ولأنني مريضة حاليًا وملازمة للفراش، أصبح لديّ وقت طويل لمشاهدة مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، ويبدو أن خوارزميات فيسبوك تعرض المحتويات المتشابهة، فيظهر لي المزيد من المحتوى نفسه.
سيدات ورجال من فئات وأعمار مختلفة يقدمون نصائح عن العلاقات الاجتماعية والعاطفية، ربما استنادًا إلى خبراتهم في الحياة أو دراسات أجروها... ولكن المشكلة ليست في تقديم النصائح بحد ذاته، بل فيما يُبث من معلومات قد يتبعها البعض أملًا في حياة أفضل أو رغبةً في التغيير نحو الأفضل.
فمن هذه النصائح ما هو موجه للرجال، مثل: كيف تكون الرجل الذي لا تستطيع امرأة نسيانه؟ وكيف تجعلها تندم على خسارتك؟ ومتى تتجاهلها حتى تشتاق إليك؟ بل وكيف تجعل المرأة القوية تتعلق بك ولا تستطيع الابتعاد عنك؟ ومنها ما هو موجه للنساء، مثل: كيف تكون المرأة القوية التي تماثل الرجل في القول والفعل؟ وكم من الوقت ينبغي أن تنتظر قبل الرد على رسالة؟ وكيف تتجاوز شخصًا بعد الفراق، أو تجعله يندم على فراقها؟ وغيرها من العناوين التي تجذب المشاهدات وتعد أصحابها بنتائج تبدو وكأنها مضمونة.
الحقيقة أنني لا أصادر آراء أحد، ولا أدّعي أنني العالمة الفاهمة لكل شيء، ولكنني أعلم أن لكل منا تجاربه الخاصة وسماته الشخصية، وأن ما يستطيع أحدنا فعله قد يصعب على الآخر. كذلك، فإن لكل طرف في أي علاقة طبيعته الخاصة، وما يصلح لشخص قد لا يصلح لآخر، بل قد يأتي بنتيجة عكسية. لذلك، لا أعلم كيف يمكن تقديم نتائج موحدة تصلح للجميع!
على سبيل المثال، هناك نصيحة تدعو إلى إقناع العقل الباطن بنسيان رجل تركك ورحل... ولا أعلم كيف لامرأة تعاني من الرفض وكسر القلب أن تقف أمام المرآة وتبتسم وكأن شيئًا لم يحدث، بينما أعماقها مشتعلة بالألم، ثم تقنع نفسها بأنها سعيدة وأن ما حدث لم ينتقص من قيمتها شيئًا.
وفي المقابل، هناك نصائح موجهة للرجل تدعوه إلى تجاهل المرأة حتى تشتاق إليه، وكأن الاشتياق أصبح شيئًا يمكن استدعاؤه بالتجاهل، وكأن العلاقات ساحة لمناورات نفسية، على كل طرف فيها أن يخفي مشاعره ويختبر مشاعر الآخر حتى لا يبدو أكثر احتياجًا أو تعلقًا... لا أفهم لماذا نلجأ إلى إثارة القلق في نفوس من نحب، ونعتبر التجاهل وسيلة لجذبهم، بينما أبسط ما تحتاجه العلاقات هو الوضوح والصدق. فهل أصبح التعبير عن الاهتمام ضعفًا، وأصبح التجاهل دليلًا على القوة؟ وأي علاقة تلك التي تحتاج إلى ألعاب نفسية حتى يشعر أحد أطرافها بقيمته لدى الآخر؟ فالحب ليس مباراة يتعين على أحدنا أن يتقن فيها فن الغياب حتى يفوز باهتمام الآخر.
فالفراق ليس مجرد غياب عابر، بل هو غياب إنسان كان يلازمنا طوال الوقت، في أبسط الأشياء وأعمق التفاصيل؛ بدايةً من «صباح الخير»، وصولًا إلى رنة هاتف نهرع إليها سريعًا، لعلّ الشخص الذي غاب يعود إلينا.
إنه زلزال يهزّ طمأنينة الأيام المعتادة، ويترك الإنسان يحاول إعادة ترتيب نفسه وسط الحنين... وحين نمر بهذه التجربة، لا نكون بحاجة إلى من يخبرنا كيف نمشي باستقامة، ولا إلى من يعيرنا وجوهًا مستعارة لنجتاز بها الأيام... نحن فقط بحاجة إلى أن نعيش الوجع بكامل تفاصيله، أن نبكي إن أردنا، وأن نصمت إن عجز الكلام، وأن نمنح أنفسنا الحق في الحزن بلا خجل، وبلا شعور بالتقصير لأننا لم نتجاوز بالسرعة المطلوبة.
إن الوقت الذي يأخذه القلب ليتعافى ليس هدرًا، بل هو مساحة ضرورية لترميم الروح على مهل... دعوا الأرواح تتألم وتلتئم بطريقتها الخاصة، بعيدًا عن ساعات الحائط وأحكام الآخرين.
أما أن يتحول الوجع الإنساني إلى محتوى تُقدَّم فيه وصفات جاهزة للتعافي، وكأن القلوب تتشابه في انكساراتها، وكأن لكل جرح عددًا محددًا من الخطوات حتى يلتئم، فهنا تصبح النصيحة عبئًا آخر على من يتألم. ليس من حق أحد أن يحدد للآخر متى يحزن، ومتى ينسى، ومتى يصبح قادرًا على البدء من جديد.
فليتوقف بعض صُنّاع محتوى العلاقات عن التعامل مع القلوب وكأنها تجارب قابلة للتكرار، وعن بيع الأمل في صورة وصفات مضمونة؛ فالعلاقات أكثر تعقيدًا من أن تُختصر في دقائق، والتعافي أصدق من أن يتحول إلى خطوات محفوظة.. ليس كل من أتقن الحديث عن الوجع يعرف كيف يداويه، وليس كل ما يجذب المشاهدات يصلح لأن يكون نصيحة.
--------------------------------
بقلم: أسماء حامد






