28 - 10 - 2026

أوزبكستان تقود مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي مع منظمة الدول التركية عبر الصناعة والاستثمار

أوزبكستان تقود مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي مع منظمة الدول التركية عبر الصناعة والاستثمار

أوزبكستان ومنظمة الدول التركية.. شراكة اقتصادية جديدة لتعزيز التصنيع والاستثمار وفتح الأسواق العالمية

تسعى أوزبكستان إلى إحداث نقلة نوعية في علاقاتها التجارية مع الدول الأعضاء في منظمة الدول التركية، من خلال الانتقال من التبادل التجاري التقليدي إلى بناء شراكات صناعية متكاملة، تقوم على مشاركة الشركات من مختلف الدول في إنتاج السلع النهائية وتسويقها في الأسواق الدولية، بما يعزز القيمة المضافة ويفتح آفاقًا جديدة للنمو الاقتصادي.

وتأتي هذه التوجهات في إطار مبادرة «فضاء الفرص الاقتصادية الجديدة» التي طرحها رئيس أوزبكستان شوكت ميرضيائيف، بهدف توسيع نطاق التعاون الاقتصادي وتحويل العلاقات التجارية إلى شراكات إنتاجية واستثمارية أكثر استدامة.

نمو التجارة وتوسع الاستثمارات

شهد حجم التبادل التجاري بين أوزبكستان والدول الأعضاء في منظمة الدول التركية، إلى جانب تركمانستان والمجر، ارتفاعًا ملحوظًا من 4.13 مليار دولار عام 2017 إلى 10.82 مليار دولار عام 2025.

وخلال الفترة من يناير إلى يوليو 2026، سجل التبادل التجاري نموًا بنسبة 19.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في مؤشر على تنامي العلاقات الاقتصادية بين أوزبكستان وشركائها.

وامتد هذا التوسع إلى الاستثمارات والشركات العاملة داخل السوق الأوزبكية، إذ بلغ عدد الشركات التي يشارك مستثمرون من الدول الشريكة في رؤوس أموالها 4871 شركة مطلع أغسطس 2026.

ومع اتساع حجم التبادل التجاري، تبرز أهمية تطوير هيكل التجارة وزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة المرتفعة. وبلغت صادرات أوزبكستان إلى هذه الدول 2.29 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، مقابل واردات بلغت 4.46 مليار دولار.

ويعزز هذا التفاوت أهمية التوسع في التصنيع وإنتاج السلع الأكثر تقدمًا من حيث المعالجة والتصنيع، بما يدعم القدرة التنافسية للمنتجات الأوزبكية، ويتيح للشركات المحلية الاستجابة لاحتياجات الأسواق الشريكة والوصول إلى أسواق جديدة خارج نطاق المنظمة.

مسار متصاعد للتعاون داخل المنظمة

تدريجيًا، أصبح تعزيز التعاون الصناعي والاقتصادي محورًا رئيسيًا لتحركات أوزبكستان داخل منظمة الدول التركية.

فبعد مشاركة الرئيس شوكت ميرضيائيف في قمة الدول التركية عام 2018، انضمت أوزبكستان عضوًا كامل العضوية إلى مجلس التعاون للدول الناطقة بالتركية، الذي أصبح يُعرف لاحقًا باسم منظمة الدول التركية، عام 2019.

وفي عام 2022، استضافت مدينة سمرقند القمة التاسعة للمنظمة، وتولت أوزبكستان رئاستها. وخلال القمة، طرح ميرضيائيف مقترحًا لإنشاء سلاسل إنتاج ذات قيمة مضافة، بما يسمح للدول المشاركة بالتعاون في تصنيع المنتجات النهائية وتسويقها في أسواق الدول الأخرى.

وفي قمة المنظمة التي استضافتها العاصمة القيرغيزية بيشكيك عام 2024، دعا الرئيس الأوزبكي إلى إبرام اتفاقية للشراكة الاستراتيجية، من شأنها تعزيز الأساس السياسي اللازم لإطلاق مشروعات اقتصادية طويلة الأجل.

«تورك تريد» لتعزيز التعاون بين الشركات

شهد عام 2025 تحركات جديدة لتطوير أدوات التعاون المباشر بين الشركات في الدول الأعضاء، إذ دعا الرئيس الأوزبكي، خلال اجتماع في بودابست، إلى إنشاء منصة «تورك تريد» (TURK-TRADE)، وإعداد برنامج للتعاون الصناعي، إلى جانب تأسيس بوابة استثمارية موحدة.

وتستهدف هذه المقترحات تسهيل التواصل بين الشركات، والتعريف بالفرص الاستثمارية المتاحة، وتطوير المشروعات الإنتاجية المشتركة، بما يساعد على تحويل فرص التعاون إلى مشروعات عملية.

كما شهد منتدى التجارة للدول التركية في باكو تعزيز الاتصالات المباشرة بين مجتمع الأعمال، حيث أبرم منتجون أوزبكيون اتفاقيات لتوريد منتجات نهائية من الملابس المحبوكة ومواد البناء.

وبالتوازي مع هذه المبادرات، اتخذت المنظمة خطوات عملية لدعم التعاون الاقتصادي؛ ففي فبراير 2026، وقّع الوزراء المعنيون بالاقتصاد والتجارة في الدول الأعضاء مذكرة تفاهم للشراكة التجارية، واعتمدوا خارطة طريق للتعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتمويل.

وشهد العام نفسه بدء صندوق الاستثمار التركي أعماله، في خطوة تستهدف دعم الاستثمارات والمشروعات المشتركة بين الدول المشاركة، فيما لا يزال إنشاء مجلس للشراكة الاقتصادية بحاجة إلى مزيد من التوافق بين الدول المعنية.

استثمارات بمليارات الدولارات 

تمثل العلاقات الاستثمارية الثنائية قاعدة مهمة لتطوير القدرات الإنتاجية في أوزبكستان. ففي عام 2025، بلغت الاستثمارات القادمة من أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وتركيا وتركمانستان والمجر 4.29 مليار دولار.

وخلال عام 2026، يجري العمل على 280 مشروعًا بقيمة إجمالية تبلغ 17.24 مليار دولار، فيما وصلت الاستثمارات المنفذة فعليًا ضمن هذه المشروعات إلى 3.84 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى أغسطس.

وتتوقف الآثار الاقتصادية لهذه الاستثمارات على مدى تقدم تنفيذ المشروعات ودخول الطاقات الإنتاجية الجديدة حيز التشغيل، بما ينعكس على حجم الإنتاج وفرص العمل والقيمة المضافة داخل الاقتصاد الأوزبكي.

وتقدم منطقة قشقداريا نموذجًا للتعاون الاستثماري والصناعي بين أوزبكستان وأذربيجان، حيث انتهت المرحلة الأولى من مشروع تنفذه شركة «ماتانات» الأذربيجانية لإنتاج منتجات الجبس، فيما بدأت المرحلة الثانية التي تستهدف تطوير قدرات إنتاج ألواح الجبس.

ويعكس المشروع توجهًا نحو توجيه الاستثمارات الأجنبية إلى أنشطة التصنيع والمعالجة داخل أوزبكستان، بدلًا من اقتصار التعاون على حركة التجارة وتبادل السلع.

النقل والربط اللوجستي.. من المبادرات الثنائيةإلى التعاون الإقليمي

يمثل قطاع النقل أحد المجالات التي شهدت انتقالًا من التعاون الثنائي إلى تطبيق حلول مشتركة على مستوى المنظمة.

ومن أبرز الأمثلة نظام التصاريح الإلكترونية للنقل البري «إي بيرميت» (E-permit)، الذي بدأ مشروعًا مشتركًا بين أوزبكستان وتركيا، قبل أن يمتد تطبيقه ليشمل أوزبكستان وجميع الدول الأعضاء في منظمة الدول التركية.

وتوضح هذه التجربة إمكانية تحويل المبادرات التي تبدأ بين دولتين إلى آليات تعاون إقليمية أوسع، بما يسهم في تسهيل حركة النقل والتجارة عبر الحدود.

وتشمل الخطوات المطلوبة لتعزيز الترابط اللوجستي تنسيق التعريفات، وتطوير الإجراءات الجمركية الرقمية، وتوسيع دور المراكز اللوجستية، بما يدعم انسيابية حركة البضائع ويقلل العقبات أمام التجارة الإقليمية.

وفي هذا السياق، تدعم أوزبكستان الربط بين الممر الأوسط، وخط السكك الحديدية بين الصين وقيرغيزستان وأوزبكستان الجاري إنشاؤه، إلى جانب مسار النقل العابر لأفغانستان المقترح.

ومن شأن تطوير هذه المسارات أن يعزز خيارات النقل المتاحة أمام الشركات، ويوسع نطاق الربط التجاري بين آسيا الوسطى والأسواق الإقليمية والدولية.

«الممر التركي الرقمي».. توسيع آفاق الاقتصاد التكنولوجي

لا يقتصر التوجه الأوزبكي على الصناعة والنقل والاستثمار، بل يمتد إلى الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا باعتبارهما مجالين واعدين لتعزيز النمو الاقتصادي والتكامل الإقليمي.

وخلال قمة منظمة الدول التركية التي عُقدت في مدينة تركستان عام 2026، اقترح الرئيس ميرضيائيف تطوير «الممر التركي الرقمي»، لربط مراكز البيانات الإقليمية عبر شبكات اتصالات عالية السرعة.

كما دعا الشركاء إلى المشاركة في صندوق لرأس المال المخاطر يجري تأسيسه بالتعاون مع كازاخستان، بهدف دعم المشروعات القائمة على الابتكار والتكنولوجيا وريادة الأعمال.

وتعكس هذه المبادرات توجهًا نحو توسيع مجالات التعاون الاقتصادي لتشمل القطاعات الرقمية والمشروعات التكنولوجية القادرة على العمل في أسواق متعددة، بما يفتح المجال أمام مصادر جديدة للنمو ويعزز قدرة اقتصادات المنطقة على مواكبة التحولات العالمية.

من نمو التجارة إلى بناء قاعدة إنتاجية مشتركة

تتجه المرحلة المقبلة من التعاون بين أوزبكستان والدول الأعضاء في منظمة الدول التركية نحو التركيز على نوعية النمو الاقتصادي، وليس فقط حجم التجارة والاستثمارات.

فبينما يوفر ارتفاع التبادل التجاري وتوسع الاستثمارات قاعدة مهمة للتعاون الصناعي، يظل الأثر الاستراتيجي لهذه الشراكة مرتبطًا بقدرة الشركات الأوزبكية على المشاركة في إنتاج السلع النهائية، وزيادة القيمة المضافة محليًا، وتوسيع نطاق الأسواق التي تصل إليها المنتجات.

وفي هذا الإطار، تستهدف المبادرات الأوزبكية في مجالات الصناعة والاستثمار والنقل والتكنولوجيا بناء نموذج أكثر تكاملًا للتعاون الاقتصادي، يقوم على ربط الأسواق وسلاسل الإنتاج وتطوير البنية التحتية وتوسيع الفرص أمام الشركات.

وبذلك، تسعى أوزبكستان إلى توظيف علاقاتها داخل منظمة الدول التركية في تعزيز قاعدتها الصناعية، وزيادة قدرتها التنافسية، وترسيخ موقعها مركزًا للإنتاج والتجارة والربط اللوجستي في آسيا الوسطى.