29 - 10 - 2026

لماذا لا توجد ماكينات للشاي؟

لماذا لا توجد ماكينات للشاي؟

لعقود طويلة ارتبط مزاج المصريين بالشاي، البراد الصاج الأزرق المطلي بالمينا على صينية الإفطار في الأرياف، والاستانلس ستيل أو الصيني على السفرة في البندر. كان بندًا أساسيًا، سادة أو بالحليب، وبينما يجفف رب الأسرة كفيه في فوطة غزل المحلة، قطن بلدنا، بعد الوجبة الدسمة يخاطب ست البيت "ألحقينا بالشاي.. عايزين نحبس". وعلى المقهى تتنوع ألقابه حسب طريقة الإعداد والتقديم؛ شاي بوسطة، وعلى ميه بيضا، وكشري، وفي الخمسينة، وغيرها. طقوس ارتبطت بالريف والمدينة. 

حتى منتصف السبعينيات، قبل الانفتاح، كان يخلط شاي تموين المبروكة مع الجمهورية لتحصل على توليفة تعدل الدماغ، شاي أحمر له رائحة ذكية، يقدم مع مكعبات السكر، وقت ما كان عندنا السكر أشكال وألوان، "من خير بلدنا لإيدين ولادنا".

في النصف الثاني من السبعينيات، دخلت أنواع أخرى من الشاي أشكالاً وألوانًا وتسللت معه "القهوة السريعة" على استحياء، وبدأ مزاج مصر في التحول، على مهل، وبالأحرى على نار هادئة جدًا.

في رحلات السفاري بالصحراء يقدم شاي "الزردة" بلونه شديد السواد في أكواب زجاجية صغيرة، سادة بطعم العلقم لأبناء الصحراء، ومُحلَّى بالسكر للوافدين، أبناء بلد أو سائحين. لا تكاد تفرغ من كوب، حتى تمد يدك طلبًا لكوب آخر. وعادة ما يُعد في براد صاج كبير يوضع على حطب نجمعه من الصحراء، والنار من حوله تطقطق مُعطِرَةً طعمه بنكهة الخشب، تاركة بصماتها الكربونية على غلافه الخارجي. 

تتناوله بعد وجبة غداء، فتشعر فيها أنك تقترب من حياة الرجل الأول على هذه الأرض، حيث الاعتماد على البيئة المحيطة بكل مكوناتها ومفرداتها، تخلط قطع اللحم أو الدجاج مع الأرز وتوضع في إناء واحد، فوق النار، فتسارع حبات الأرز الشرقانة بشرب الماء حتى تنتفخ فتميل على اللحم الذي يتلقاها بحنو ويعطف عليها ببعض الدسم، فيسارع الأرز الغشيم إلى امتصاصه والشرب منه فوق طاقته حتى يَسكر ويكاد يذوب تحنانًا والتصاقًا بقطع اللحم التي استرخت أنسجتها وتمددت واستراحت، فيفسح كل منهما للآخر ويشربا سويًا من عصير الطماطم حتى تحمر عيناهما كالجمر، فإذا ما دُعيت، فلبيت، فشمرت وتناولت لقمة اختلطت عليك الطعوم، وصرت لا تفرق بين الأرز وبهاريز الدسم وحضور البهار الحار. تقضم لحمًا تكاد أنسجته من فرط "حنينها أن تذوبا".

أكلة كفيلة بأن تُقلب "أجعص" أكيل على ظهره ولا أقوى منوم، فإذا ما اكتفيت من هذه الغزوة بما شاء لك الله من غنائم، وأدركت أنك لا تقوى على القيام لغسل يديك، شرعت في انسحاب استراتيجي متكئًا على قبضتيك مقدار خطوة أو خطوتين ذاهلاً بين النوم والغفوة، وليس بين النوم والصحو، فلا محل لصحو هنا، إلى أن تدور أكواب الشاي الزردة فيفك السِحرُ شيئًا فشيئا.

ذكريات.. شردت إليها وأنا واقف أمام إحدى ماكينات القهوة السريعة استعرض قائمتها المتنوعة، وأحاول الإجابة عن سؤالٍ طرق ذهني لساعتها، لماذا لا توجد ماكينات للشاي، أسوة بالقهوة؟ تضغط زرًا فتحصل على شاي سادة، أو بالحليب، أو كَرَكْ على الثقافة الهندية، وآخر للإيرل جراي، الذي أضعه على رأس قائمتي المفضلة، معطرًا بنكهة زيت البرجموت، ولا مانع لمن يرغب من شاي عادل إمام، أقصد الشاي بالياسمين.

لا أعتقد أن المشكلة تكمن في التكنولوجيا، وإنما في اقتصاد الطلب، وارتباط الشاي عند المصريين بالونس والحكي، وهو ما سرقته منه القهوة، ولهذا مقال آخر.
---------------------------------
بقلم:
 د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]



مقالات اخرى للكاتب

لماذا لا توجد ماكينات للشاي؟