29 - 10 - 2026

من بناء الدولة إلى بناء الإنسان .. أولويات مصر حتى 2030

من بناء الدولة إلى بناء الإنسان .. أولويات مصر حتى 2030

مقدمة:

من إنجاز المشروعات إلى قياس أثرها على المواطن

تدخل مصر مرحلة حاسمة حتى عام 2030؛ فقد توسعت الدولة في البنية الأساسية والاستثمار، وتحسنت بعض مؤشرات النمو والاستقرار، لكن التحدي الأهم لم يعد فقط في تنفيذ المشروعات، بل في تحويلها إلى إنتاج وفرص عمل ودخل حقيقي وعدالة اجتماعية.

وتقدم تجربة البرازيل في عهد لولا درسًا مهمًا في الجمع بين النمو والحماية الاجتماعية والإصلاح المؤسسي. فقد ركزت على مكافحة الفقر، واستعادة الحقوق الاجتماعية، وحماية المؤسسات الديمقراطية، وربطت بين الدعم والعمل والإنتاج. أما مصر، فتواجه في الوقت نفسه ضغوط التضخم والدين والفقر، وتحتاج إلى صياغة مسار يوازن بين الاستقرار المالي وتحسين مستوى المعيشة.

وعليه، فإن الأولوية حتى 2030 ينبغي أن تكون الانتقال من بناء الدولة إلى بناء الإنسان، عبر اقتصاد منتج، وحماية اجتماعية فعالة، ومؤسسات أكثر انفتاحًا ومساءلة.

أولًا: ماذا تقول التجربة البرازيلية؟

لفّت تجربة لولا في البرازيل قوى يسارية ووسطية حول مكافحة الفقر، واستعادة الحقوق الاجتماعية، وحماية المؤسسات الديمقراطية. وربطت بين الحماية الاجتماعية والعمل والإنتاج؛ إذ دعم برنامج «بولسا فاميليا» الأسر الفقيرة مع ربط المساعدات بالتعليم والصحة.

ووفق البنك الدولي، نما الاقتصاد البرازيلي 3.4% عام 2024، وانخفض الفقر من 21.7% إلى 20.9%، وأضيفت 2.8 مليون فرصة عمل، وارتفعت الأجور الحقيقية 4.8%. ورغم استمرار تحديات الدين العام وضعف الإنتاجية، تؤكد التجربة أن تحسين معيشة المواطنين يمكن أن يتزامن مع النمو، إذا اتسمت السياسات بالكفاءة والاستدامة.

ولا تعني الاستفادة من التجربة البرازيلية نسخها حرفيًا، فلكل دولة ظروفها، لكنها تكشف أهمية ثلاثة عناصر مترابطة: حماية الفئات الأضعف، توسيع فرص العمل المنتج، وربط السياسات الاقتصادية بالثقة والمشاركة والمؤسسات.

ثانيًا: مصر بين تحسن المؤشرات وضغوط المعيشة

حققت مصر توسعًا كبيرًا في البنية الأساسية، وتحسنًا في بعض مؤشرات النمو والاستقرار. لكن المعيار الأهم هو نصيب المواطن من ثمار النمو، وفرص العمل المنتجة، والدخل الحقيقي بعد التضخم.

وبحسب البنك الدولي، نما الاقتصاد المصري 5.3% خلال النصف الأول من السنة المالية 2025/2026، مقابل 3.9% في الفترة السابقة، وانخفض التضخم من نحو 38% أواخر 2023 إلى 13.4% في فبراير 2026. لكن معدل الفقر الوطني بلغ 33.5% في 2021/2022، كما ارتفع الفقر بنحو خمس نقاط مئوية بين 2022 و2024 وفق خط الفقر الدولي.

وتشكل فوائد الدين تحديًا كبيرًا، إذ بلغت 10.6% من الناتج المحلي في السنة المالية 2024/2025، ما يقلص الموارد المتاحة للخدمات والإنفاق الاجتماعي.

وهنا يظهر الفرق الأساسي بين تحسن المؤشرات الكلية وتحسن حياة المواطنين. فالنمو لا يصبح تنمية إلا عندما ينعكس على الأجور الحقيقية، وفرص العمل وجودة التعليم والصحة، وقدرة الأسر على مواجهة ارتفاع الأسعار.

لذلك، لا ينبغي الاختيار بين الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية، بل إعادة تصميم السياسة الاقتصادية لتحقيقهما معًا.

ثالثًا: مقارنة بين البرازيل ومصر

تتشابه التجربتان في مواجهة الفقر والحاجة إلى توسيع فرص العمل وتحسين الخدمات، لكنهما تختلفان في طبيعة التحديات والأدوات المتاحة.

في البرازيل، ارتكزت السياسة الاجتماعية على تحويلات نقدية مشروطة، وربطت الدعم بالمدرسة والرعاية الصحية، مع التركيز على خلق فرص العمل وتحسين الأجور. أما في مصر، فما زالت الحماية الاجتماعية تواجه ضغوط التضخم واتساع الاحتياجات، ما يتطلب استهدافًا أدق وربطًا أوضح بين الدعم والخدمات وفرص العمل.

كما أن البرازيل استفادت من قاعدة إنتاجية وزراعية وصناعية واسعة ومن سوق داخلية كبيرة، بينما تحتاج مصر إلى تعميق التصنيع وزيادة الصادرات وتقليل الاعتماد على الاقتراض والتدفقات قصيرة الأجل.

وفي البلدين، يظل الإصلاح المؤسسي عنصرًا حاسمًا. فنجاح السياسات لا يعتمد على حجم الإنفاق فقط، بل على الشفافية، وكفاءة التنفيذ، والقدرة على تقييم النتائج، وإتاحة المجال للنقد والمشاركة.

والدرس الأهم لمصر هو أن الحماية الاجتماعيةلا ينبغي أن تكون بديلًا عن الإنتاج، كما أن النمو لا ينبغي أن يكون منفصلًا عن العدالة. المطلوب هو عقد اقتصادي واجتماعي يربط الدعم بالتنمية، والاستثمار بالتشغيل، والاستقرار بالمشاركة.

رابعًا: الأولويات المرتبة حتى 2030

1- حماية الدخل والاستثمار في الإنسان

تأتي حماية المواطنين من الفقر وتدهور القوة الشرائية في مقدمة الأولويات. ويجب تطوير الحماية الاجتماعية اعتمادًا على بيانات دقيقة، مع ربط الدعم بالتعليم والصحة والتأهيل، وعدم تحويله إلى بديل دائم عن العمل اللائق والأجر العادل.

كما ينبغي زيادة الاستثمار في التعليم والصحة والتدريب المهني، وربط الأجور والمعاشات بتكاليف المعيشة، بما يحسن الدخول الحقيقية ويحد من انتقال الفقر بين الأجيال.

2- الصناعة والإنتاج والصادرات

ينبغي توجيه الاستثمار إلى الصناعة التحويلية، والغذاء، والدواء، ومستلزمات الإنتاج، والتكنولوجيا، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، مع ربط الحوافز بزيادة الصادرات، والمكون المحلي، والتشغيل، والتدريب، ونقل التكنولوجيا.

ويتطلب ذلك منافسة عادلة، واستقرارًا تشريعيًا، وسهولة التمويل والتراخيص، وعدم مزاحمة النشاط الحكومي للقطاع الخاص المنتج.

3- إصلاح المالية العامة وإدارة الدين

يتطلب الإصلاح توسيع القاعدة الإنتاجية والضريبية، مكافحة التهرب، تحسين التحصيل، ترشيد الإنفاق، وإدارة الدين بكفاءة، مع حماية الإنفاق الاجتماعي والاستثماري.

ولا يكفي تحقيق فائض أولي إذا استنزفت فوائد الدين الموارد وأضعفت الاستثمار والخدمات. لذلك يجب وضع مسار واضح لخفض تكلفة الاقتراض، وإطالة آجال الدين، وزيادة الإيرادات من النشاط الإنتاجي بدلًا من تحميل الأسر والمنتجين أعباء إضافية.

4- تعزيز الاستقلال الاقتصادي

لا يعني الاستقلال الانغلاق، بل تنويع الشركاء والأسواق، وتقليل الاعتماد على الاقتراض والتدفقات قصيرة الأجل، وجذب الاستثمارات التي تضيف إنتاجًا وتكنولوجيا وفرص عمل وصادرات.

فالسيادة السياسية تحتاج إلى اقتصاد منتج، وعملة مستقرة، وقدرة على توفير الاحتياجات الأساسية، لا إلى الاعتماد المستمر على مصادر تمويل خارجية أو استيراد السلع الضرورية.

5- الإصلاح المؤسسي والسياسي

لا ينجح الإصلاح الاقتصادي دون ثقة المجتمع، ولا تُبنى الثقة إلا بالمصارحة والمشاركة والرقابة. لذلك تبرز الحاجة إلى توسيع المجال العام، وتفعيل الأحزاب والبرلمان، وإتاحة المجال للمعارضة الوطنية لتقديم بدائلها.

فالمعارضة المسؤولة ليست خصمًا للدولة، والنقد لا يعني إضعافها، ما دام الجميع ملتزمًا بالدستور والقانون ورافضًا للعنف والإقصاء. كما أن استقلال المؤسسات الرقابية وشفافية البيانات شرطان لتحسين السياسات وتصحيح الأخطاء قبل تفاقمها.

خامسًا: برنامج تنفيذي قابل للقياس

ينبغي تبني برنامج وطني معلن حتى 2030 يتضمن أهدافًا محددة في خمسة مجالات رئيسية:

خفض معدلات الفقر وتحسين الدخول الحقيقية.

زيادة فرص العمل الرسمية والمنتجة، خصوصًا للشباب والنساء.

رفع الإنتاج الصناعي والصادرات والمكون المحلي.

تحسين نتائج التعليم والصحة والتدريب المهني.

خفض نسبة فوائد الدين إلى الناتج وتوسيع الحيز المالي للإنفاق الاجتماعي والاستثماري.

ويجب إصدار تقرير سنوي يوضح ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك، مع مناقشته في البرلمان ومشاركة الأحزاب والنقابات والجامعات ومراكز البحث. كما ينبغي أن ترتبط الحوافز الحكومية بمؤشرات أداء واضحة، وأن تخضع المشروعات الكبرى لتقييم دوري يحدد أثرها على التشغيل والإنتاج والدخل.

ويحتاج الإصلاح السياسي إلى انتخابات تنافسية، وتداول سلمي للسلطة، وتكافؤ الفرص، واستقلال المؤسسات الرقابية، واحترام حق المواطنين في التنظيم والتعبير والمساءلة.

خاتمة تنفيذية

السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي،

التحدي أمام مصر ليس نقص المشروعات، بل ضمان أن تتحول البنية الأساسية والاستثمارات إلى إنتاج ودخل وفرص عمل وعدالة اجتماعية. فالمواطن لا يقيس نجاح التنمية بعدد الطرق والمدن فقط، بل بقدرته على الحصول على عمل كريم، وتعليم جيد، ورعاية صحية، ودخل يحمي أسرته من الفقر والتضخم.

وتوضح المقارنة مع البرازيل أن الاستقرار الاقتصادي لا يستمر من دون حماية اجتماعية فعالة، وأن الحماية الاجتماعية لا تنجح من دون إنتاج وفرص عمل، وأن كليهما يحتاج إلى مؤسسات تتسم بالشفافية والمساءلة والمشاركة.

لذلك، فإن الأولوية العملية حتى 2030 هي بناء عقد جديد للتنمية يقوم على خمسة التزامات: حماية الدخل، وتوسيع الإنتاج، وخفض عبء الدين، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، وتوسيع المشاركة السياسية والمؤسسية.

إن تعميق الاستقرار يمر عبر العدالة، وتقوية الدولة تمر عبر بناء الإنسان، وتحقيق السيادة يمر عبر اقتصاد منتج لا عبر الإنفاق وحده. والتغيير الحقيقي لا يكتمل ببناء الطرق والمدن، بل ببناء مواطن قادر، ومؤسسات موثوقة، واقتصاد يخدم المجتمع كله.
--------------------------------------
بقلم: كامل السيد

مقالات اخرى للكاتب

من بناء الدولة إلى بناء الإنسان .. أولويات مصر حتى 2030