03 - 11 - 2026

الانتخابات الإسرائيلية وتعقيدات النظام السياسي: هل حقق نتنياهو ما أراد بدعم ترامب؟

الانتخابات الإسرائيلية وتعقيدات النظام السياسي: هل حقق نتنياهو ما أراد بدعم ترامب؟

- قراءة سياسية في حسابات تشكيل الحكومة ودور الصوت العربي ومستقبل المنطقة والقضية الفلسطينية.

لم تكن الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في السابع والعشرين من تشرين الأول 2026 مجرد استحقاق ديمقراطي لتحديد هوية الحكومة المقبلة بل جاءت في ظل أزمات سياسية وأمنية متراكمة وانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي وتداعيات الحروب التي شهدتها المنطقة فضلاً عن الضغوط الدولية والتحديات القضائية التي تواجه بنيامين نتنياهو.

وفي ضوء النتائج الأولية والتقديرات التي أعقبت إغلاق صناديق الاقتراع تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد فوز حزب أو تراجع آخر إذ لم يتمكن أي من المعسكرين المتنافسين من حسم الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة والمحددة بـ 61 مقعداً من أصل 120 في الكنيست.

وهنا يبرز السؤال المركزي: هل نجح نتنياهو في تحقيق ما أراده مستفيداً من الدعم الأميركي الذي حظي به حتى وإن لم يتمكن معسكره من ضمان الأغلبية المطلوبة؟

*أولاً: معضلة تشكيل الحكومة حين لا تكفي صدارة الانتخابات*.

إن تصدّر حزب الليكود وحلفائه النتائج الأولية لا يعني تلقائياً أن نتنياهو أصبح صاحب الحق الحصري أو الحتمي في تشكيل الحكومة فالنظام السياسي الإسرائيلي يقوم على التمثيل النسبي والتحالفات البرلمانية ويمنح رئيس الدولة صلاحية تكليف الشخصية التي يرى أنها الأقدر على تشكيل حكومة تحظى بثقة الكنيست بعد مشاورات مع الكتل المنتخبة و بحسب القواعد المعمول بها يحصل المرشح المكلّف في البداية على 28 يوماً لتشكيل الحكومة مع إمكانية تمديد المهلة 14 يوماً إضافياً وإذا تعذّر عليه ذلك تنتقل العملية إلى مراحل أخرى قد تتيح لمرشح بديل فرصة المحاولة قبل الوصول إلى احتمال إجراء انتخابات جديدة.

وعليه فإن صدارة الليكود إن تأكدت في النتائج النهائية تمنح نتنياهو ورقة سياسية مهمة لكنها لا تضمن له تشكيل الحكومة ولا تحسم مسبقاً هوية الشخصية التي سيكلّفها الرئيس الإسرائيلي بهذه المهمة فالمشكلة الأساسية تكمن في قدرة نتنياهو على جمع العدد الكافي من المقاعد خلف ائتلاف متماسك في ظل تباينات حادة بين القوى السياسية وصعوبة التوفيق بين مطالب الأحزاب الدينية واليمينية المتشددة من جهة وحسابات الأحزاب الأخرى من جهة ثانية.

*ثانياً: ماذا يستطيع نتنياهو أن يفعل خلال مهلة تشكيل الحكومة؟*

إن المهلة الممنوحة لتشكيل الحكومة ليست مجرد إجراء دستوري بل مساحة واسعة للمناورة السياسية والتفاوض وقد تتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب التحالفات وتغيير موازين القوى وفي هذا السياق يمكن وضع عدد من السيناريوهات المحتملة أمام نتنياهو:

1- استقطاب شخصيات وأحزاب من المعسكر المعارض قد يحاول استمالة بعض النواب أو الكتل التي لا تنتمي إلى معسكره من خلال التفاهمات السياسية والحقائب الوزارية والاتفاقات المتعلقة بالأمن والاقتصاد والقضاء.

2- الدفع نحو حكومة وحدة وطنية قد يلجأ إلى طرح حكومة وحدة وطنية أو محاولة فرضها تحت ضغط التطورات الأمنية باعتبارها مخرجاً من حالة الانسداد السياسي غير أن نجاح هذا الخيار يبقى مرتبطاً بمواقف خصومه وشروطهم وليس بقرار نتنياهو وحده.

3- توظيف التصعيد الأمني في الحسابات السياسية لا يمكن استبعاد أن تؤثر التطورات العسكرية والإقليمية في مسار المفاوضات الحكومية أو أن يُستخدم خطاب التهديد الأمني لتوحيد القاعدة اليمينية وحشد الدعم الشعبي أما الذهاب إلى مواجهة عسكرية جديدة مع إيران أو لبنان فلا يجوز اعتباره نتيجة حتمية للانتخابات أو مجرد أداة مضمونة لتشكيل الحكومة بل يظل احتمالاً خطيراً تحكمه حسابات عسكرية وسياسية وإقليمية معقدة.

4- تعطيل البدائل أو الذهاب إلى انتخابات جديدة إذا فشلت محاولته فقد يسعى نتنياهو إلى منع خصومه من بناء ائتلاف بديل أو يراهن على أن استمرار الانسداد السياسي سيقود إلى انتخابات جديدة على أمل تغيير موازين القوى لمصلحته.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو هل تستطيع إعادة الانتخابات أن تمنح نتنياهو ما لم تمنحه إياه الانتخابات الحالية؟ أم أن تكرار الاستحقاق سيعيد إنتاج الأزمة ذاتها وربما يفاقم الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي؟

*ثالثاً: الصوت العربي قوة انتخابية لا يمكن تجاهلها*

من أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها في هذه الانتخابات الدور الذي أدّاه الناخبون العرب في ظل الدعوات إلى المشاركة الواسعة لمنع تجديد ولاية حكومة نتنياهو اليمينية فقد أشارت التقديرات الأولية إلى ارتفاع في المشاركة العربية وإلى إمكانية حصول الأحزاب العربية على كتلة برلمانية مؤثرة ومع ذلك ينبغي التمييز بين حجم التمثيل العربي وبين القدرة الفعلية على التأثير في تشكيل الحكومة لأن ذلك يتوقف أيضاً على مواقف الأحزاب الصهيونية المعارضة ومدى استعدادها للتعاون مع الكتل العربية.

وهنا تبرز مفارقة سياسية واضحة فالصوت العربي يمكن أن يكون حاسماً في الحسابات البرلمانية لكنه يصطدم بقيود سياسية وأيديولوجية تضعها قوى إسرائيلية ترفض الاعتماد على الأحزاب العربية لتشكيل الحكومة.

ومن المهم أيضاً عدم التعامل مع ارتفاع المشاركة العربية باعتباره ظاهرة مضمونة التكرار في أي انتخابات مقبلة فمستوى المشاركة يتأثر بعوامل عديدة من بينها قدرة الأحزاب العربية على توحيد خطابها ومدى ثقة الناخبين بجدوى مشاركتهم وطبيعة المنافسة الانتخابية والحملات التي قد تخوضها الأحزاب الإسرائيلية لحشد قواعدها وعليه فإن دور الصوت العربي لا يتوقف عند عدد المقاعد التي يحصدها بل يمتد إلى قدرته على فرض قضايا المواطنين العرب على جدول الأعمال السياسي والتأثير في التوازنات التي تحكم تشكيل الحكومات الإسرائيلية.

*رابعاً: هل يشكل الدعم الأميركي ضمانة لنتنياهو؟*

لا يمكن فصل الانتخابات الإسرائيلية عن طبيعة العلاقة مع الإدارة الأميركية ولا عن الدعم السياسي والاستراتيجي الذي حظيت به حكومة نتنياهو خلال السنوات الماضية غير أن الدعم الأميركي مهما بلغت أهميته لا يستطيع وحده معالجة التناقضات الداخلية في النظام السياسي الإسرائيلي ولا يمنح أي حزب أغلبية برلمانية لا يملكها فالمعادلة الداخلية لها حساباتها الخاصة وقد تتعارض أحياناً مع الرهانات الخارجية.

ومن هنا فإن تقييم نتائج الانتخابات لا ينبغي أن يقوم فقط على حجم الدعم الذي تلقاه نتنياهو من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بل على مدى قدرته على تحويل هذا الدعم إلى مكاسب سياسية داخلية وإلى ائتلاف حكومي قادر على الاستمرار  و هل الدعم الأميركي سيمنح  نتنياهو هامشاً أوسع للمناورة أم أن الانقسام الداخلي سيظل العائق الأساسي أمامه؟ هذا سؤال مفتوح وستتضح إجابته مع تقدم مفاوضات تشكيل الحكومة وظهور النتائج النهائية.

*خامساً: نتنياهو بين حسابات السلطة والتحديات القضائية*

تكتسب معركة تشكيل الحكومة أهمية إضافية في ضوء التحديات القضائية التي يواجهها نتنياهو إلى جانب الضغوط السياسية المرتبطة بمستقبله وموقعه داخل حزب الليكود والمنظومة الإسرائيلية.

ومن هنا فإن الصراع على رئاسة الحكومة لا يتعلق بالسياسات العامة وحدها بل يرتبط أيضاً بمستقبل نتنياهو السياسي وبقدرته على المحافظة على تماسك معسكره وبمدى استعداد حلفائه للاستمرار في دعمه

وقد تدفع هذه الحسابات نحو تشدد أكبر في بعض الملفات أو نحو تقديم تنازلات تكتيكية تفرضها ضرورة تشكيل الحكومة لكن لا يمكن الجزم مسبقاً بأن نتنياهو سيتجه إلى خيار بعينه إذ إن قراراته ستظل مرتبطة بموازين القوى والظروف التي ستتبلور خلال المرحلة المقبلة و الأهم أن أي حكومة إسرائيلية مقبلة ستواجه ملفات ثقيلة تتقدمها الحرب والأمن ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين ومكانة القضاء والخلافات حول التجنيد الإلزامي فضلاً عن الانقسامات الاجتماعية والسياسية الداخلية.

*سادساً: ماذا تعني هذه الانتخابات لمستقبل المنطقة والقضية الفلسطينية؟*

بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني لا تكمن أهمية الانتخابات الإسرائيلية في اسم رئيس الحكومة المقبل وحده بل في السياسات التي ستتبناها الحكومة تجاه الاحتلال والاستيطان والقدس والأسرى وقطاع غزة والضفة الغربية وحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية.

فإذا تشكلت حكومة تستند إلى الأحزاب اليمينية والدينية المتشددة فقد تتجه إلى مواصلة السياسات التي تعطي الأولوية للتوسع الاستيطاني وفرض الوقائع على الأرض وتضع عراقيل إضافية أمام أي مسار سياسي جاد يضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية

أما إذا تشكلت حكومة بقيادة المعسكر المعارض فإن ذلك لا يعني تلقائياً حدوث تحول جذري في الموقف الإسرائيلي من القضية الفلسطينية إذ إن الاختلاف بين الأحزاب الإسرائيلية قد يشمل أساليب إدارة الصراع وأولوياته من دون أن يفضي بالضرورة إلى الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية أو إنهاء الاحتلال وهنا ينبغي ألا تبني القيادة الفلسطينية حساباتها على الرهان على تبدّل الوجوه داخل النظام السياسي الإسرائيلي بل على امتلاك رؤية وطنية موحدة وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتشاركية وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني وتعزيز الحضور الفلسطيني على المستويات العربية والدولية كما أن المرحلة المقبلة تتطلب قراءة دقيقة للتوازنات الإقليمية ولا سيما احتمالات التصعيد مع إيران أو لبنان وانعكاسات أي مواجهة جديدة على قطاع غزة والضفة الغربية واللاجئين الفلسطينيين فالتجارب السابقة تؤكد أن التطورات العسكرية لا تبقى محصورة في حدودها الجغرافية بل يمكن أن تعيد رسم أولويات المنطقة بأكملها.

*خاتمة: انتخابات لم تحسم الصراع على السلطة*

إن المشهد الإسرائيلي بعد الانتخابات لا يقدم حتى الآن إجابة نهائية عن هوية الحكومة المقبلة بقدر ما يكشف عن عمق الانقسام وصعوبة إنتاج أغلبية مستقرة فنتنياهو يمتلك أوراقاً سياسية لكن خصومه يمتلكون بدورهم فرصاً للمناورة فيما يشكل تمثيل الأحزاب العربية عاملاً مؤثراً في الحسابات البرلمانية وإن ظل تأثيره مشروطاً بمواقف بقية القوى السياسية الرافضة اصلا لمشاركة العرب باي حكومة نتيجة الفكر الأيديولوجي للكيان

وعليه فإن السؤال ليس فقط: هل انتصر نتنياهو رغم عدم امتلاكه أغلبية واضحة؟ بل أيضاً هل يستطيع تحويل موقعه الانتخابي إلى سلطة حكومية مستقرة؟ وهل ستقود المفاوضات إلى تسوية داخلية أم إلى مرحلة جديدة من التعطيل وربما انتخابات أخرى؟

أما بالنسبة إلى المنطقة والقضية الفلسطينية فإن التحدي الأكبر يتمثل في كيفية التعامل مع مختلف السيناريوهات الإسرائيلية من دون الوقوع في فخ الرهان على تغيير حكومي لا يضمن بذاته تغيير السياسات فالقضية الفلسطينية أكبر من الانتخابات الإسرائيلية وحقوق الشعب الفلسطيني لا تتوقف على حسابات الائتلافات الحاكمة في تل أبيب وما يحتاج إليه الفلسطينيون اليوم هو وحدة الموقف ووضوح الرؤية واستعادة المبادرة السياسية والتمسك بالحقوق الوطنية الثابتة بعيداً عن أوهام الرهان على التحولات الداخلية في دولة الاحتلال.
------------------------------------
بقلم: يوسف ابو سامر موسى
*باحث وكاتب سياسي – فلسطين

مقالات اخرى للكاتب

الانتخابات الإسرائيلية وتعقيدات النظام السياسي: هل حقق نتنياهو ما أراد بدعم ترامب؟