31 - 10 - 2026

عز الدين نجيب..حارس الذاكرة البصرية

عز الدين نجيب..حارس الذاكرة البصرية

في مشهد ثقافي واسع ومترامي الأطراف كالمشهد المصري، نادرا ما تتقاطع جلالة المبدع مع صلابة المناضل ورهافة الناقد وحساسية القاص في شخصية واحدة متماسكة الأركان، إلا أن الفنان الراحل عز الدين نجيب (١٩٤٠ - ٢٠٢٣)  ظل طوال مسيرته الممتدة لأكثر من ستة عقود يمثل تلك الحالة الاستثنائية النادرة؛ حالة صهر فيها الإبداع البصري بالالتزام الوطني، والفعل الثقافي الميداني بالتأمل الفلسفي والنقدي، ليكون بحق واحدا من أهم حراس الذاكرة البصرية والهوية الوطنية في تاريخ مصر الحديث. لم يكن عز الدين نجيب مجرد رسام يخطط السطوح التصويرية بالألوان، ولا كاتبا يسرد الحكايات على الورق، ولا ناقدا متعاليا يفكك الأعمال الفنية من خلف برجه العاجي، بل كان مشروعا فكريا وإنسانيا متكاملا، نذر حياته لانحيازات صلبة لا تلين نحو الإنسان البسيط والشرائح الكادحة والريف المصري الذي تشكلت في وجدانه ملامح براءته الأولى، فاستحق أن تظل سيرته وتجربته منارة تضيء دروب البحث عن الجوهر الإنساني الأصيل في الفن والفكر والحياة.

جذور تجربة عز الدين نجيب التشكيلية، التى يعرض بعض منها الآن بقاعة الباب بدار الأوبرا، تضرب في تربة واقعية تعبيرية تحمل في طياتها مسحة رمزية شفيفة، مبتعدة عن محاكاة الفوتوغرافيا أو التقريرية السطحية، لتغوص مباشرة في الأرشيف الشعوري والبصري للقرية المصرية والحارة الشعبية. في أعماله التصويرية، لا نرى مجرد وجوه محفورة بسمرة الشمس وتعب السنين، بل نرى شيوخا ونساء وأطفالا يتحولون تحت فرشاته وكتله اللونية المتينة إلى أبطال ملحميين في دراما يومية صامتة. لقد استطاع أن يوظف درجات الظل والنور بحساسية عالية، مانحا كتل الشخوص والمباني الطينية وزخارف الطبيعة هالة أسطورية تجعل من المألوف أن تراها لوحة مفعمة بالدفء والحميمية. لم تكن اللوحة عنده غاية جمالية مجردة في فراغ، بل كانت وثيقة حية تقاوم الزوال، وتعيد بناء الذاكرة المهددة بالاندثار تحت عجلات التحديث العمراني والمجتمعي المشوه. كان يتناول الكتلة واللون بطريقة تشي بعين فنان يمتلك أدواته الأكاديمية الراسخة، وفي الوقت نفسه بروح شاعر يحول المادة الخام للبيئة الريفية البسيطة إلى ترنيمة بصرية تنطق بالانتماء والأصالة.

وإلى جانب ريشته النابضة، سار القلم جنبا إلى جنب مع الفرشاة، ليكشف عن وجه آخر من وجوه العبقرية الإبداعية عند عز الدين نجيب، وهو وجه الكاتب والقاص والمفكر. لقد أثبت في كتاباته القصصية والأدبية قدرة فائقة على التقاط النبض الإنساني الخفي، متأثرا ببيئته الريفية وملامح صراع الإنسان البسيط مع أقضيته وقدره اليومي. لغته الأدبية جاءت متقشفة، نظيفة من الزخارف الزائدة، لكنها مشحونة بدلالات عميقة وتصوير دقيق لانفعالات النفس البشرية. كانت القصة عنده مساحة للتأمل الفلسفي والتعبير عن التضامن الإنساني مع المهمشين والمقهورين، وهو ذات المنظور الذي امتد ليحكم خطابه النقدي. فحين كتب في النقد الفني، لم ينعزل في أبراج النظريات النخبوية الجافة، بل أسس لخطاب نقدي إنساني اجتماعي يربط المنجز التشكيلي بسياقه التاريخي والوطني. كانت قراءاته للرواد وتيارات الفن المعاصر تمتاز بالعمق والموضوعية والقدرة على تفكيك البناء الجمالي للعمل دون إغفال نبضه الروحي والاجتماعي، فترك للمكتبة العربية دراسات وموسوعات نقدية وتوثيقية تعتبر إلى يومنا هذا مراجع أساسية في تاريخ الفن التشكيلي المصري.

ولم يتوقف عطاء عز الدين نجيب عند حدود محترفه الفني أو صفحات كتبه ومقالاته، بل امتد ليكون مناضلاً ميدانياً ومثقفاً اشتبك بوعي وعزيمة مع قضايا وطنه ومجتمعه. لقد عاش حياته مؤمنا بأن الثقافة ليست ترفا نخبويا، بل هي حق أصيل لكل مواطن على أرض الوطن، وهو إيمان ترجمه عملياً عبر مسيرته الطويلة في مواقع القيادة الثقافية بالجماهيرية والثقافة الجماهيرية، حيث قاد جهوداً تنويرية مضنية لنقل الفن والثقافة إلى الأقاليم والقرى والنجوع النائية. كان يدرك تمام الإدراك أن بناء الإنسان يبدأ من تحرير خياله وتطوير ذائقته الجمالية، فخاض معارك ضارية من أجل استقلال الفن وكرامة الفنانين. وفي هذا السياق، لعب دورا محوريا في تأسيس وإدارة العديد من الكيانات الأهلية والنقابية والروابط الثقافية، مثل آتيليه القاهرة وجمعية نقاد الفن التشكيلي، وكان صوتا جريئا وصادقا يدافع باستماتة عن حقوق الفنانين واستقلال المؤسسات الإبداعية عن الوصاية البيروقراطية. لقد كان مناضلا حقيقيا لا يخشى في الحق لومة لائم، يرى في الكلمة الحرة واللوحة الصادقة أداتي مقاومة ضد قبح الواقع وسلطة الاستهلاك والتهميش.

إن تتبع مسيرة عز الدين نجيب هو في حقيقته تتبع لضمير جمعي لجيل من المثقفين المصريين الذين لم ينفصلوا قط عن هموم وطنهم وأمتهم. لقد استطاع الرجل أن يزاوج بين النقاء الصوفي للفنان وبين صلابة المناضل السياسي والاجتماعي، وأن يوازن بدقة مذهلة بين انشغاله بالصياغات الجمالية الخالصة وبين التزامه الأخلاقي والوطني تجاه قضايا الشعب. رحل عز الدين نجيب تاركا خلفه إرثا ثقيلا ونادرا، يتوزع بين لوحات تنبض بدفء الأرض، وكلمات نقدية وأدبية ترسخ لثقافة الهوية، ومواقف نضالية تظل راسخة في وجدان الحركة التشكيلية المصرية والعربية. إن استعادة تجربته اليوم لا تقتصر على مجرد الاحتفاء برمز راحل، بل هي حاجة ملحة لإعادة اكتشاف المعنى الحقيقي للمثقف العضوي الملتزم، المثقف الذي يجعل من فنه وإبداعه ووجوده كله قضية دفاع مستميت عن جمال الروح البشرية وبساطتها المتمردة على القبح والزيف.
---------------------------------------
كتب - د. سامى البلشي