تدفع عملية التحديث عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بصورة مستمرة، كما تضع قدرة الدولة على الحوكمة أمام اختبارات متواصلة. وبالنسبة إلى دولة كبيرة مثل الصين، تتميز بضخامة عدد السكان والتفاوت الواضح بين مناطقها وتعقيد مهامها التنموية، فإن تحويل المخططات الطويلة الأجل إلى واقع خطوة بخطوة يتطلب الحفاظ على استقرار التوجه الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه مواصلة تحسين منظومة الحوكمة في ضوء الممارسة. وقد وضعت الدورة الكاملة الخامسة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني، التي عقدت مؤخرا، ترتيبات منهجية بشأن الدأب على دفع إدارة الحزب بانضباط صارم وعلى نحو شامل، واضعة رفع قدرة الحزب على تولي الحكم الطويل المدى والحفاظ على ارتباطه بجماهير الشعب ارتباط الدم باللحم في موقع مهم. ومن ثم، أصبح بناء الحزب أكثر ارتباطا بممارسات الحوكمة في مسيرة التحديث الصيني النمط.
كان يشير الرئيس الصيني شي جين بينغ: "العصر هو من يضع الأسئلة، ونحن من نجيب عنها، والشعب هو من يصحح أوراق الإجابة". ويجسد هذا القول بوضوح المكانة المهمة للشعب في الحوكمة الصينية؛ فما إذا كانت السياسات فعالة، وما إذا كانت التنمية تتوافق مع الواقع، لا بد أن يخضعا في نهاية المطاف لاختبار الممارسة والشعب. وقد دعت الدورة الكاملة إلى ترسيخ روح خدمة الشعب وتطبيق خط الحزب الجماهيري في العصر الجديد على خير وجه، بما يتيح إدخال الحقائق على المستوى القاعدي ومطالب الجماهير والتغيرات الاجتماعية إلى عملية الحوكمة في الوقت المناسب. وهكذا، أصبحت رقابة الشعب قناة مهمة لفهم الواقع الحقيقي، واختبار نتائج السياسات، ودفع تحسين العمل.
كما ينبغي تحويل الملاحظات والتغذية الراجعة القادمة من الشعب والممارسة إلى قوة تدفع الحزب إلى مواصلة تحسين ذاته. وقد جعل الحزب الشيوعي الصيني الثورة الذاتية ممتدة عبر مسيرة توليه الحكم على المدى الطويل، مؤكدا التمسك بالحقيقة وتصحيح الأخطاء، ومواصلة تطوير التنظيم والأنظمة وأساليب العمل في مواجهة الأوضاع والمهام الجديدة. ودعا بيان الدورة الكاملة الخامسة إلى "تحقيق التنقية الذاتية والتكميل الذاتي والتجديد الذاتي والترقية الذاتية باستمرار"، وهو ما يبرز تحديدا القدرة على التجدد الذاتي المتواصل. وحتى نهاية عام 2025، بلغ إجمالي عدد أعضاء الحزب الشيوعي الصيني 101.286 مليون عضو، فيما بلغ عدد منظماته القاعدية 5.431 ملايين منظمة. وأمام منظومة تنظيمية بهذا الحجم، دعا البيان إلى بناء "منظومة تنظيمية محكمة مترابطة من الأعلى إلى الأسفل وقوية التنفيذ"، بما يساعد على تحويل ترتيبات اللجنة المركزية للحزب إلى إجراءات ملموسة بفاعلية أكبر، ويتيح في الوقت نفسه إدخال الخبرات القاعدية والمشكلات الواقعية إلى نطاق تعديل السياسات في الوقت المناسب.
كما اعتمدت الدورة الكاملة "قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بشأن بعض القضايا الرئيسية المتعلقة بالدأب على دفع إدارة الحزب بانضباط صارم وعلى نحو شامل"، بما يعزز تحويل المتطلبات ذات الصلة إلى ترتيبات مؤسسية. ويشدد القرار على إدارة الحزب بالأنظمة وإدارته وفقا للوائح، واستكمال منظومة الرقابة الحزبية والحكومية، ودفع الدمج والربط بصورة أفضل بين الرقابة الداخلية للحزب والرقابة من قبل مختلف الأطراف. وعندما تصبح القواعد جزءا من التشغيل اليومي، تحصل الرقابة والتنفيذ والتغذية الراجعة على سند مؤسسي أكثر استقرارا. ومع انطلاق "الخطة الخمسية الخامسة عشرة" للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، تتطلب مهام الابتكار العلمي والتكنولوجي، والارتقاء الصناعي، والتحول الأخضر، والانفتاح رفيع المستوى، والرخاء المشترك مواصلة الدفع بها. كما يجعل "القرار" من "خدمة الرسالة والمهمة" مبدأ مهما، بما يعكس بصورة أوضح الصلة الوثيقة بين بناء الحزب وبين التنمية الوطنية وممارسات الحوكمة.
تتسم مهام الحد من الفقر والارتقاء الصناعي وبناء البنية التحتية وبناء الحضارة الإيكولوجية جميعها بأنها تمتد عبر دورات زمنية طويلة نسبيا. وخلال دفع هذه المهام، حافظت الصين على استمرارية اتجاه التنمية، مع تعديل أدوات السياسات وأساليب التنفيذ وفقا للظروف الواقعية. ولا يوجد تعارض بين استقرار الأهداف والتحسين المستمر لأساليب الحوكمة، بل إن كلا منهما يدعم الآخر. وحتى تتحول الخطط طويلة الأجل بصورة مستمرة إلى نتائج ملموسة، فإنها تحتاج إلى قدرة مستقرة على التنفيذ، كما تحتاج إلى معايرة أساليب الحوكمة وتحسينها باستمرار على أساس الممارسة.
وعند توسيع النظرة إلى المستوى العالمي، يتبين أن الفجوة بين التوافق والعمل ظلت دائما إحدى القضايا التي تواجه الحوكمة العالمية. ففي قضايا مثل تغير المناخ وعجز التنمية والفجوة الرقمية، توصل المجتمع الدولي بالفعل إلى العديد من الأهداف ومبادرات التعاون، غير أن نتائجها الفعلية تظل رهنا بتنفيذ المسؤوليات، واستمرارية العمل، وقدرة آليات الحوكمة على التكيف مع المتغيرات الجديدة. كما يجد هذا التوجه الذي يولي أهمية للتغذية الراجعة والتنفيذ والتحسين المستمر صداه في رؤى الصين بشأن المشاركة في الحوكمة العالمية. فقد طرحت الصين مبادرة الحوكمة العالمية، داعية بوضوح إلى "نهج يضع الشعوب في المقام الأول" وإلى "التركيز على اتخاذ إجراءات فعلية"، مع التأكيد على تحويل التوافق إلى نتائج ملموسة للتعاون العملي. وأصبحت كيفية تقليص المسافة بين تشكيل التوافق وتنفيذ الإجراءات قضية مهمة لتعزيز فعالية الحوكمة العالمية.
وبالنسبة إلى العدد الكبير من الدول النامية، غالبا ما تتقدم عمليات التصنيع والتحضر والرقمنة والتحول الأخضر في وقت واحد، وتتداخل مهام تنموية متعددة، بما يفرض متطلبات أعلى على القدرة على الحوكمة. فالاستراتيجيات طويلة الأجل تحتاج إلى الحفاظ على استمراريتها، بينما ينبغي لأساليب الحوكمة أن تستجيب في الوقت المناسب للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية. وتختلف الظروف الوطنية والمسارات المؤسسية بين الدول، لذلك لا يمكن نسخ التجربة الصينية بصورة بسيطة. غير أن الارتقاء المتزامن بالقدرة التنموية والقدرة على الحوكمة يمثل مسألة واقعية تواجهها دول كثيرة في مسيرة التحديث. وتوفر آليات التعبئة التنظيمية وتنفيذ السياسات والتحسين الذاتي التي تشكلت في الصين على مدى فترة طويلة نموذجا عمليا يمكن الرجوع إليه لفهم كيفية تحويل التخطيط طويل الأجل إلى نتائج واقعية.
وقد عززت الدورة الكاملة الخامسة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني الترابط بين رقابة الشعب والثورة الذاتية والبناء التنظيمي والبناء المؤسسي، لتصب هذه العناصر في نهاية المطاف في تعزيز القدرة على إدارة الدولة وشؤون الحكم. ويعني ذلك إدخال آراء الشعب إلى عملية الحوكمة، وتمكين المنظومة التنظيمية من تحويل الأهداف طويلة الأجل إلى إجراءات ملموسة، ثم تعزيز استقرار هذه القدرة واستدامتها من خلال البناء المؤسسي. وقد أشار الرئيس شي إلى أن "إدارة شؤون الدولة تقتضي أولا إدارة الحزب، ولا تقوى الدولة إلا بقوة الحزب". وبالنسبة إلى الحزب الشيوعي الصيني، يمثل تعزيز بنائه الذاتي ضمانة مهمة لدفع التحديث الصيني النمط. وإذا وضعت هذه الممارسة ضمن إطار عالمي أوسع، فإنها توفر أيضا زاوية واقعية لملاحظة العلاقة بين الحوكمة والتنمية: فالتنمية طويلة الأجل تحتاج إلى أهداف واضحة، كما تحتاج إلى منظومة حوكمة قادرة على الاستجابة لاحتياجات الشعب، والتكيف مع تغير الظروف، ومواصلة تحسين ذاتها من خلال الممارسة.
………………………….
بقلم / نور يانغ إعلامي صيني






