29 - 10 - 2026

حزب "أنا موش إخوان ولكن.." يدق ناقوس الخطر

حزب

كلما انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي عبارة "أنا موش إخوان ولكن…" تحسست وطني.. فهي عبارة خادعة تمهد لنشر أفكار مضللة ترتدي قناع الحيادية الفكرية والوطنية، لكنها في واقع الأمر تعلن عن ظهور صحوة متجددة ومكشوفة لنشاط حزب “أنا موش إخوان ولكن…”؛ هذا الحزب الذي يتخفى بين صفوفنا ويدعي الوطنية والدفاع عن الحريات، لكنه في واقع الأمر لا يعنيه الوطن بحدوده وسلامة أراضيه، ولا تعنيه حريات الشعب الذي يعيش داخل حدود هذا الوطن.

حزب "أنا موش إخوان ولكن" ما هو إلا جماعات إخوانية أو متطرفة تستخدم التقية لتعيش بيننا وتبث سمومها، منتظرة اقتناص أول فرصة لتعلن عن هويتها الحقيقية. تلك الهوية العقائدية التي تعتبر الوطن أجمع - كما وثّقتها أدبياتهم وصرّح بها مرشدهم الأسبق مهدي عاكف بوضوح لا يدع مجالاً للشبهة - مجرد “حفنة من تراب عفن”. هؤلاء يشكلون طابوراً خامساً شديد الخطورة، يرتدون ثياب المواطن العادي ويتحدثون بلغة الحقوق والديمقراطية، حتى إذا اندلعت شرارة فوضى أو ثورة، سارعوا بالانضمام الفوري إلى جحافل الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة. والتاريخ والواقع يؤكدان حقيقة واحدة: ما دخلت هذه الجماعات في صراع على السلطة أو تمكنت من مقاليد الحكم إلا وكانت السبب المباشر في تفكيك الدولة المترابطة وتحويلها إلى أشلاء.

إن استعراض الخريطة الإقليمية والتاريخ الحديث يكشف بالأرقام والحقائق كيف تحولت مطامع التيارات الدينية في السلطة إلى كوارث وجودية على الشعوب ومؤسسات الدولة الوطنية:

* سوريا… من الاحتجاج إلى التكفير والتقسيم:

لم تسقط سوريا دفعة واحدة، بل جرى تفتيتها وتفريغها منهجياً. بدأت الحكاية بمطالب شعبية ومشروعة، وسرعان ما انتزعت الجماعات الإسلامية المسلحة زمام المبادرة عبر السلاح والتمويل العابر للحدود والفتاوى التكفيرية الجاهزة. أدى دخول هذه الجماعات — وعلى رأسها جبهة النصرة وتنظيم داعش وأحرار الشام — في صراع مسلح مع الدولة المركزية إلى تحويل البلاد إلى مسلخ مفتوح وسوء توزيع للسيادة. والنتيجة بعد أكثر من عقد: مقتل نصف مليون إنسان، وتشريد أكثر من 12 مليون سوري بين نازح ولاجئ، وتدمير أكثر من 60% من البنية التحتية، وتقسيم الأرض إلى مناطق نفوذ تتنازعها الميليشيات والمشاريع الأجنبية.

* ليبيا… غياب الدولة وسيادة الميليشيات:

عقب عام 2011، لم يسقط النظام الفردي فقط، بل جرى تجريف مفهوم الدولة المركزية وتفكيك مؤسساتها الأمنية لحساب الميليشيات والمجموعات المؤدلجة. وظفت الجماعات المتطرفة المال والسلاح لفرض سيطرتها على المفاصل الاقتصادية والمطارات والمنافذ، معلنةً عن إمارات إرهابية في سرت ودرنة (داعش وأنصار الشريعة)، ومغذيةً الانقسام السياسي والمؤسسي بين الشرق والغرب. تحولت ليبيا من دولة ذات سيادة إلى مراكز قوى مسلحة تتصارع على عوائد النفط، وحرم المواطن الليبي من الأمن والاستقرار وسط اقتصاد متهالك وسلاح منفلت.

* العراق… الطائفية وانهيار البناء الوطني:

عقب سقوط الدولة والمؤسسة العسكرية عام 2003، استغلت التنظيمات الدينية والمذهبية الفراغ الأمني لتكريس نظام المحاصصة الطائفية وصياغة المشهد السياسي على أسس عقائدية ضيقة بدلاً من الهوية الوطنية الجامعة. هيأت هذه البيئة الخصبة صعود تنظيم القاعدة، والذي تتوج بحلول عام 2014 بسقوط ثلث مساحة العراق (بما فيها مدينة الموصل) بيد تنظيم داعش في أيام معدودة. أسفر الصراع على السلطة والهوية المسلحة عن مئات آلاف الضحايا المدنيين، وملايين النازحين، وتدمير مدن كاملة كالموصل والأنبار، واستنزاف أجيال من ثروات العراق النفطية في حروب الاستنزاف.

* اليمن… الانقلاب على التوافق والتدمير الشامل:

في عام 2014، رفضت جماعة الحوثي نتائج الحوار الوطني المسالم، واختارت فرض مشروعها العقائدي والإيديولوجي بالقوة العسكرية عبر الانقلاب على الساحة الوطنية واحتلال العاصمة صنعاء. فتح هذا الصراع الأبواب أمام فوضى عارمة استغلتها التنظيمات الإرهابية الأخرى كالقاعدة وداعش للتمدد في الفراغ. والنتيجة المباشرة لوصول التيار الديني العقائدي إلى المعادلة السلطوية كانت دفع اليمن إلى أكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث: انهيار كامل للمؤسسات والخدمات، ووقوع أكثر من 80% من الشعب تحت خط الفقر والجوع، وانتشار الأوبئة، وضياع المقومات الأساسية للدولة.

* أفغانستان… النموذج المعملي لاستبداد الجماعات:

رغم بُعدها الجغرافي، تظل أفغانستان التجربة المعيارية الأبرز لتبعات استيلاء الجماعات الإسلامية الراديكالية على مقاليد الحكم. استولت حركة طالبان على السلطة لتلغي مفهوم الدولة الحديثة بالكامل وتستبدله بنظام قمعي يسلب الحقوق الأساسية للمواطنين والنساء، في حين استمر العنف والتفجيرات عبر صراعها المسلح مع تنظيم "داعش - خراسان". أثبتت التجربة الأفغانية أن الجماعات الدينية لا تملك أدوات بناء الدول أو إدارة الاقتصاد، بل تقدم مجتمعات معزولة دولياً تتخبط في الفقر المدقع والقمع الممنهج.

وهنا نعود مجدداً إلى مصر…

إن حزب “أنا موش إخوان ولكن…” الذي يتحرك بيننا يرصد لحظات الضعف والتراجع، ويتحدث بلغة مواربة ومخادعة، منتظراً ثغرة أو فوضى ليعيد سيرة الصراع التي دمرت دول الجوار. هؤلاء ليسوا سوى الامتداد المستتر للتيارات التي تسعى لرهن مقدرات الأوطان لصالح التكفير والتمكين والتنظيم العابر للحدود. فمن سوريا إلى ليبيا، ومن العراق إلى اليمن وأفغانستان، تقف الحقائق التاريخية والأرقام شاهدةً على حقيقة واحدة: من يستغل أزمات الوطن لفرض مشروعه العقائدي لن يبني دولة مؤسسات وقانون، بل سيرسي بنيان مقبرة جديدة.

إن الوطن ليس مجرد "حفنة تراب عفن" كما يروجون في أدبياتهم، بل هو الملاذ والبيت والكيان الجامع الذي لا بديل عنه… ولا يجب أن ينخدع أبناء الوطن أبداً بالشعارات الزائفة، حتى لا يغدو الوطن طعمةً لمن يتربص به ليدفعه نحو الانهيار.
-------------------------------
بقلم: إلهام عبدالعال

مقالات اخرى للكاتب

حزب