دعاني قريبي لحضور المؤتمر الكبير الذي سيُقام في فندق كونراد على كورنيش النيل بالقاهرة، في الثامن من شهر أغسطس للعام 2006م، في العاشرة صباحاً، من باب الفضول فقط لبيتُ تلك الدعوة الكريمة، أعلم أنه كان يحتاج شخصاً يتحدث معه، فمن المؤكد أن هذا المؤتمر سيعجُّ بشخصيات مثقفة تتصارعُ فيما بينها حول هذا العنوان الضخم.
كان العنوان لافتاً ولابد أن يكون المدعوون إليه شخصيات ثرية، حين ولجت باب القاعة التي بها المؤتمر أوقفني الحارس، وطلب مني دعوة الحضور، فقلت له: إن رئيس اتحاد الكتاب المصريين طلب مني التوجه للفندق للمشاركة في أعمال المؤتمر نيابةً عنه، والدعوةُ تمَّ إرسالها إلى الاتحاد، ولم أجد الوقت الكافي لإحضارها. قلت ذلك بثقة شديدة وأخرجت له كارنيه الاتحاد، فأومأ لي بالدخول على مضضِ.
كانت القاعة كبيرة، تضم شخصيات معروفة، كان من بينها الدكتور مصطفى الفقي مستشار الرئيس السابق للمعلومات، والمثقف المعروف وعضو البرلمان عن دائرة دمنهور التي كسب الانتخابات فيها ضد مرشح معارض اسمه جمال حشمت، كانت معركته الانتخابية كبيرة، وكان كذلك المثقف الكبير حسين أحمد أمين نجل الأديب الكبير أحمد أمين صاحب موسوعة فجر الإسلام وضحاه وغيرها من الكتابات الهامة، وحسين أحمد أمين كان قد ترجم كتاب نهاية التاريخ وخاتم البشر للفيلسوف الشهير فرنسيس فوكوياما، وعدد من كبار لواءات الداخلية وشيوخ وقساوسة، بحثتُ عن قريبي حتى وجدته منزوٍ في ركن بعيد، ذهبت إليه وبحثت عن كرسي بجواره، بعد قليل وزعوا علينا حقائب جلدية بداخل كل حقيبة أقلام وأدوات مكتبية رائعة، ثم قدموا مشروبات باردة ومياه معدنية من الأنواع الفاخرة.
تحدث منظمو المؤتمر عن عنوان المؤتمر:" حذف خانة الديانة في بطاقة الرقم القومي". باعتباره ضرورة للمواطنة التي تدعو الدولة إليها، فالحياة الحديثة لا تحتمل التفرقة على أسس دينية أو عرقية أو ثقافية أخرى، واستدلوا بتجارب الكثير من الدول المعاصرة، وكيفية تحقيق تلك النهضة الكبرى لديهم بسبب استيعاب المجتمعات لكافة أطياف المجتمع.
ثم أفاض الكثيرون عن حرية الاعتقاد المكفولة في المجتمع المصري، وكيفية احتواء المصريين للوافدين، بل يصل الأمر لانصهار الوافدين في المجتمع ليصبحوا من أفراده ويشكلوا ثقافته الشعبية على مدار الأعوام.
ثم تحدث مندوب وزارة الداخلية، ومندوب الأزهر الشريف وتلاه مندوب الأوقاف، وأفاضوا في حرية الاعتقاد في الإسلام، ولكنه احترز على الردة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، لكن لا يؤمن ثم يكفر؛ لأنه لا تجوز مفارقة الجماعة والارتداد عن الدين بشبهة تشويه هذا الدين.
وتحدث مندوب الكنيسة، وكان رجلاً وقوراً اجتهد كثيرا في تحضير كلمته، ورفض مندوب الجالية الطائفة اليهودية التحدث.
ثم أخذنا استراحة لتناول الغداء، كانت الموائد عامرة بشتى صنوف الطعام: لحوم وأسماك وقشريات، انكببتُ على الجمبري الجامبو فتناولت منه الكثير، ولم أهتم باللحوم لوفرتها في غير هذا المحفل قياساً بالجمبري وخاصة هذا النوع الفاخر.
احتسينا الكثير من المشروبات وتناولت بعض الحلوى تخفيفاً لأثر الفسفور، عملاً بالقول المأثور إذا أسمكتم فأبلحوا.
وبينما تمتد فترة الاستراحة وقفت أتحدث مع الطبيبة الجميلة نجمة هذا اللقاء، كانت تشعُ نوراً وبهجةً وكأنها سماءٌ وحدها في عالم من الخراب، امرأةٌ لا تكفيها مدائحُ الشعرِ العربي كله ولا غزله في وصف بهجتها وطلعتها.
عرَّفتها بنفسي بوصفي من قرية من شمال مصر، ولي تأثير كبير فيها على الناس، كدت أقول لها أنا عمدة قريتنا، والسيف القاطع فيها والناس لي تبع، فحدثتني عن أنها الجيل الخامس في مصر من البهائيين، وأن عددهم في مصر يزيد عن العشرين ألفاً، وكلهم شخصيات ذات ثقل علمي وعملي، وكلهم ناجحون، وأنهم يؤمنون بإله واحد خالق الكون، ويؤمنون بالرسل كافة حسب تطور البشرية، ويرون الإيمان بتقديس الرقم 19، ونقسم السنة إلى 19 شهراً كل شهر 19 يوماً.
كان الحديث بيننا يتدفق بسلاسة، وكانت تقترب مني وأشمُّ منها عطراً هادئاً لكنه يتسلل إلى الوجدان والروح، وأكاد أحتضنها لفرط بهجتها وجمالها.
وبعد قليل قطع حوارنا أحد المنظمين الذي طلب من الجميع الجلوس استعداداً لاستئناف المؤتمر، ناداني شخص لا أعرفه، كان يجلس إلى جوار قريبي، وسأله عني فأخبره عن اسمي ووظيفتي ومستواي العلمي والثقافي، فقال لي: هل تعرفها؟
قلت له: نعم.
سألني: هل هي متزوجة؟
أجبت: كلا... لم تتزوج.
قال وهو يتنهد: لو لم تكن كافرة هذه البلطية، لتزوجتها الليلة ودخلنا في أفخم جناح في هذا الفندق، والأزهر كله والأوقاف بل والكنيسة كلهم شهود على هذا الزواج، إنها جميلة جدا، خسارة تكون كافرة، وخسارة أكبر تكون دون زوج، هل مات الرجال في مصر، والله العظيم كل تخاريف الأديان سببها الجوع الجنسي لدى النساء.
نظر قريب نحوي وقال: هل هي مسلمة أم كافرة؟
أجبت قائلاً: هي بهائية.
قالا في نفس واحدٍ: يعني كافرة.
ثم تنهد الرجل العملاق وقال بحسرة: يا خسارة.
جلست جوار قريبي وسألته: من هذا؟
قال: سكرتير رئيس الجامعة.
قلت له: ويتمنى هذه البهائية؟
قال: هي مهرة عالية لكن الحلو لا يكمل أبداً.
قلت له: خسارة فلوسهم التي ضاعت على هذا المؤتمر.
قم قمت وتركت الحقيبة والأدوات التي بها، وخرجت، وأنا أقول: لو لم تكن كافرة كانوا تزوجوها، لم يرَوا فيها سوى أنوثتها، وهم صفوة القوم، لم تتغير البشرية قيد أنملة.
وماذا كنت أفعل أنا لو لم تكن كافرةً؟
------------------------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش






