لا تقتصر دلالة مشاركة الفلسطينيين في الانتخابات داخل الكيان الإسرائيلي على حجم تمثيلهم في الكنيست أو قدرتهم على التأثير في تشكيل الحكومات، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة التي يواجهونها، وحدود قبولها بوجودهم بوصفهم جماعة وطنية لها حقوق سياسية وقومية. فكلما ارتفع حضور الناخب العربي واتسعت قدرة ممثليه على التأثير، عاد التناقض بين الواقع الديمغرافي الفلسطيني ومشروع الدولة القائمة على ترسيخ هويتها اليهودية إلى واجهة النقاش السياسي.
يمثّل الفلسطينيون داخل الخط الأخضر جزءاً أصيلاً من المجتمع الفلسطيني، وليسوا مجرد كتلة انتخابية يمكن قياس أهميتها بعدد المقاعد التي تحصل عليها. ومع ذلك، فإن المشاركة السياسية، على أهميتها، لا تضمن وحدها تغيير طبيعة النظام أو إنهاء سياسات التمييز والإقصاء. وقد تتحول زيادة التمثيل العربي، بدلاً من أن تدفع نحو الاعتراف المتساوي بالحقوق، إلى مادة تعبئة لدى قوى اليمين التي تنظر إلى الحضور الفلسطيني بوصفه تحدياً ديمغرافياً وسياسياً لمشروع الدولة اليهودية.
من هنا تبرز خطورة الخطاب الذي يصوّر التصويت العربي أو تكتل ممثليه باعتباره تهديداً للدولة. فمثل هذا الخطاب لا يكتفي بالتشكيك في شرعية المشاركة السياسية، بل قد يهيئ بيئة لتبرير إجراءات أشد في مجالات التخطيط والإسكان وتوسيع المستوطنات والبلدات اليهودية، ولا سيما في النقب والجليل، بما يعزز السيطرة على الأرض ويضيّق المجال المتاح للتوسع العمراني العربي. وهنا ينبغي التمييز بين سياسات التهويد والتمييز والإقصاء، من جهة، وسياسة الترانسفير القائمة على التهجير القسري، من جهة أخرى؛ فالأولى لا تعني تلقائياً أن الثانية أصبحت قراراً وشيكاً، لكنها قد تتقاطع معها ضمن تصور أوسع لإعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي.
وعليه، فإن عودة هاجس الترانسفير لا ينبغي التعامل معها باعتبارها نتيجة حتمية لتزايد التصويت العربي، بل باعتبارها احتمالاً يستحق الرصد عندما يقترن الخطاب الديمغرافي بإجراءات عملية تستهدف الوجود الفلسطيني أو تقيّد شروط بقائه. ويصبح السؤال أكثر إلحاحاً عندما تُقدَّم المساواة السياسية باعتبارها خطراً على هوية الدولة، بدلاً من اعتبارها حقاً أساسياً لمواطنيها.
في هذا السياق، يبرز سؤال الدور العربي، ولا سيما الدول التي أقامت علاقات تطبيع مع الكيان الإسرائيلي: هل تستطيع هذه الدول توظيف علاقاتها السياسية والاقتصادية للحد من سياسات الإقصاء والتهجير، أم أن علاقاتها ستبقى منفصلة عن حماية الحقوق الفلسطينية؟ لا تكفي العلاقات الدبلوماسية وحدها لإنتاج التأثير؛ إذ يتوقف ذلك على وجود إرادة سياسية، واستعداد لاستخدام أدوات الضغط، وربط المصالح المشتركة باحترام الحقوق ومنع التهجير القسري.
إن المسألة الأساسية ليست ما إذا كان الناخب العربي قادراً على تغيير موازين القوى داخل الكنيست فحسب، بل كيف يمكن أن يُستقبل حضوره المتنامي لدى القوى التي ترى في التفوق الديمغرافي اليهودي شرطاً لاستمرار مشروعها السياسي. فحين يتحول الوجود الفلسطيني من حقيقة سكانية إلى «مشكلة» في خطاب السلطة، تزداد أهمية مراقبة الانتقال من التحريض إلى التشريع، ومن التمييز إلى الإكراه، ومن السيطرة على الأرض إلى محاولات فرض تغيير سكاني.
الخلاصة: لا يثبت ارتفاع المشاركة العربية أن الترانسفير بات وشيكاً، لكنه يكشف مجدداً التوتر بين الوجود الفلسطيني ومشروع الدولة اليهودية. ويظل الاختبار الحقيقي في طبيعة الإجراءات التي قد تتخذها السلطة رداً على هذا الحضور، وفي قدرة الفلسطينيين على حماية حقوقهم، ومدى استعداد الدول العربية لاستخدام علاقاتها لمنع تحويل القلق الديمغرافي إلى سياسات تهجير وإقصاء.
---------------------------------------
بقلم: العميد الركن نضال زهوي
مدير مركز الدراسات الانتروستراتيجية ـ لبنان






