29 - 10 - 2026

حين تتمرد الشعوب على اقتصاد السوق

حين تتمرد الشعوب على اقتصاد السوق

- من لولا دا سيلفا إلى بيدرو سانشيز: هل تستطيع إرادة الشعوب إعادة صياغة العقد الاجتماعي؟

ليست عودة اليسار مجرد عودة لأيديولوجيا ظنَّ كثيرون أنها استنفدت تاريخها، بل قد تكون تعبيرًا عن أزمة أعمق في النموذج الذي وعد الإنسان بأن حرية السوق ستقوده إلى الرخاء، فإذا به يجد نفسه أحيانًا أكثر حرية في الاستهلاك مما هو قادر على تحمُّل تكلفته، وأكثر اتصالًا بالعالم مما هو قادر على امتلاك مكان فيه.

ومن البرازيل، حيث يخوض لولا دا سيلفا معركته السياسية والاجتماعية في مواجهة قوى محافظة راسخة، إلى إسبانيا في عهد بيدرو سانشيز، مرورًا بالتجارب الأوروبية التي تبحث عن بدائل لاقتصاد السوق المنفلت، ووصولًا إلى التيارات التقدمية الأمريكية التي يمثل عبدول السيد أحد وجوهها، يبدو المشهد وكأنه يطرح سؤالًا قديمًا بثوب جديد: هل انتهى التاريخ فعلًا بانتصار الرأسمالية الليبرالية، أم أن التناقضات التي حملها هذا الانتصار في داخله بدأت تستدعي مراجعة جديدة؟

غير أن الإجابة العلمية تقتضي التمييز بين ظواهر سياسية ليست متطابقة، فالأحزاب الخضراء، واليسار الاجتماعي الديمقراطي، والاشتراكية الديمقراطية، والتيارات التي تجمع بين المطالب الاقتصادية اليسارية والمواقف المحافظة في قضايا الهوية والهجرة، لا تمثل مشروعًا واحدًا، كما أن صعود هذه التيارات في بلد لا يعني بالضرورة تراجعها في بلد آخر.

لكن اختلاف التجارب لا يلغي وجود سؤال مشترك يتردد في خلفية المشهد كله: إذا كانت الديمقراطية تمنح المواطنين حق اختيار الحكام، فمن يمنحهم القدرة الفعلية على التأثير في القواعد الاقتصادية التي تحدد مستوى معيشتهم ومستقبل أبنائهم؟

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية، ونبدأها أولًا؛ باللحظة التي تنفصل فيها حرية السوق عن وعد العدالة، فمنذ انتصار النموذج الرأسمالي الليبرالي على منافسيه التاريخيين، ترسخت في قطاعات واسعة من الخطاب السياسي فكرة مؤداها أن تحرير الأسواق، وتقليص القيود على رأس المال، وتوسيع المجال أمام المبادرة الخاصة، تمثل الطريق الأكثر فاعلية لتحقيق النمو والازدهار.

وقد حققت الاقتصادات الرأسمالية بالفعل إنجازات هائلة في الإنتاج والتكنولوجيا والابتكار، وأسهمت الأسواق في تحسين مستويات المعيشة في مجتمعات عديدة، وليس من المنهج العلمي إنكار هذه الحقائق أو اختزال الرأسمالية في صورة واحدة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النجاح في إنتاج الثروة إلى افتراض ضمني بأن توزيعها سيجري بصورة عادلة تلقائيًا.

فهل يؤدي نمو الناتج المحلي بالضرورة إلى تحسن حياة كل المواطنين؟ وهل يكفي ارتفاع متوسط الدخل لإثبات أن المجتمع أصبح أكثر عدالة؟ وماذا يعني أن يحقق الاقتصاد نموًا، بينما تتآكل القدرة الشرائية للأسر، وتتزايد صعوبة امتلاك مسكن، ويشعر العامل بأن سنوات عمله لم تعد تضمن له الأمان الذي كان يتوقعه؟

فإن الاقتصاد قد ينجح في زيادة حجم الكعكة، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال من يحصل على أي جزء منها، وهذا هو التمييز الأساسي بين كفاءة إنتاج الثروة وعدالة توزيعها، فالسوق، بوصفه آلية لتنسيق النشاط الاقتصادي، لا يملك بالضرورة آلية داخلية تضمن أن تتناسب المكافآت مع الاحتياجات الإنسانية، أو أن يحصل كل فرد على نصيب عادل من فرص التعليم والصحة والسكن والعمل الكريم.

وقد ترتفع الأرباح، لكن الأجور لا ترتفع بالمعدل نفسه، وقد تتوسع الاستثمارات، بينما تظل المناطق المهمشة خارج دوائر التنمية، وقد تزداد قيمة الأصول العقارية، فيتحول السكن من حاجة إنسانية أساسية إلى أصل استثماري يصعب على قطاعات واسعة امتلاكه، وعندما تتكرر هذه الاختلالات، لا تعود المسألة اقتصادية خالصة؛ إنها تتحول إلى سؤال سياسي وأخلاقي يتعلق بشرعية النظام الاجتماعي نفسه.

فما قيمة اقتصاد يزداد ثراءً إذا كان جزء متزايد من المجتمع يشعر بأنه يزداد عجزًا عن العيش داخله؟ وليس معنى ذلك أن كل تفاوت اقتصادي ظلم، أو أن كل تدخل حكومي يحقق العدالة، بل إن التفاوت حين يتحول إلى حرمان مستدام من الفرص، وحين يصبح النفوذ الاقتصادي وسيلة لإعادة إنتاج الامتيازات، فإنه يهدد الثقة في المؤسسات التي يفترض أنها تمثل المجتمع بأسره، وهنا تجد التيارات اليسارية مساحة لإعادة طرح أسئلتها القديمة، لا باعتبارها بقايا من زمن مضى، بل بوصفها أسئلة لم تحسمها الحداثة الاقتصادية بعد.

ثانيًا؛ اللحظة التي تنتقل فيها الأزمة من الاقتصاد إلى السياسة، فالمواطنون لا يصوِّتون على المؤشرات الاقتصادية المجردة؛ إنهم يصوِّتون، بدرجة كبيرة، على الطريقة التي يعيشون بها نتائج تلك المؤشرات، فقد تعلن الحكومة انخفاض التضخم، لكن الأسرة لا تستعيد تلقائيًا ما فقدته من قدرتها الشرائية خلال السنوات السابقة، وقد تعلن زيادة الاستثمارات، لكن الشاب الذي لا يستطيع دفع إيجار شقة لا يرى في أرقام النمو إجابة عن أزمته، وقد تتحدث الدولة عن تحسن متوسط الدخول، بينما يشعر العامل بأن التزاماته الشهرية تلتهم معظم راتبه.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته فجوة التجربة المعيشية: المسافة بين الصورة الكلية التي تقدمها المؤشرات الاقتصادية، وبين التجربة اليومية التي يعيشها المواطن، وتزداد خطورة هذه الفجوة عندما يشعر الناس بأن المؤسسات السياسية تستجيب بصورة أسرع لمطالب أصحاب النفوذ الاقتصادي من استجابتها لمطالبهم، وعندئذ تتجاوز الأزمة مسألة ارتفاع الأسعار أو انخفاض الأجور؛ إذ تتعلق بمدى شعور المواطن بأن صوته مؤثر، وأن النظام السياسي يستمع إليه، وأن القواعد التي تحكم حياته ليست محصنة ضد المراجعة.

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، لا تنتج الأزمات الاقتصادية بالضرورة تحولًا يساريًا، فقد تدفع بعض المواطنين إلى تأييد اليسار، بينما تدفع آخرين إلى اليمين القومي أو الشعبوي، وقد تؤدي لدى فريق ثالث إلى العزوف عن المشاركة السياسية، إذًا، لماذا تختلف النتائج؟ لأن المعاناة الاقتصادية لا تحدد وحدها تفسير الناس لأسبابها، ولا تحدد الجهة التي يحملونها المسؤولية، فهناك من يرى المشكلة في ضعف الحماية الاجتماعية، وهناك من يراها في الضرائب أو البيروقراطية أو الهجرة أو العولمة، وهناك من يفقد ثقته في الأحزاب كلها.

وبذلك لا تنتج الأزمة الاقتصادية اتجاهًا سياسيًا واحدًا، وإنما تفتح مجالًا للتنافس على تفسيرها وتحديد المسؤول عنها واقتراح العلاج، وهذه نقطة جوهرية: فالذي يحسم اتجاه الغضب الشعبي ليس حجم المعاناة وحده، بل الرواية السياسية التي تمنح هذه المعاناة معنى، وتحدد لها مسؤولًا، وتعرض على أصحابها طريقًا للخروج منها.

ثالثًا؛ بالنظر إلى نموذج لولا دا سيلفا.. فهل تستطيع العدالة الاجتماعية الصمود أمام موازين القوة؟ حيث تقدم التجربة البرازيلية نموذجًا مهمًا لفهم الصراع بين الإصلاح الاجتماعي والقيود السياسية والاقتصادية. فقد ارتبطت تجربة لولا دا سيلفا، منذ ولايتيه الأوليين، بتوسيع برامج مكافحة الفقر، وتعزيز التحويلات الاجتماعية، وتحسين فرص الفئات الأقل دخلًا في الاستفادة من النمو الاقتصادي، وأصبحت هذه السياسات جزءًا مهمًا من هويته السياسية ومن العلاقة التي تربطه بقطاعات واسعة من المجتمع البرازيلي، لكن التجربة تكشف في الوقت نفسه أن الإنجازات الاجتماعية، مهما بلغت أهميتها، لا تنتج بالضرورة استقرارًا سياسيًا دائمًا.

فالبرازيل مجتمع واسع التفاوت، تتداخل فيه مصالح رأس المال والصناعة والزراعة والقطاع المالي والطبقات العاملة والشرائح الوسطى، كما أن الرئيس لا يحكم في فراغ؛ إذ يواجه توازنات البرلمان، ومصالح الأحزاب، والقيود المالية، وتوقعات المستثمرين، واستقطابًا سياسيًا قد يحد من قدرته على تنفيذ برنامجه. وقد أظهرت الانتخابات البرازيلية الأخيرة، التي انتهت بفوز لولا بولاية رئاسية جديدة وفق النتائج المعلنة، أن استمرار التأييد الشعبي لا يعني امتلاك أغلبية تشريعية مريحة أو قدرة مطلقة على تمرير السياسات، بل إن التحديات التي تواجه ولايته المقبلة تكشف عن استمرار قوة المعسكر المحافظ وعن صعوبة التوفيق بين الالتزامات الاجتماعية والقيود المالية.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما تختلط في النقاش السياسي؛ الأول هو النجاح الانتخابي، أي القدرة على الفوز بأصوات الناخبين، والثاني هو النجاح الحكومي، أي القدرة على تحويل الوعود إلى سياسات عامة قابلة للتنفيذ، والثالث هو النجاح البنيوي، أي القدرة على تغيير القواعد التي تعيد إنتاج الفقر والتفاوت والحرمان، بحيث لا تظل العدالة الاجتماعية رهينة شخص الحاكم أو تقلبات الدورة الانتخابية.

وقد ينجح السياسي في المستوى الأول، ويحقق نتائج ملموسة في المستوى الثاني، لكنه يظل عاجزًا عن بلوغ المستوى الثالث إذا لم تتوافر له مؤسسات قوية، وتحالفات اجتماعية مستدامة، وقاعدة إنتاجية قادرة على تمويل التزاماته، وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز شخص لولا نفسه: هل تستطيع حكومة يسارية توسيع العدالة الاجتماعية من دون بناء اقتصاد قادر على تمويلها؟ وهل تستطيع حماية الفئات الفقيرة من دون معالجة مصادر التفاوت التي تعيد إنتاج الفقر؟

إن التحويلات النقدية وبرامج الدعم ضرورية في مجتمعات كثيرة، لكنها لا تكفي وحدها، فالعدالة المستدامة تحتاج أيضًا إلى تعليم جيد، ورعاية صحية فعالة، وإنتاجية أعلى، وفرص عمل لائقة، ونظام ضريبي عادل، ومؤسسات تمنع تحول الامتياز الاقتصادي إلى سلطة سياسية مغلقة، ومن هنا فإن اختبار التجربة اليسارية لا يكمن في مقدار ما توزعه اليوم فحسب، بل في قدرتها على بناء مجتمع أقل احتياجًا إلى المعونات غدًا.

رابعًا؛ بيدرو سانشيز وأزمة السكن.. حيث تقدم إسبانيا نموذجًا آخر، حين لا تكفي الإصلاحات الاجتماعية، فهو مختلف في تفاصيله، لكنه يلتقي مع التجربة البرازيلية في سؤال العلاقة بين السياسات الاجتماعية وموازين القوة. حيث ارتبطت حكومة بيدرو سانشيز بإصلاحات في سوق العمل وتدابير اجتماعية تستهدف تحسين أوضاع العاملين وتعزيز الحماية الاجتماعية، لكن هذه السياسات لم تُنهِ التحديات التي تواجه قطاعات واسعة من المجتمع الإسباني، وعلى رأسها صعوبة الحصول على سكن ميسور التكلفة في مناطق عديدة.

وهنا تكمن مفارقة سياسية بالغة الأهمية، فقد تنجح الحكومة في تحسين بعض شروط العمل، بينما تتآكل الفائدة التي يحصل عليها المواطن من هذا التحسن بسبب ارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة، وقد يرتفع الحد الأدنى للأجور، لكن الزيادة لا تمنح العامل بالضرورة قُدْرة أكبر على الاستقلال السكني إذا ارتفعت تكلفة المسكن بوتيرة أسرع.

إن أزمة السكن ليست مجرد مشكلة عقارية؛ إنها أزمة في توزيع الفرص وفي قدرة الأجيال الجديدة على بناء حياة مستقلة، فعندما يصبح امتلاك المسكن مرتبطًا بدرجة متزايدة بالثروة الموروثة أو بالقدرة على دخول السوق في توقيت مناسب، يتسع الفارق بين من يمتلكون الأصول ومن يعتمدون على دخل العمل وحده.

وهذا الفارق لا ينعكس على الاستهلاك فقط، بل يمتد إلى الأمان الأسري، والقدرة على تكوين أسرة، واختيار مكان العمل، وحتى المشاركة في الحياة العامة، فمن يفتقر إلى الاستقرار السكني قد يصبح أكثر انشغالًا بتدبير احتياجاته الآنية، وأقل قدرة على الاستثمار في مستقبله أو المشاركة المنتظمة في الشأن العام.

لكن هل يعني ذلك أن كل إخفاق اجتماعي هو نتيجة مباشرة للرأسمالية؟ بالطبع لا، فأزمة السكن قد تنتج عن تفاعل عوامل متعددة، منها محدودية المعروض، واختلال التوزيع الجغرافي للوظائف، والطلب السياحي، وأحيانًا طلب اللاجئين، وشروط التمويل، والسياسات المحلية، وطبيعة التنظيم العمراني، ومستوى الاستثمار في الإسكان العام.

ولذلك فإن معالجة الأزمة لا تتطلب مجرد إعلان الحق في السكن، بل تحتاج إلى سياسات متكاملة تزيد المعروض الميسور التكلفة، وتحسن النقل العام، وتضبط التجاوزات، وتوازن بين حماية المستأجرين وتشجيع الاستثمار المنتج في الإسكان، أما سياسيًا، فإن استمرار الأزمة يمنح المعارضة فرصة لمساءلة الحكومة عن الفجوة بين خطابها الاجتماعي والنتائج التي يلمسها المواطن، وهكذا لا تختفي المنافسة السياسية بمجرد تبني سياسات تقدمية؛ بل قد تزداد حدتها عندما ترتفع التوقعات الشعبية من دون أن تتحقق بالسرعة المطلوبة.

إن اليمين لا يتقدم دائمًا لأن الشعوب أصبحت أكثر محافظة من الناحية الفكرية، كما أن اليسار لا يتقدم دائمًا لأن الشعوب أصبحت أكثر اشتراكية، فكثيرًا ما تكون الانتخابات تعبيرًا عن حكم عملي على قدرة الحكومات على إدارة الحياة اليومية، فالناخب قد يؤيد العدالة الاجتماعية من حيث المبدأ، لكنه يعاقب الحزب الذي لم ينجح في تخفيف أعبائه المعيشية، وقد يرفض سياسات اليمين اقتصاديًا، لكنه يصوّت له احتجاجًا على إخفاق الحكومة التي وعدته بالتغيير. وهنا تتجلى الطبيعة المتحركة للشرعية الديمقراطية: فلا يكفي أن تكون نوايا الحكومة جيدة، ولا أن يكون برنامجها متماسكًا نظريًا؛ بل يجب أن يشعر المواطن بأن حياته تتحسن بالفعل.

خامسًا؛ هل تواجه الشعوب رأسمالية عالمية موحدة؟ يكثر في الخطاب السياسي الحديث، الحديث عن الرأسمالية العالمية وكأنها كتلة واحدة تتحرك بإرادة مركزية موحدة، ولكن التحليل العلمي يقتضي قدرًا أكبر من الدقة، فالرأسمالية العالمية ليست مؤسسة واحدة، ولا غرفة قيادة واحدة، ولا تحالفًا متجانسًا تتطابق مصالح أعضائه في كل الظروف.

إنها شبكة معقدة من الشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات المالية، والأسواق، والمستثمرين، والحكومات، والمؤسسات الدولية، ومراكز النفوذ الاقتصادي، وتتقاطع داخل هذه الشبكة مصالح مشتركة أحيانًا، وصراعات حادة أحيانًا أخرى، كما أن الرأسمالية ليست نموذجًا اقتصاديًا واحدًا؛ فهناك اختلافات مهمة بين الاقتصادات التي تعتمد بدرجة أكبر على الحماية الاجتماعية والتفاوض الجماعي، وتلك التي تمنح السوق دورًا أوسع في تحديد الأجور والخدمات وتوزيع المخاطر.

لكن هذا لا ينفي وجود اختلالات في موازين القوة، فالشركات الكبرى تمتلك موارد وخبرات وقدرات على التأثير في السياسات لا تتوافر عادة للأفراد، كما أن حركة رأس المال عبر الحدود قد تمنح المستثمرين خيارات تفاوضية لا يمتلكها العامل الذي يرتبط دخله بمكان محدد. وقد تتعرض الحكومات لضغوط مالية أو استثمارية عندما تتبنى سياسات تخالف مصالح قطاعات اقتصادية قوية، وقد تستخدم بعض الدول نفوذها التجاري أو المالي أو الدبلوماسي للتأثير في خيارات دول أخرى، لكن إثبات وجود ضغوط محددة يتطلب أدلة محددة؛ فلا يصح تفسير كل إخفاق يساري بأنه نتيجة تدخل رأسمالي خارجي، كما لا يصح افتراض أن كل معارضة داخلية لحكومة يسارية تتحرك بالضرورة لحساب مصالح خارجية.

فالمجتمعات نفسها متعددة المصالح، وقد يعارض بعض المواطنين سياسات إعادة التوزيع لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو تتعلق بتصوراتهم عن دور الدولة، والمسألة الأعمق هنا ليست افتراض وجود خصم عالمي واحد، بل فهم الكيفية التي تتحول بها الموارد الاقتصادية إلى قدرة سياسية غير متكافئة.

فإذا كان المواطن يمتلك صوتًا انتخابيًا واحدًا، بينما يستطيع بعض أصحاب الثروات التأثير في الاستثمار والإعلام والتمويل والضغط السياسي، فهل يعني تساوي الأصوات بالضرورة تساوي القدرة على تشكيل القرار العام؟ وهذا هو السؤال الذي يضع الديمقراطية أمام اختبارها الأصعب، فالديمقراطية السياسية قد تمنح المواطنين حقوقًا متساوية من الناحية القانونية، بينما تظل قدرتهم الفعلية على التأثير متفاوتة بفعل الثروة والتعليم والوقت والوصول إلى وسائل الإعلام والتنظيم.

ولذلك فإن حماية الديمقراطية لا تقتصر على نزاهة الانتخابات، بل تشمل أيضًا منع احتكار النفوذ، وضمان شفافية التمويل السياسي، وحماية استقلال المؤسسات، وتوسيع قدرة المواطنين على التنظيم والتعبير والمساءلة.

سادسًا؛ من سارة فاجنكنيخت في ألمانيا إلى الخضر.. هل عاد اليسار فعلًا؟ فإن جمع التجارب التقدمية المعاصرة تحت عنوان واحد قد يساعد على رؤية اتجاهات عامة، لكنه قد يحجب اختلافات جوهرية بينها. فسارة فاجنكنيخت، مثلًا، تمثل تجربة تجمع بين المطالبة بسياسات اقتصادية واجتماعية أكثر عدالة ومواقف محافظة أو متشددة في بعض القضايا الثقافية والهجرة والسياسة الخارجية، ولذلك لا يمكن وضع مشروعها ببساطة في الخانة نفسها التي تشغلها الأحزاب الخضراء أو اليسار الاجتماعي الديمقراطي التقليدي، فالأحزاب الخضراء، تجمع عادة بين قضايا البيئة والتحول الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وإن اختلفت برامجها ومواقفها من دولة إلى أخرى.

وفي الولايات المتحدة، يعكس صعود شخصيات تقدمية مثل عبدول السيد داخل المجال الديمقراطي محاولة لإعادة توجيه النقاش نحو الرعاية الصحية الشاملة، وتكلفة المعيشة، وعدم المساواة، وحدود تأثير المصالح الاقتصادية في السياسة، ولكن هذه الظواهر لا تثبت وحدها وجود موجة يسارية عالمية متجانسة، إنها تكشف، بالأحرى، أن قطاعات من المجتمعات الغربية تبحث عن صيغ سياسية تستجيب لمخاوفها الاقتصادية والاجتماعية، في وقت تتنافس فيه قوى اليمين واليسار على تحديد معنى الأزمة ومن يتحمل مسؤوليتها.

فما الذي يجمع هذه التجارب، رغم اختلافها؟ إنها، بدرجات متفاوتة، تعيد طرح أسئلة تتعلق بتوزيع الثروة، ودور الدولة، ومستقبل الخدمات العامة، والقدرة على مواجهة اختلالات السوق، ومدى تمثيل المؤسسات السياسية لمصالح الفئات التي لا تمتلك نفوذًا اقتصاديًا كبيرًا، ولكن هذه الأسئلة لا تمنح اليسار احتكارًا أخلاقيًا للإجابة عنها، ولا تعني أن كل مشروع يرفع شعار العدالة يمتلك الأدوات اللازمة لتحقيقها. 

فالتحدي الحقيقي أمام التيارات التقدمية هو أن تُقَدِم بديلًا قابلًا للحياة، لا مجرد خطاب احتجاجي ناجح، وإذا كان اليمين يستطيع أحيانًا استثمار القلق الاقتصادي في خطاب قومي أو هوياتي، فإن اليسار يحتاج إلى إثبات قدرته على تحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات عملية، مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، وكفاءة المؤسسات، وحقوق الأفراد، والتعددية الديمقراطية.

فهل يكفي أن يفضح اليسار تناقضات النظام القائم، أم أن شرعيته الحقيقية تبدأ حين يقدم نموذجًا أكثر كفاءة وعدالة في إدارة المجتمع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت العودة الراهنة لبعض التيارات التقدمية مجرد موجة انتخابية، أم بداية تحول أعمق في العلاقة بين الاقتصاد والسياسة.

سابعًا؛ من فلسفة التاريخ.. لماذا لا ينتصر أي نموذج إلى الأبد؟ فمن منظور فلسفة التاريخ، لا تتحرك المجتمعات في خط مستقيم نحو غاية محددة سلفًا، ولا تتقدم وفق قانون يضمن انتصار أيديولوجيا بعينها في نهاية المطاف. إن التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فهو حصيلة تفاعل بين البنى الاقتصادية والمؤسسات السياسية والثقافات السائدة والصراعات الاجتماعية والقرارات البشرية، وقد يبدو نموذج سياسي ما منتصرًا في لحظة تاريخية، لكنه يحمل في داخله تناقضات لا تظهر آثارها كاملة إلا بعد عقود.

وهنا تكتسب المقاربة الجدلية أهميتها: فكل نظام اجتماعي يحقق إنجازات معينة، لكنه ينتج أيضًا اختلالات قد تستدعي مراجعته، فالرأسمالية، مثلًا، أثبتت قدرة هائلة على تعبئة الموارد وتشجيع الابتكار وزيادة الإنتاج، لكنها قد تنتج، في ظل ترتيبات مؤسسية معينة، تفاوتات واسعة أو أزمات دورية أو تركُّزًا للثروة والنفوذ، والدولة التي تتدخل لتصحيح هذه الاختلالات قد تنجح في توسيع الحماية الاجتماعية، لكنها قد تواجه بدورها مشكلات البيروقراطية أو ضعف الكفاءة أو سوء تخصيص الموارد إذا غابت المساءلة والحوكمة الجيدة.

لذلك لا يتمثل الحل العلمي في إحلال عقيدة مطلقة محل أخرى، بل في بناء مؤسسات قادرة على تصحيح الاختلالات، ومراجعة السياسات، وتوزيع المنافع والأعباء بصورة أكثر عدالة، ومن هنا يمكن فهم عودة المطالب اليسارية لا بوصفها استعادة حرفية لتجارب الماضي، وإنماباعتبارها محاولة لإعادة فتح أسئلة لم تغلقها انتصارات السوق.

فلقد تغير العالم منذ القرن التاسع عشر، وتغيرت معه طبيعة الطبقات الاجتماعية والعمل والإنتاج والتكنولوجيا، ولم يعد العامل الصناعي التقليدي وحده هو حامل المطالب الاجتماعية؛ فقد أصبحت هذه المطالب تشمل العاملين في الخدمات، والعاملين لحسابهم الخاص، والشباب الذين يواجهون صعوبات السكن، والفئات التي تعيش هشاشة وظيفية، والشرائح الوسطى التي تخشى تراجع مستوى معيشتها.

كما أن التحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي والعولمة المالية تثير أسئلة جديدة حول من يمتلك أدوات الإنتاج، ومن يستفيد من زيادة الإنتاجية، ومن يتحمل تكلفة التحول الاقتصادي، فإذا أصبحت التكنولوجيا قادرة على زيادة الإنتاج وتقليص الحاجة إلى بعض الوظائف، فكيف ستوزع مكاسب هذه الزيادة؟ وهل ستتحول إلى وقت حر وفرص أوسع لتحسين الحياة، أم ستتركز عوائدها في أيدي من يمتلكون رأس المال والبيانات والبنية التكنولوجية؟

إن هذه الأسئلة تعيد قضية العدالة الاجتماعية إلى قلب النقاش المعاصر، لكنها تفرض على اليسار أيضًا تطوير أدواته الفكرية والسياسية بدل الاكتفاء باستدعاء شعارات الماضي.

وثامنًا؛ لماذا لا تكفي إرادة الشعوب وحدها؟ فقد يبدو الحديث عن إرادة الشعوب جوابًا بديهيًا عن سؤال التغيير، لكنه يحتاج إلى تدقيق. فالشعوب ليست كتلة واحدة ذات إرادة موحدة، بل مجتمعات تضم مصالح وتصورات وقيمًا وتوقعات متعارضة، وما يريده العامل قد يختلف عما يريده صاحب المشروع، وما تفضله المدينة الكبرى قد لا يطابق أولويات المناطق الريفية، وما يعتبره جيل من الأجيال حقًا أساسيًا قد يراه جيل آخر عبئًا ماليًا، ولذلك فإن الديمقراطية لا تقوم على افتراض وجود إرادة شعبية واحدة جاهزة، بل على توفير آليات سلمية للتعبير عن الاختلاف، والتفاوض بين المصالح، وتداول السلطة، وحماية الحقوق الأساسية.

ثم إن الإرادة الشعبية، مهما كانت قوية، لا تتحول تلقائيًا إلى سياسة ناجحة، فقد يطالب المواطنون بتوسيع الخدمات العامة، لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى موارد مالية وإدارة كفؤة، وقد يطالبون بزيادة الأجور، لكن استدامة الزيادة تتطلب مراعاة الإنتاجية والتضخم وقدرة المنشآت على تحمل التكاليف، وقد يطالبون بخفض الضرائب وزيادة الإنفاق الاجتماعي في الوقت نفسه، بينما تفرض القيود المالية خيارات أصعب.

وهذا لا يعني أن المطالب الشعبية غير واقعية بطبيعتها، بل يعني أن الحكم الرشيد يتطلب تحويلها إلى سياسات متماسكة توازن بين الأهداف والموارد والآثار طويلة الأجل، إن الدولة ليستمجرد صندوق لتوزيع الأموال، والعدالة الاجتماعية ليست مجرد زيادة في الإنفاق؛ إنها قدرة على بناء مؤسسات تنتج الفرص، وتحمي الحقوق، وتحد من الامتيازات غير المستحقة، وتستخدم الموارد العامة بكفاءة.

ومن هنا تأتي أهمية ما يمكن تسميته "مأسسة الإرادة الشعبية" (Institutionalization of the Popular Will)، فالإرادة العابرة قد تُسقط حكومة، أو ترفع حزبًا إلى السلطة، أو تفرض تعديلًا في سياسة عامة، لكن الإرادة المؤسسية هي التي تستطيع الحفاظ على الإنجاز بعد تغير الحكومات والأغلبية البرلمانية، وتتحقق هذه المأسسة من خلال قوانين عادلة، ومؤسسات مستقلة، ونقابات حقيقية، وأحزاب ديمقراطية، وإعلام حر، وقضاء مستقل، ونظم ضريبية شفافة، وآليات فعالة لمحاسبة المسؤولين.وعندما تصبح الحقوق الاجتماعية جزءًا من منظومة مؤسسية مستقرة، لا يعود بقاؤها مرتبطًا فقط بحسن نية الحاكم أو شعبية الحزب، وهنا ينتقل المجتمع من انتظار العدالة بوصفها منحة سياسية إلى المطالبة بها بوصفها حقًا عامًا.

تاسعًا؛ ما الذي يجعل التغيير مستدامًا؟ فإذا أردنا استخلاص دروس من التجارب المعاصرة، فإن الدرس الأول هو أن الفوز الانتخابي لا يكفي، فالتيار الذي يريد تغيير قواعد توزيع الثروة يحتاج إلى تحالف اجتماعي قادر على الاستمرار، وإلى برنامج اقتصادي واقعي، وإلى مؤسسات تنفذ السياسات وتراقب نتائجها، والدرس الثاني أن العدالة الاجتماعية لا تنفصل عن كفاءة الاقتصاد، فلا يمكن بناء حماية اجتماعية مستدامة من دون قاعدة إنتاجية قوية، ولا يمكن تحقيق نمو شامل إذا حُرم قسم كبير من المجتمع من التعليم الجيد والرعاية الصحية والفرص الاقتصادية، والدرس الثالث أن الديمقراطية لا تُحمى بمجرد الاحتكام إلى الانتخابات، بل تحتاج إلى ضمان ألا تتحول السلطة الاقتصادية إلى وسيلة لاحتكار المجال العام أو تعطيل المنافسة السياسية، أما الدرس الرابع، فهو أن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بما يعلنه الحاكم، بل بما يتغير في حياة الناس، وبمدى قدرة المؤسسات على الحفاظ على هذه التغييرات.

ومن هنا يمكن وضع مجموعة من الأسئلة التي ينبغي أن تواجه أي مشروع سياسي، يساريًا كان أم يمينيًا: هل يخلق فرصًا للعمل المنتج، أم يكتفي بإدارة الفقر؟ وهل يوسع فرص التعليم والصحة والسكن، أم يترك الحصول عليها مرهونًا بالقدرة المالية وحدها؟ وهل يحد من الاحتكار وتضارب المصالح، أم يسمح بتحول النفوذ الاقتصادي إلى امتياز سياسي؟ وهل يبني مؤسسات مستقلة قادرة على محاسبة السلطة، أم يركز القرار في أيدي أشخاص بعينهم؟ وهل يستطيع تمويل التزاماته الاجتماعية بكفاءة واستدامة، أم يؤجل تكلفة وعوده إلى المستقبل؟

هذه الأسئلة هي التي تنقل النقاش من الاستقطاب الأيديولوجي إلى تقييم السياسات وفق نتائجها، ومن الولاء للأشخاص إلى مساءلة المؤسسات، ومن الشعارات إلى معايير قابلة للفحص.

ثم عاشرًا؛ من جمهور انتخابي إلى قوة تاريخية، فربما يكون التحول الأهم الذي تكشفه هذه النقاشات هو أن المواطن لم يعد يكتفي، في قطاعات من المجتمعات المعاصرة، بالسؤال عن هوية الحاكم؛ بل يريد أن يعرف كيف تُصنع القرارات، ولمن تُوجَّه السياسات، ومن يتحمل تكلفة الأزمات، ومن يحصل على ثمار النمو. 

لكن تحويل هذه الأسئلة إلى تغيير مستدام يتطلب أكثر من موجة غضب أو انتصار انتخابي، فإن المجتمع الذي يريد حماية مصالحه يحتاج إلى تنظيمات تمثله، ومعرفة تمكنه من تقييم السياسات، ومؤسسات تتيح له مراقبة السلطة، ومساحات عامة تسمح بالنقاش الحر، وقواعد تمنع تحول الثروة أو النفوذ إلى احتكار للقرار، كما يحتاج إلى ديمقراطية تقبل تداول السلطة حتى عندما يفوز خصوم المشروع الاجتماعي، لأن الحقوق التي لا تُحمى إلا ببقاء حزب بعينه في الحكم ليست حقوقًا مستقرة، بل امتيازات مؤقتة مرتبطة بموازين القوة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: إن المشروع التقدمي الذي يريد تحرير المجتمع من التفاوت والهيمنة لا يستطيع أن يحقق غايته بإضعاف الديمقراطية أو تقييد التعددية، بل بتوسيع المشاركة والمساءلة، وإخضاع السلطة الاقتصادية والسياسية للقواعد العامة، فليس المطلوب أن تنتصر إرادة فئة على المجتمع كله، وإنما أن يصبح المجتمع أكثر قدرة على إدارة خلافاته، وتصحيح اختلالاته، وحماية أفراده من الحرمان والتعسف.

إن الشعوب لا تغير التاريخ لأنها تغضب فقط، بل لأنها تتعلم كيف تحول غضبها إلى معرفة، ومعرفتها إلى تنظيم، وتنظيمها إلى مؤسسات، ومؤسساتها إلى حقوق لا يستطيع أي حاكم أن يمنحها أو ينتزعها بإرادته المنفردة.

وأخيرًا، هل تستطيع الشعوب إعادة كتابة معادلة السلطة والثروة؟ فمن لولا دا سيلفا إلى بيدرو سانشيز، ومن التيارات التقدمية في أوروبا إلى الأصوات المطالبة بإصلاحات اجتماعية أعمق في الولايات المتحدة، لا يمكن الحديث عن انتصار عالمي محسوم لليسار، كما لا يمكن تجاهل عودة أسئلة العدالة الاجتماعية إلى قلب المنافسة السياسية.

فإن المشهد أقرب إلى صراع مفتوح على مستقبل العقد الاجتماعي: ما الذي يجب أن تضمنه الدولة لمواطنيها؟ وما الحدود التي ينبغي أن تقف عندها سلطة السوق؟ وكيف يمكن الجمع بين حرية المبادرة الاقتصادية وحق المجتمع في الحماية من الفقر والاحتكار والحرمان؟

فقد ينجح اليسار في بلد، ويتراجع في آخر، وقد تحقق حكومة إصلاحات مهمة، ثم تخسر الانتخابات بسبب إخفاقات أخرى، وقد يستثمر اليمين المخاوف الاجتماعية والثقافية ليعيد بناء قاعدته الشعبية، فالتاريخ لا يمنح أي تيار صكًا دائمًا بالشرعية، ولا يضمن أن تتحول المعاناة إلى وعي، أو أن يتحول الوعي إلى تغيير.

لكن ثمة حقيقة تستحق التأمل: كلما اتسعت المسافة بين ما تعد به الديمقراطية وما يستطيع المواطن تحقيقه في حياته، عاد السؤال عن مضمونها إلى الواجهة، فهل الديمقراطية مجرد حق في اختيار من يحكمنا، أم أنها أيضًا حق في المشاركة في تحديد القواعد التي تحكم توزيع الفرص والثروة والمخاطر؟

وهل حرية السوق غاية في ذاتها، أم وسيلة ينبغي تقييمها بقدرتها على خدمة الإنسان والمجتمع؟ وهل يكون النجاح الاقتصادي حقيقيًا إذا لم يمنح المواطنين قدرًا أكبر من الأمان والكرامة والاستقلال؟

إن الإجابة لا تكمن في تمجيد اليسار أو شيطنة اليمين، ولا في افتراض أن التاريخ يسير نحو نتيجة واحدة، بل في بناء نظام سياسي واقتصادي يستطيع الجمع بين الإنتاج والكفاءة، والحرية والعدالة، والمبادرة الفردية والمسؤولية الاجتماعية.

أما السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمامنا، فهو: هل ستظل الشعوب تستدعى إلى صناديق الاقتراع لتختار من يدير الواقع كما هو، أم ستتمكن من بناء مؤسسات تجعلها شريكًا حقيقيًا في تحديد شكل هذا الواقع وقواعده ومستقبله؟

هنا فقط يتجاوز التغيير حدود تبديل الحكومات، ليصبح تغييرًا في طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الاقتصاد والمجتمع، وبين السلطة والمسؤولية، وهنا أيضًا يتحدد الفارق بين انتصار انتخابي عابر وتحول تاريخي مستدام، فالتاريخ لا يتغير حين يصل حزب جديد إلى الحكم فحسب؛ بل حين تتغير القواعد التي تجعل العدالة ممكنة، وتحميها من أن تصبح مجرد وعد مؤجل حتى الانتخابات التالية.
-------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش

مقالات اخرى للكاتب

حين تتمرد الشعوب على اقتصاد السوق