ما إن تسدل الستائر على ليالي مولد السيد أحمد البدوي في طنطا حتى تشهد شوارع المحروسة حالة من الاستنفار والترحال الجماعي؛ حيث يشد الصوفيون والمريدون والتجار ومستفيدو الموالد الرحال مباشرة نحو مدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ، لحضور مولد العارف بالله القطب الكبير إبراهيم الدسوقي، الذي ولد ونشأ في مدينة دسوق وتوفي فيها عام 696 هجريًا.
ويُعد الدسوقي أحد أقطاب الصوفية الأربعة في مصر (إلى جانب البدوي والشاذلي والرفاعي)، وتنسج حول سيرته وكراماته روايات شعبية هائلة تعج بقدرته الخارقة على شفاء المرضى وإغاثة الملهوفين، وحلت ليلته الختامية هذا العام يوم الخميس الموافق 30 أكتوبر 2026.
ولا يقتصر هذا الرحيل الجماعي على المريدين الباحثين عن النفحات الروحية والبركات المزعومة، بل هو قافلة تجارية ضخمة تضم مئات التجار والمستفيدين الذين يرحلون من مولد إلى مولد؛ لتدار على هامش الاحتفالات تجارة طائلة بالمليارات تستفيد منها المدن المضيفة بشكل مباشر.
فهذه الموالد ليست من أصل الدين الإسلامي في شيء، بل هي فلكلور شعبي وتراث اجتماعي تأسس عبر العصور؛ وهي مهرجانات سنوية ضخمة تقام على سمع وستر أصحاب الموالد والأضرحة، وحسب شهرتهم يحج إليها الملايين سنويًا في تنقلات منظمة الهدف منها تحقيق أقصى ربح مادي ممكن.
وكل يستفيد حسب قدرته وطاقته؛ فتجد تجار التجزئة، وبائعي السلع الغذائية، وأصحاب المقاهي والمطاعم، وأصحاب الفراشة والكهرباء، وبائعي اللعب والإكسسوارات، ومجالس الملاهي والمراجيح، وصولاً إلى أصحاب الألعاب والقمار الشعبي وبائعي المتع البريئة وغير البريئة، الجميع يبحث عن استفادة ومتع معنوية ومادية يحصل عليها في رحاب الموالد وتحت مظلة هيبة الأولياء والكرامات.
وعلى الهامش المظلم لهذا الزحام الكرنفالي وفوضاه الضخمة، ينشط سوق آخر يُستغفل فيه البسطاء وتُستغل عواطفهم؛ حيث ينتشر البائعون المتجولون لبائعي الطرابيش والشارات الصوفية والطواقي والعبايات والمكسرات وحب العزيز والمياه. وتنتعش الملاهي المتنقلة والمراجيح والسيرك، إلى جانب ألعاب القمار الشعبية كاللعب بالورق والثلاث ورقات التي تسلب أموال السذج.
كما يستغل اللصوص والنشالون وبعض المتحرشين ومروجو الدعارة كثافة الزحام، في حين ينشط تجار المخدرات وخاصة الحشيش والأفيون والترامادول بين الروحيين والمغيبين عن الوعي.
وفي أركان الساحات ينشط ضاربو الودع، ومعالجو القرآن، والمشعوذون، وبتوع فك السحر والأعمال الذين يقبضون أموالًا باهظة بإيهام المرضى بقدرتهم على إخراج الجن وشفاء المستحيل.
وتكتمل صورة الساحة بأصحاب الشوادر والكهربائية وفرش الخيام الذين يتحكمون في تجهيزات المولد، فضلاً عن رسامي الوشم والتاتوهات، والحلاقين لختان الأطفال وحلاقة الكبار، والجزارين لذبح نذور الأضرحة وتوزيعها. وتظهر طقوس غريبة كألعاب الحواة وسحرة الألعاب البهلوانية، والطقوس ذات الأصول الشيعية المتسللة كوضع الخناجر في الوجه أو النوم على المسامير والمشي عليها.
وأمام هذه المشاهد العبثية والممارسات المستهجنة التي لا تقرها الشريعة الإسلامية ولا تقبلها الفطرة السوية، بات لزامًا على مؤسسة الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف التدخل الفاعل والخروج من جدران المكاتب المكيفة إلى قلب الساحات والمساجد المجاورة للأضرحة؛ لقيادة حملات توعوية مكثفة ومباشرة للجمهور، لفضح أساليب الدجل والشعوذة، وتنقية الخطاب الديني مما علق به من خرافات وبدع تتخذ من حب آل البيت ستارًا لها.
إن توعية الناس بحقيقة الدين وصيانته من الدخلاء والمشعوذين أصبحت فرض عين وحماية لعقول البسطاء من الاستغلال.
وتشير الإحصاءات التقديرية لخبراء الاقتصاد الاجتماعي إلى أن إجمالي حجم الإنفاق وتداول الأموال في الموالد الكبرى كالحسين والسيدة زينب والبدوي والدسوقي يتجاوز عدة مليارات من الجنيهات سنويًا.
وفيما يخص تكلفة استهلاك الكهرباء الهائلة في الشوارع والشوادر، فإن آلاف الكشافات تستهلك طاقة تُقدر بمئات الآلاف من الجنيهات تُترك غالبًا عبئًا على المال العام وخزينة الدولة؛ مما يجعل بيزنس الموالد ظاهرة تستدعي التدخل الحاسم لضبط الساحات، وتطهيرها من الدجل والخرافات، وإخضاع أموالها لرقابة مالية صارمة تحمي مقدرات المجتمع والدين معًا.
---------------------------------------
بقلم: محمد عبد الشكور







