01 - 11 - 2026

في ساحات الأولياء يتحقق الرجاء

في ساحات الأولياء يتحقق الرجاء

كنتُ قد نويتُ النومَ عصرَ أمس، فالطقس يميلُ للبرودة مع ضغط الرياح المحمل بالأتربة، وفي هذه الليلة ستتأخر الساعة ويطول الليل في ليلة الجمعة الأخيرة من شهر أكتوبر، وأشعر بالتعب الشديد، خاصة أن ترتيباتي التي كنت رتبتها منذ فترة طويلة قد خولف عنها كلها.

ضغط الأولاد وأمهم عليَّ، وألحوا كي نزور المولد ونشتري الحمص والحلاوة والحلويات السنوية المعتادة، وقالت زوجتي: لا تقطع وعداً للأولاد ثم تخلفه، هذا عارٌ إن فعلت مشين.

لم أتحمل أن يأتيني ابني الصغير ويرجوني لتلبية طلبه، وكان قد تخيل خيالات كثيرة حول المولد بطفولته وبراءته، خاصة حين زار بيت جدته وتناولَ بعض الحمص والحلوى والفاكهة عندها، وأخبرته أن هذا كله من المولد ومن بركات سيدنا الشيخ إبراهيم الدسوقي.

قررتُ أن أتحامل قليلاً، فإن الليلة لا تتكرر إلا بعد عامٍ كاملٍ، ولتكن شيئاً من الفلكلور الشعبي العام، والمولد في الأول والأخير هو موروث شعبي يمتد في مصر لما قبل التاريخ، فاليهود لديهم أحبارهم في مصر ويقيمون لهم الموالد، وكذا كبار الرهبان والقديسين من النصارى، وكذا أولياء الله الصالحون من المسلمين وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من ابني فاطمة الزهراء سيدنا الحسن وسيدنا الحسين.

أيكون كل هؤلاء على باطلٍ ويفعلون المنكرَ؟ أليست هذه الموالدُ هي إحياء ذكرى الطيبين والصالحين؟

تحاملتُ على شعوري بالتعبِ، وتغاضيتُ عن قولي السابق برفض الذهاب، وحين قال لي ابني: هل سنزور الولي؟

رقص قلبي فرحاً، وقلت له: نعم.. فإن لم نزُر الأولياء فمن أحق منهم بالعطاء.

حين وصلنا مدينة دسوق بحثنا مدة قصيرة عن مكان نترك فيه السيارة، ومشينا مسافة طويلة حتى استطعنا الوصول إلى ساحة المسجد الإبراهيمي الذي يُعدُّ أكبر مسجد في المحافظة كلها، أكثر من 7 آلاف متر مربع، وقد بناه في البداية شيخُ الإسلام إبراهيم الدسوقي في القرن السابع الهجري للخلوة والعبادة، ثم أمر السلطانُ الأشرفُ قلاوون بتوسعته، ويُعِدُّ الصوفيون شيخ الإسلام إبراهيم الدسوقي أحد الأقطاب الصوفية الأربعة: (عبد القادر الجيلاني(470-561 هـ)، وأحمد الرفاعي (512-578هـ)، والسيد أحمد البدوي (596-675هـ)، وإبراهيم الدسوقي (653- 696هـ)).

انتهينا إلى المسجد بصعوبة بالغة من فرط الزحام، فسبحان مَن جمع كل هذه القلوب على محبة هذا القطب الصوفي الكبير- الذي وُلِدَ وعاش ومات بدسوق، فرفع ذكرها، وأحيا به الله مواتها - يشدون الرحال إليه من كل بقاع الجمهورية، بل ويأتيه الزوار من خارج الجمهورية.

تقتضي آداب الزيارة السلام عليه وقراءة الفاتحة وسورة الإخلاص إحدى عشرة مرة ثم نهبُ ثوابَ القراءة ونورها لروحه الطاهرة، ليزداد وصلنا به، وندعو له بما يفتحُ الله علينا به، ولا نتورط فيما يخالف التشريع الحنيف في آداب زيارة الأولياء والصالحين.

أخبرت زوجتي بآداب الزيارة، ثم فرقتنا أبواب المسجد، فهناك أبواب للرجال وأخرى مخصصة للسيدات، وحين جمعني برحابه قراءة القرآن شعرت بقشعريرة تنتاب أوصالي، وكأني أقرأ لنفسي وأدعو لها بخير عميم يملؤني، وكأن في حضرة الأولياء يتحقق الرجاء، سواء كان الرجاء ملفوظاً أو غير ملفوظ، بل سواء علمته أم جهلته.

محبة غامرة وروحانية مدهشة تزيح النقم وتثبت النعم، وكدت ألا أخرج لولا انتظار أهل البيت في باب السيدات.

خرجت كأني للمرة الأولى أفارق حبيباً حريصاً على فرحي حرصي على حياتي، حريصاً على بهجتي، كما يبتهج الطلاب بالنجاحات.

هنا الله... يسمع الدعاء، ويجيب المضطر إذا دعاه، فالولي حبيب الرحمن، عند ذكره تتنزل الرحمات، فكيف بالمثول بين يديه وهو جمع بين الولاية والكرامة والنسب الشريف العالي؟

أشار الأولاد للحمص والحلويات، وصدق الله تعالى:"ليشهدوا منافع لهم". ففي هذه التجمعات تروج التجارة ويزداد الرزق، وتنهال على الناس العطايا، ويكثر الخير والإحسان البر، ويعيش الناس طقساً كطقوس الأعياد، فيتهادون بالحمص والحلوى المشهورة بها مدينة دسوق.

ثم قررنا زيارة خدمة مولانا الدكتور محمد أبو هاشم، وفي شقته القريبة من المسجد، رأينا مئات الشخصيات العامة والدينية والأفاضل من وجوه الناس، وهذا التعارف وتلك الحفاوة في التسليم والاحترام الشديد في المعاملة مما يزكي فضيلة التواضع ويزكي ركيزة الحب بين الناس، وعلى مائدة الكرم والعطاء والجود نتناول لحوم الخير، ثم تدور الصواني بالقهوة والشاي والحلوى والكثير مما رزق الله أهله به فأجادوا التصرف فيه.

وتلاوةٌ عطرةٌ مباركةٌ لسورة الإنسان:" إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5)"

وقد يكون الشراب للروح لا للجسد فحسب، ثم مدحٌ وإنشادٌ وكلمة علمية رصينة للعالم الرباني الدكتور محمد إبراهيم العشماوي، يتحدث عن فضل الأولياء في الدنيا وبعد موتهم، فهم أهل الشفاعة والانقطاع للطاعة، وقد خصهم الله بمحبته وعداء من يعاديهم، أطنب واختصر، نفحنا بركات روحية عميقة، وتلاه خيرون فضلاء، وكانت الليلة سعيدة، كم كنت أندم لو لم أكن من أحياء تلك الليلة، وحين أدرت محرك السيارة قافلاً من تلك الزيارة المباركة رسخ في يقيني أنه في ساحات الأولياء يتحقق كل رجاء.
----------------------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش


مقالات اخرى للكاتب

في ساحات الأولياء يتحقق الرجاء