02 - 11 - 2026

المواطن هو الحل !

المواطن هو الحل !

 أعترف أنني توقفت طويلا أمام رقم: من 10 جنيهات إلى 50 ألف جنيه.هكذا، وبجرة قلم، قرر أحد النواب أن يحل أزمة تسرب التعليم. ليس ببناء مدرسة، ولا بتدريب معلم، ولا بسؤال بسيط: لماذا يهرب الطفل من الفصل أصلا؟ بل بغرامة تضع ولي الأمر المطحون بين خيارين: أن يرسل ابنه لمدرسة لا يتعلم فيها، أو يدفع 50 ألف جنيه لا يملكها.

هنا تكمن المشكلة. ليس في مشروع النائب جرجس لاوندي وحده، بل في عقلية تشريعية كاملة أصبحت ترى المواطن كممول، والشارع كمخالف يجب تأديبه.خلال السنوات الأخيرة، تعودت أن أفتح أجندة مجلس النواب فأجد نفسي أمام أحد سيناريوهين: إما رسم جديد، أو حظر جديد.مرة يقترحون علينا أن ندفع 1000 جنيه لنمارس سنة الحياة ونتزوج، و5000 جنيه إذا قررنا الزواج مرة أخرى، وكأن الزواج الثاني معصية إدارية تستحق المخالفة. أسموه "صندوق تكافلي لدعم الأسرة"، لكن الشارع سماه باسمه الحقيقي: ضريبة على الحب.

ومرة يقترحون علينا اشتراكا شهريا بـ200 جنيه لفتح فيسبوك، وكأن الهواء الرقمي أصبح ملكية خاصة يؤجرها النائب رياض عبد الستار. وعندما سخر الناس، قال: كنت أقصد 5 جنيهات فقط! كأن المشكلة في الرقم، لا في المنطق.ثم جاءت مرحلة "اشرب وانت ساكت". قانون المياه الذي يغرمك نصف مليون جنيه إذا تجرأت وتحدثت عن جودة المياه. ثم قانون "هتلبس إيه في الشارع" للنائبة غادة عجمي، الذي يقرر بالنيابة عنك ما هو محتشم وما هو غير محتشم في المقهى والشاطئ والسينما.

ووصلنا إلى ذروة الوصاية: نائب يريد حبسك سنة لأنك اخترت لابنك اسما "غريبا" لا يعجبه، ونائبة تريد تجريم النقاب وتقول إن الحجاب ليس فرضا، وأخرى تريد حبس الزوج 5 سنوات وجوبيا. مقترحات قد تبدو نبيلة في ظاهرها، لكنها جميعا تشترك في شيء واحد: الدولة تقرر عنك، وتغرمك إذا لم تسمع الكلام.حتى القانون الذي من المفترض أن يحمي حريتنا، قانون الإجراءات الجنائية، جاء ليفتح باب التنصت على رسائلنا بأمر نيابة دون مدة، ويمنع المحامي من مقابلة موكله. لدرجة أن رئيس الجمهورية نفسه رده، في سابقة نادرة، واعترضت عليه الأمم المتحدة ونقابات المحامين والصحفيين.القاسم المشترك بين المقترحات العشرة ليس موضوعها، بل فلسفتها.هي فلسفة تستسهل العقوبة وتستصعب الإصلاح. 

بدلا من أن تسأل: لماذا يتسرب الطالب؟ تسأل: كم نغرّم والده؟ بدلا من أن تسأل: لماذا ترتفع نسب الطلاق؟ تسأل: كم نحصل رسوم طلاق؟في بلد ارتفعت فيه تكلفة المعيشة حتى أصبحت كلمة "غرامة" تثير حساسية أكثر من كلمة "فساد"، لم يعد المواطن يقتنع بأن الهدف نبيل.النائب يرى أنه يحل مشكلة، والمواطن يرى أنه يدفع ثمنها.

والسؤال الذي لم يجبه أي مقترح من العشرة: هل نحن نشـرّع لنعالج أصل الداء، أم نشـرّع لنعاقب من يعاني من أعراضه؟
---------------------------
بقلم: عبد الرحمن بدوي

مقالات اخرى للكاتب

المواطن هو الحل !