ضرورة وطنية؟
وماذا لو كان الخوف من المستقبل الذي يُقدم لنا باعتباره خوفًا على مصر، هو في بعض الحالات خوفًا على امتيازات اكتسبها أصحابها في ظل الوضع القائم؟
لا يجوز تحويل هذه التساؤلات إلى اتهامات دون دليل، لكن لا يجوز أيضًا أن نغفل المصالح المحتملة وراء الخطاب السياسي.
فليس كل من يتحدث باسم الاستقرار محايدًا في مصالحه، وليس كل من يطالب بالاستمرار مجرد مواطن يخشى المجهول.
سابعًا: الاختبار الحقيقي ليس في التصريحات، بل فيما سيحدث بعدها
أعتقد أن السنوات المقبلة ستكون كاشفة.
فإذا كانت النية الحقيقية هي الالتزام بالتداول الدستوري للسلطة، فمن الطبيعي أن نشهد استعدادًا مؤسسيًا وسياسيًا لهذا الاستحقاق، وأن تتسع مساحة العمل الحزبي، وتظهر قيادات قادرة على المنافسة، ويصبح الحديث عن الرئيس القادم أمرًا طبيعيًا لا يثير القلق.
أما إذا اتجه المشهد إلى مزيد من الدعوات المنظمة للتمديد، مع استمرار غياب البدائل السياسية، فسيصبح التساؤل عن وجود سيناريو معد مسبقًا أكثر إلحاحًا.
ولن تكون العبرة بعدد الإعلاميين الذين يطالبون بالبقاء، بل بطبيعة الخطوات السياسية والدستورية التي قد تتبع مطالباتهم.
وأخيرًا: أخشى أن نكون أمام سؤال أكبر من مجرد استمرار الرئيس.
فإذا كان ما يحدث مجرد ارتباك من شبكات مصالح تخشى المستقبل، فنحن أمام مشكلة تتعلق بعلاقة السلطة بالنفوذ.
أما إذا كان ما يحدث تمهيدًا مقصودًا لإعادة فتح ملف التمديد، فنحن أمام مشكلة أعمق تتعلق بمستقبل تداول السلطة ذاته.
وفي الحالتين، يبقى السؤال الذي لا ينبغي أن نهرب منه:
هل نريد جمهورية تتغير فيها الرئاسة وفق قواعد مستقرة، أم نظامًا تصبح فيه القواعد قابلة للتغيير كلما اقترب موعد مغادرة الرئيس؟
وأحسب أن الرئيس السيسي، إذا كان جادًا في الالتزام بنهاية ولايته، يستطيع أن يقدم لمصر إنجازًا سياسيًا وتاريخيًا قد يفوق في أثره كثيرًا من الإنجازات المادية، بأن يؤسس لتقليد جمهوري واضح: أن يأتي الرئيس بإرادة دستورية، ويحكم وفق الدستور، ثم يغادر في الموعد الذي يحدده الدستور.
أما الذين يطالبونه اليوم بالبقاء، فعليهم أن يجيبوا عن سؤال بسيط:
إذا كان الرئيس نفسه قد أعلن احترامه لحدود السلطة، فلماذا يصر بعض أنصاره على أن تكون هذه الحدود قابلة للتجاوز؟
ثم يبقى السؤال الأكثر إثارة للقلق:
هل نشهد بالفعل خوف المنتفعين من رحيل الرئيس، أم أننا نشاهد الفصل الأول من مسرحية سياسية نعرف نهايتها قبل أن تُرفع ستارتها؟
لا أدعي أنني أعرف الإجابة.
لكنني أعتقد أن واجبنا ليس أن نصدق كل ما يقال، ولا أن نتهم كل من يتحدث، بل أن نراقب ونحلل ونسأل، وأن نرفض تحويل مستقبل مصر إلى مسألة تُحسم خلف الأبواب المغلقة، ثم يُطلب من الشعب التصفيق لها.
فمصر تستحق أن يكون دستورها أقوى من شاغل المنصب، وأن تكون مؤسساتها أبقى من حكامها، وأن يكون شعبها مصدر السلطات بالفعل، لا مجرد عبارة تُستدعى كلما احتاجت السلطة إلى مبرر جديد.
وأترك لكم السؤال: هل ما نراه الآن اجتهادات فردية من إعلاميين يسعون إلى إرضاء السلطة، أم اختبار منظم للرأي العام تمهيدًا لقرار لم يُعلن بعد؟
والأهم: ما الدليل الذي يمكن أن يرجح أحد الاحتمالين؟
فالفارق بين التحليل السياسي ونظرية المؤامرة ليس في جرأة السؤال، وإنما في استعدادنا لأن نغير استنتاجاتنا عندما تتغير الأدلة.
----------------------------
بقلم: د. هشام عبدالغفار
(نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك)






