03 - 11 - 2026

الهوية والانتماء الدينى (٢)

الهوية والانتماء الدينى (٢)

قلنا فى المقال الأول (الهوية والانتماء الدينى) أن الهوية المصرية هى مركب حضارى متطور ومتقدم يستفيد من كل ماهو ايجابى ومؤثر من الحضارات الأخرى التى تعاملت معها الحضارة المصرية. ولذا فهذا المركب الحضارى أصبح وحدة واحدة لا تتجزأ، فالمركب ليس سبيكة وليس أعمدة منفصلة تحمل سقفا ولكنه هوية واحدة متعددة المصادر فهى الوحدة فى التعددية. وهذه الهوية ومنذ البداية تمثل حائط الصد أمام كل المحاولات الاستعمارية التى تريد دائما اختراق هذا المكون وإسقاطه حتى تفقد مصر حصنها الحصين الباقى طوال التاريخ والصامد طول الأزمان. نعم ومنذ القرن التاسع عشر وهناك حوارات ومداخلات حول الهوية المصرية. هل هى الفرعونية أم القبطية أم اليونانية الرومانية أم الإسلامية. الخ. 

وكان هذا الحوار على أرضية حضارية ثقافية أثرت الحياة الثقافية. ولكن واه من ولكن.. وبعد سيطرة المناخ الطائفى على الأجواء مما فتح الباب أمام تيارات دينية ظلامية وهابية فرضت أفكارا وسلوكا وممارسات وعادات وتقاليد تخص الزمان والمكان لمنطقة جغرافية لا علاقة لها بالمناخ والعادات المصرية ولا بالتدين المصرى الوسطى السمح ولا علاقة لها بصحيح العقيدة. فالعقيدة الدينية بمفهومها الروحى لا علاقة لها بالعادات والتقاليد لكل بلد. العقيدة عامة لكل المتدينين والعادات والتقاليد تخص الجوانب الاجتماعية والعادات والتقاليد المحلية. هذا المناخ أفرز سلوكا طائفيا بين المواطنين المصريين المسلمين والمسيحيين. فكان الفعل ورد الفعل حول التمسك لكل منهم بالثقافة الخاصة إسلامية أو مسيحية وتم الخلط بينها وبين العقيدة، وكأن هذه الثقافة الخاصة هى صلب العقيدة. وظهر هذا السلوك الطائفى فى إطار الهوية المصرية. فأخذ كل طرف يعتبر أن الهوية المصرية هى ملكية خاصة له دون الآخر!! فوجدنا البعض من المتطرفين المسيحيين ولهم أتباع فى الخارج يدعمون ويريدون ذلك يقولون إن مصر فرعونية وان الأقباط هم الامتداد الطبيعى لهذه الفرعونية، حيث أنهم هم المصريون الاصلاء والمصرى المسلم غير مصرى، فهم وافدون مع الإسلام والعرب! إذن فهو محتل! هنا وجدنا بعض هؤلاء الحالمين والخياليين يسيرون فى غيهم ويطالبون فيما بينهم وفى الخارج للأسف الشديد. بماذا يطالبون ويتوهمون؟ يطالبون بعودة اللغة القبطية بدلا من اللغة العربية! يقولون لابد من عودة الفن والثقافة والتراث القبطى بدلا من سيطرة الثقافة والتراث الاسلامى!! ويطرحون مثل هذه الترهات والأحلام الكاذبة.

أما فى الجانب الآخر فلا يتم طرحا نظريا، بل يتم ممارسة وسلوكا عمليا، فالمسلم المتطرف والذى يفتخر بانتسابه لجغرافية الجزيرة العربية خلطا بين الإسلام كدين عالمى   جاء لكل العالمين، وبين منطقة جغرافية بزمانها ومكانها وعاداتها وتقاليدها! ويعتبرون أن المواطن المصرى المسيحى كافر، وأن كل ماهو قبل الاسلام وقبل مجيء عمرو بن العاص كفر فى كفر، ولا بد من معاملتهم معاملة الجاهلية قبل الاسلام!! ولذا فمصر إسلامية ولا مكان فيها لغير المسلمين!!

هذا هو الوضع المزرى الذى وصلنا إليه وعلى حساب اللحمة الوطنية وهم لا يعلمون أن هذا هو الطريق الوحيد الذى يريده ويتمناه كل المتربصين بالوطن وكل من لا يريد سلامة هذا الوطن الجميل . سنواصل للرد على هؤلاء وهؤلاء تاريخيا وعقيديا ومصيريا. حفظ الله مصر وشعبها العظيم.
---------------------------
بقلم: جمال أسعد


مقالات اخرى للكاتب

أصحاب الحق الحصرى للوطنية