بعد أن تكلمنا في المقال السابق عن بيزنس الموالد ممثلًا في صناديق النذور والمقاصير المغلقة التي تخضع لدفاتر حسابات رسمية، والملايين الموجودة بها والتي تقسم وفق نظام معين ولجهات معينة يستفيد بها شيخ المسجد والخليفة والطريقة والطرق الصوفية ووزارة الأوقاف ووزارة الداخلية.
وهذا يجعل من يعين ويعمل في هذه المساجد الشهيرة وكأنه في إعارة ذهبية ويكون ثروة كبيرة في المدة التي يقضيها في مساجد وأضرحة أولياء الدرجة الأولى والثانية وحتى الثالثة، هذا بعكس المساجد العادية التي لا يتقاضى فيها العامل سوى راتبه المعتاد من وزارة الأوقاف دون أي موارد إضافية.
وبعيدًا عن بيزنس النذور، هناك بيزنس آخر كبير حجمه بالمليارات للتجار المستفيدين من هذه الموالد بتوريد السلع للبائعين والمطاعم والمقاهي والألعاب والملاهي وغيرها، لأن الساحة الخارجية للموالد الشعبية في مصر تفتح أبوابها على عالم ضخم يشبه كازينو اقتصاديًا واجتماعيًا هائلًا يتحرك بمليارات الجنيهات على هامش الاحتفالات بالأولياء.
إن بيزنس الموالد ليس مجرد طقوس درويش هائم أو حلقات ذكر، بل هو شبكة أخطبوطية تجارية تتربع على عرشها الطرق الصوفية المختلفة التي يبلغ عدد المسجل منها رسميًا نحو سبع وسبعين طريقة رئيسية تتفرع منها مئات الزوايا، إضافة إلى الطرق غير المسجلة التي تنشط في القرى والنجوع وتعتمد على تبرعات المريدين وهبات الأعيان دون رقابة مالية صارمة تحاسب أين تذهب هذه الأموال وكيف تُنفق.
فالطرق الصوفية تعتمد على أموال تبرعات بالملايين من المريدين من رجال الأعمال وكبار رجال الدولة وكذلك من المواطنين الغلابة، حيث يتصور المريد أن الأموال التي يتبرع بها لشيخ طريقته أن هذه الأموال تدخله الجنة بعد رضا الشيخ عليه، لذا ما ضير التبرع بقليل من الأموال التي يمتلكها ليضمن له مقعدًا في الجنة بكل سهولة طالما الموضوع يبدو هكذا، وهناك آخرون يتبرعون من أجل الوجاهة الاجتماعية وحجز موقع متقدم في الدوائر النافذة.
ولا ننكر أن هناك متبرعين يفعلون ذلك من أجل الرغبة في مساعدة الفقراء وإطعامهم ونيل بركة دعائهم، ولكن تكمن المشكلة الكبرى في أنه لا يوجد رقيب صارم على هذه التبرعات وكيف يتم صرفها وهي بالملايين، بل تصل أحيانًا إلى المليارات بسبب تعدد الطرق الصوفية وانضمام المشاهير لها من وزراء ورجال أعمال وفنانين وتجار، مما يجعل هذه الخزائن المفتوحة تدار بمعزل عن الحساب المالي الدقيق.
ولا تقف ماكينة الأموال عند حدود الطرق الصوفية، بل تمتد لتشمل بيزنس المقرئين والمنشدين الكبار الذين يحيون ليالي الموالد بأسعار فلكية تصل إلى مئات الآلاف في الليلة الواحدة، وأشهرهم الشيخ ياسين التهامي وابنه محمود التهامي، يرافقهم عازفو الطبل والمزمار والحكاؤون بالربابة الذين يتقاضون أجورًا باهظة نظير سهراتها الفنية والروحية.
وإلى جانبهم ينشط قطاع الخدمات والإيواء بتأجير الشقق والغرف للمريدين، وتأجير "الخدمات" والمضيفات، والرسوم الباهظة التي تحصلها المحليات عن نصب الشوادر، إضافة إلى أرباح موردي الأطعمة الهائلة من خضار وأرز ولحوم وشاي وسكر وزيت. كما يحقق بياعو الحلوى كالمشبك والبسبوسة، وأصحاب محلات الفول والكوارع والأسماك والمقاهي، وسائقو السيارات والتكاتك أرباحًا موسمية طائلة تعوض جمود العام كله وتشكل رئة اقتصادية لأنشطتهم.
وتتحول الساحات المفتوحة إلى ملاذ لفرق الهواة التي تطرح فنونها من رقص وغناء استعراضي، ومباريات التحطيب الصعيدي الأصيل، ورقص الخيل العربية الأصيلة، وحلقات الذكر الصاخبة التي تُستغل لجذب المصلين والزوار والمتبرعين. إنها منظومة متكاملة تخلط بين الموروث الشعبي والنشاط التجاري العارم الذي يضخ الملايين في أوردة هذا الاقتصاد الموازي المعقد.
----------------------------------
بقلم: محمد عبد الشكور







